أخبار مسرحية

مرضى نفسيون في مسرحية “لوكاندة أم نعيم” المصرية

الممثلون يعيشون الصراعات المعقدة بحثاً عن حلول سيكودرامية

ملخص

يقدم المخرج عمرو حسان، عرضه المسرحي “لوكاندة أم نعيم” على خشبة مسرح الهوسابير وسط القاهرة، وهو عرض ينتمي إلى مسرح “السيكودراما”، جاء حصيلة ورشة تدريبية شارك فيها أكثر من 30 ممثلاً وممثلة.

يمكن تصنيف العرض المسرحي “لوكاندة أم نعيم” باعتباره ينتمي على نحو ما إلى ما يسمى مسرح “السيكودراما” الذي ابتكره الطبيب وعالم النفس جاكوب ليفي مورينو (1889 بوخارست-1974 نيويورك) والذي يعتمد على تمثيل الأدوار وتجسيد الصراعات النفسية والمواقف الحياتية على خشبة المسرح، بهدف حل المشكلات الشخصية.

العرض جاء نتاج ورشة تدريبية للمخرج عمرو حسان، وقُدم على خشبة مسرح الهوسابير وسط القاهرة، تأليف وأشعار أيمن النمر وديكور محمد فتحي.

الورشة ضمت أكثر من 30 ممثلاً وممثلة، استمر تدريبهم أكثر من ستة أشهر، وفي المحصلة برز من وسطهم عدد من الموهوبين، من بينهم محمد توحيد وإيرني سمير ومحمد شرف وفيروز مجدي وسيد إبراهيم وحسن يوسف ومحمود دسوقي وأسماء أشرف وجنا عصام وجنة إبراهيم ومحمد فؤاد ميمو وسولاى أحمد ودانة مصطفى، ومعهم ضيف الشرف ميريت عمر الحريري.

أزمات نفسية

نحن أمام مجموعة من الممثلين يأتون من وسط الجمهور في صالة العرض، ويصعدون إلى خشبة المسرح، باحثين عن سيدة تدعى أم نعيم، بعدها يبدأ كل منهم بسرد حكايته، أو جزء من حكايته التي يستكملها عبر زمن العرض، لتكون المحصلة مجموعة من الحكايات التي سببت لأصحابها أزمات نفسية، يتم التغلب عليها أو تجاوزها بالحكي، باعتبار أن إخراجها أو تجسيدها على خشبة المسرح، يعني تجاوزها، أو في الأقل التخفيف من وطأتها.

الممثلون هنا لا يقدمون تجاربهم الشخصية، فهناك نص مكتوب، وهناك كذلك أكثر من شخصية يقوم بها الممثل الواحد، مما يبعدنا من التطبيق الحرفي للفكرة التي تقوم عليها “السيكودراما”، أي إننا بصدد عرض يستفيد من الفكرة للتأكيد على إمكان تطبيقها في المسرح للوصول إلى حل للمشكلة التي يواجهها هذا الشخص أو ذاك، فطرح المشكلة والبوح بتفاصيلها كافة، وسط مجموعة من رواد “اللوكاندة”، يؤديان في النهاية إلى التخلص من العقد النفسية التي سببتها.

واعتمد العرض كذلك على فكرة المسرح داخل المسرح، فكل ممثل يبدأ حكايته، يقوم الآخرون بتجسيد الشخصيات التي تتناولها الحكاية، هم دائماً وأبدا يقولون إننا بصدد تجسيد الحكايات، أو بصدد التمثيل، حتى إن هناك مجموعة كبيرة من ملابس الشخصيات معلقة أمامنا على خشبة المسرح، يقوم الممثلون باستخدامها بما يناسب كل شخصية، وعند الانتهاء من المشهد يجري تغيير الملابس وهكذا.

خطورة هذا النوع من العروض، بخاصة إذا كنا أمام مجموعة من الممثلين الذين يقف معظمهم على خشبة المسرح للمرة الأولى في حياته، وأننا أمام حكايات متداخلة، أنه قد يؤدي إلى إرباك الممثلين وحدوث خلل في الإيقاع، لكن يبدو أن خبرة المخرج في التعامل مع الهواة، وفترة التدريب الطويلة التي أمضاها المتدربون، فضلاً عن بعض المواهب اللافتة وسط الممثلين، أدت إلى خروج العرض بأقل قدر من الخسائر، وهو قدر يحدث حتى في عروض المحترفين.

ومصمم الديكور (محمد فتحي) وهو أيضاً صاحب خبرة طويلة في التصميم والتعامل مع محترفين وهواة، سهل الأمر على الممثلين، واكتفى بما يمكن اعتباره “موتيفات” تؤدي الغرض، ولا تعوّق حركة الممثلين، ولا تتطلب جهداً في تغيير الديكور، فكل ما في فضاء المسرح ثابت، في العمق مجموعة الملابس معلقة أمامنا، وفي المنتصف مستوى مرتفع يُستخدم في تجسيد بعض المشاهد، ومجموعة من الأطر المنتشرة في أرجاء المسرح، جرى إسقاطها من أعلى، يستخدمها الممثلون عند استدعاء حكاياتهم، وبعض المقاعد هنا وهناك، ولا شيء أكثر من ذلك، ديكور تعبيري مقتصد وغير مكلف مادياً.

حكايات كثيرة

في العرض تتعدد الحكايات التي تسببت في أزمات نفسية لأصحابها، فتاة تحب الرسم وتعاني إهمال والديها اللذين يخون كل منهما الآخر، وأخرى يهملها والداها لمصلحة شقيقتها التي تستحوذ على كل اهتمامهما، وثالث يعاني سيطرة أمه عليه وتوجيهه بحسب رغبتها هي لا رغبته هو، سواء في اللعب أو الدراسة أو حتى في الارتباط بزوجة، وشاب خانه صديقه الأقرب في العمل، ومحامٍ أفرط في العمل مما أدى في النهاية إلى دخول السجن بسبب خطأ ارتكبه، وشقيقتان تتآمران على شقيقهما وتدسان له السم في الطعام من أجل الحصول على الميراث، وممثل موهوب لا يجد فرصة للعمل، في حين يحظى بها ابن المنتج غير الموهوب.

هكذا تتعدد الحكايات التي يفضفض بها أبطال العرض، وهي في غالبيتها حكايات اجتماعية تتعلق بالعلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، وما ينجم عنها من مشكلات عندما لا تكون طبيعية أو غير متوازنة.

في مثل هذه العروض يقوم الممثل بسرد حكايته كاملة، ثم يتبعه آخر وهكذا، لكن المخرج هنا سعى إلى كسر هذه الآلية، وقام بتجزئة الحكايات، فنشاهد جزءاً من حكاية، ثم ننتقل إلى جزء من حكاية أخرى، وهكذا، وهو أمر مرهق بالنسبة إلى ممثلين غير متمرسين، لكن المخرج نجح في تحقيق قدر عالٍ من الانضباط، واستطاع الربط بين هذه الحكاية وتلك من خلال ذلك الخيط الذي يجمع بين الشخصيات في مكان واحد.

أزمة نص

وإذا كان العرض نجح في تخطي كثير من المشكلات التي تعانيها عروض مماثلة، فإن مشكلته الأساسية تكمن في النص الذي كان يحتاج، في ظني، إلى قدر من الجهد والبحث، أو حتى الاتكاء على مشكلات الممثلين أنفسهم، فربما أدى ذلك إلى سخونة العرض وبث فيه طاقة أكثر قدرة على التأثير ولفت الانتباه.

ولم يخبرنا العرض عن طبيعة هذه “اللوكاندة” حيث تدور الأحداث، ولماذا هي “لوكاندة” وليست شيئاً آخر، بخاصة أن “اللوكاندة” هي مكان للنوم، فما المبرر الذي جعلها مكاناً للاستشفاء، فكل ما شاهدناه هو ظهور أم نعيم صاحبة “اللوكاندة” في نهاية العرض، سعيدة أن الجميع نجح في تجاوز أزمته بالبوح ومشاركة الآخرين مشكلاتهم.

وبعض الحكايات في العرض جاء سطحياً وغير دال، وربما لا يمثل مشكلة أساساً تؤدي إلى متاعب نفسية تستلزم علاجاً، فهناك حكايات عابرة لا عمق فيها ومكتوبة على عجل، على رغم أن كاتب النص له نصوص عدة سابقة يعتد بها، وحتى في هذا النص وضحت قدرته في البناء الدرامي، لكنه اكتفى ببناء الإطار من دون أن يملأه بما يخلق صراعاً مبرراً أو منطقياً.

العرض، بما أفصح عنه من مواهب تمثيلية لافتة، يمكن تطويره، بإعادة صياغة الحكايات على نحو يمنحها قدراً من العمق، يتيح لها تأثيراً أكبر، فالخامة موجودة وتحتاج فقط إلى بعض المهارة للاشتغال عليها وتشكيلها فنياً.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!