أخبار مسرحية

مسرحيون يكتبون لـ«الدستور» عن «عروض العام»

طرح عام ٢٠٢٥ العديد من الأسئلة والإشكاليات حول المسرح المصرى، وقدرته على الصمود فى ظل تحديات الإنتاج، كما شهد عددًا من العروض المتميزة، التى مثلت إضاءات حول المشهد المسرحى المصرى، ومدى تطوره من ناحية الأسلوب والموضوعات، وهو ما رصده الجمهور والنقاد على حد سواء.

وكشفت المداخلات النقدية، التى يضمها هذا الملف، عن مشهد شديد الثراء والتنوع، فمن العروض الغنائية الضخمة التى استعادت رموز الذاكرة الجمعية إلى تجارب الأقاليم التى فرضت حضورها خارج المركز، ومن مسرح النجم الجاذب إلى مسرح الفضاءات غير التقليدية، ومن إعادة مساءلة التراث الكلاسيكى إلى استلهام الهوية الفرعونية، ومن مسرحة السينما إلى الرهان على الجسد والفضاء المسرحى فى إنتاج المعنى.

ولا يجمع هذه القراءات النقدية، التى تنشرها «الدستور» فى السطور التالية، اتفاقٌ نقدى، بقدر ما يوحّدها جميعًا أنها شكّلت ملامح الموسم المسرحى المنقضى فى ٢٠٢٥، مع تسليط الضوء على ما اتسم به من ظواهر وتحديات وتميز، وهو ما يمكن الاستفادة منه فى المواسم المسرحية المقبلة.

يسرى حسان: مشاركة «مرسل إلى» فى مهرجان المسرح العربى رسالة تقول «اهتموا بالأقاليم وانسفوا البيروقراطية»

أبرز حدث، فى ظنى، فى العام المسرحى المنقضى، يتعلق بمشاركة عرض «مرسل إلى» فى الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربى، التى تنظمها الهيئة العربية للمسرح بالقاهرة، بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، فى الفترة من١٠ إلى ١٦ يناير ٢٠٢٦.

العرض، الذى تم اختياره بواسطة لجنة من المسرحيين والنقاد العرب، إنتاج إدارة المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة، من خلال فرقة بيت ثقافة السنبلاوين.

وهذه هى المرة الأولى، فى تاريخ قصور الثقافة، التى يتم فيها اختيار عرض من إنتاجها، وهو عرض يقدمه مجموعة من الشاب الهواة، بعيدين عن المركز بأضوائه وإعلامه ونقاده.

العرض الذى أخرجه محمد فرج، وكتب نصه طه زغلول، وصمم ديكوراته محمد طلعت، يعد تجربة فائقة الجودة، على مستوى عناصره كافة، خاصة أن ميزانية إنتاجه بسيطة للغاية، فضلًا عن أن معظم صناعه، ما زالوا، حتى الآن، فى عداد الهواة، مع الأخذ فى الاعتبار أن الفيصل هنا للموهبة، ولا يخضع لفكرة الهواية أو الاحتراف.

وأعتقد أن اختيار هذا العرض بمثابة رسالة إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة، رسالة تدفعها إلى مزيد من الاهتمام بالمسرح فى أقاليم مصر، نعم هى تهتم وتدعم، لكن يحتاج المسرح فى الأقاليم إلى زيادة ميزانية الإنتاج والأجور، حتى يستطيع الصمود فى ظل الارتفاع الجنونى فى الأسعار.

يحتاج كذلك إلى نسف البيروقراطية، التى تجعل الشباب يحجمون عن المشاركة فى النشاط المسرحى، سواء من حيث مماطلة بعض الأقاليم فى منحهم حقوقهم المالية، الهزيلة أصلًا، أو من حيث الإصرار على فكرة «المورد»، التى تلتهم حوالى أربعين فى المائة من الميزانية، أو من حيث إعداد المسارح وتجهيزها، وإتاحة الجاهز منها للمسرحيين لا لعروض «سينما الشعب»، التى لا يقبل عليها أحد أصلًا، مع تخصيص قاعات صغيرة لعروض السينما، بدلًا من شغل المسرح بأربع أو خمس حفلات يوميًا، ما يضرب النشاط المسرحى فى مقتل.

مشاركة عرض «مرسل إلى» فى مهرجان المسرح العربى، المفترض أن تكون «نقطة ومن أول السطر»، فهل يستوعب المسئولون هذا الأمر أم يظل الحال كما هو عليه ينتظر فقط مبادرات جسورة يقوم عليها شباب على قدر عال من الموهبة، ويمتلكون رغبة حقيقية فى صناعة مسرح مختلف، رغم كل المعوقات التى يتعمد البعض وضعها فى طريقهم؟

أحمد خميس:  «يمين فى أول شمال».. خلطة درامية سحرية لصناعة البهجة والسعادة

سعدت بحضور العرض المسرحى «يمين فى أول شمال،» تأليف محمود جمال حدينى، وتمثيل كل من: عبدالله صابر وإيهاب محفوظ وأمينة حسن، وإخراج عبدالله صابر، لما لمسته من جهد إبداعى فائق، وذكاء فى تطوير التيمات المتضمنة فى العرض المسرحى الذى قدم فى قاعة يوسف إدريس بالمسرح الحديث.

العرض يدور حول ممثل مغمور، تقوده الصدفة لمنزل زوجين من الطبقة الدنيا، قاده للمكان الزوج الذى يعمل عامل تذاكر فى المترو، وهو رجل بسيط للغاية أراد أن يسعد زوجته المقبلة على عملية خطيرة فى القلب بوجود ذلك الممثل، مقنعًا إياها بأن الممثل جاء خصيصًا بناء على دعوته لتحيتها.

وشيئًا فشيئًا يجذبه نحو تقديم فقرة تمثيلية لإسعاد الزوجة الشغوفة أصلًا بالمسلسلات والأفلام، لدرجة أن منزلها ملىء بصور الممثلين الكبار فى السينما المصرية، حتى إنها تفاجئه بأنها تعرف أدواره الصغيرة التى قدمها مؤخرًا، وذلك أمر أذهله تمامًا حد الانبهار.

مع تطور الحدث، يكتشف الممثل المغمور تلك السعادة التى كان يفتقدها، وتعود إليه ثقته بنفسه كمؤد بارع، يعرف مكامن الشخصيات وتنوع قضاياها، ولكنه يحتاج بعض الحظ، وعلى جانب آخر ينجح الزوج فى إسعاد زوجته ويبدد قلقها تجاه العملية الدقيقة التى ستجريها فى القلب.

تميز التناول البكر بالقدرة الرائعة من فريق العمل على إشاعة البهجة عبر المشاهد التمثيلية المتبادلة بين الزوجة والممثل المغمور والزوج الكوميدى، مع وجود هامش عدم التفاهم المقصود، فكل منهم يحاول تنفيذ مخططه لنجاح مهمته الخاصة.

جمهور العرض كان على موعد مهم مع البهجة والسعادة التى جاء من أجلها، فقد تكونت أمامه الخلطة السحرية التى تقوم على سوء التفاهم الكوميدى، والتى استفادت من ضيق المكان وزحمة الديكور، وذلك أمر زاد من قوة العمل وقدرته الكبيرة على التحرك الذكى والملهم. 

هذا العرض سيبقى حتمًا فى ذاكرة كل من شاهده، لما تمتع به من وعى وذكاء وقدرة على إشاعة البهجة، وهو الأمر الذى تابعناه جميعًا عبر الإقبال الكبير من قبل الجمهور عليه، فكل من شاهد هذه البهجة كان يدعو زملاءه وأصدقاءه لمتابعة العمل، فهنيئًا لصناعه وهنيئًا لمن تحمس لإنتاجه. 

لمياء أنور: «الملك لير» ويحيى الفخرانى.. حين يكسر النجم قواعد ذائقة الجمهور

لطالما ظل التساؤل مطروحًا حول ماهية القوة السحرية التى تجذب الجماهير نحو خشبة المسرح وتدفعهم لقطع التذاكر وانتظار العرض بشغف بالغ، والإجابة تكمن بلا شك فى الدور المحورى الذى يلعبه النجم فى العرض المسرحى، بصفته المغناطيس الأول والرهان المضمون لجهة الإنتاج.

ولعل أبرز تجليات هذه الظاهرة تجسد فى رائعة وليم شكسبير «الملك لير»، حين اعتلت خشبة المسرح القومى، بطولة الفنان القدير يحيى الفخرانى وإخراج شادى سرور؛ إذ تدفق الجمهور على هذه القاعة العريقة بشكل غير مسبوق وازدحمت الصفوف برغبة جارفة لمشاهدة النجم المحبوب وملاقاته وجهًا لوجه بصرف النظر عن طبيعة الموضوع الكلاسيكى الذى تتناوله المسرحية.

وما يزيد من دهشة هذا الإقبال أن ذائقة الجمهور العام تميل تاريخيًا نحو العروض الكوميدية الخفيفة التى تبحث عن الضحك كهدف أساسى، إلا أن حضور النجم فى عرض تراجيدى ومأساوى كالملك لير كان هو المحرك الأساسى لكسر هذه القاعدة وجلب هذا العدد الضخم من المشاهدين.

واللافت فى هذه التجربة أن الغالبية العظمى قد توافدت مدفوعة بهالة النجم وجماهيريته الطاغية، لكن المفاجأة الحقيقية حدثت بمجرد رفع الستار، إذ وجد الجمهور نفسه أمام خلطة فنية متكاملة جعلتهم يكتشفون أن الموضوع الاجتماعى والإنسانى الذى يطرحه العرض يمس حياتهم الشخصية وتفاصيلهم اليومية، فتفاعلوا مع الصراع الدرامى بكل وجدانهم واندمجوا فى رحلة الملك العجوز وكأنها رحلتهم الخاصة. وهنا يبرز تساؤل جوهرى: هل المسرح المصرى قادر على أن يكون عنصرًا جاذبًا للجمهور العادى وغير المتخصص دون وجود نجم شباك يضمن الإقبال؟ أم أن هناك حتمية تاريخية وفنية فى وجود هذا النجم الجاذب كشرط لا غنى عنه لإحياء دور العرض؟ وبالنظر إلى واقعنا نجد أن الإجابة تكمن فى تلك الخلطة السرية والمضمونة التى لا تقوم على عنصر واحد، بل تتشكل من مثلث ذهبى؛ قاعدته وجود نجم يمتلك الكاريزما والثقة لدى الناس، وضلعيه ورق مكتوب بحرفية عالية يعبر عن قضايا المجتمع بصدق ومخرج مبدع يمتلك الرؤية القادرة على تحويل النص إلى حياة تنبض على الخشبة، وبذلك يظل النجم هو البوابة التى يمر عبرها الجمهور لاكتشاف القيمة الفنية والرسالة الإنسانية التى يطرحها العمل المسرحى.

محمد الروبى: «أم كلثوم.. دايبين فى صوتها» مزج ذكى بين التجسيد المسرحى والصورة السينمائية

كان لا بدّ لهذا العام المثقل بالفقد أن يُغلق ستاره على صوتٍ يعرف كيف يربّت على الجراح، بعد عام أصرّ أن يرحل مصطحبًا أعزاء كُثرًا حتى بدا الوداع طقسه الأخير.

من هنا، لم تكن مشاهدة مسرحية «أم كلثوم.. دايبين فى صوتها» مجرد سهرة مسرحية، بل محاولة أخيرة للعثور على عزاءٍ ما؛ عزاء تصنعه الموسيقى حين تعجز الكلمات، ويصنعه المسرح حين يقرر أن يكون ملاذًا لا استعراضًا.

وفى مسرح «موفينبيك»، وجدت تصالحًا متأخرًا مع صورة «كوكب الشرق»، خاصة بعد تجربة سينمائية، تعرض فى الوقت نفسه، وعدت بجديدٍ عن أم كلثوم، ثم اكتفت باستسهالٍ فى البحث وهشاشةٍ فى البناء الدرامى.

على النقيض تمامًا، جاءت «دايبين فى صوتها» عملًا يراهن على البحث الجاد، والكتابة الواعية، بمعنى تقديم دراما عن صوت كان- وسيظل- عنوانًا لتاريخٍ يتجاوز الموسيقى إلى الاجتماع والسياسة.

صياغة النص تحمل توقيع مدحت العدل، الذى خاض مغامرة الإنتاج منفردًا، مغامرة وُصفت بالجنون، لكنها أثبتت فى النهاية وعيًا كاملًا بالسؤال: ماذا نقدّم؟ وعن مَن؟ وكيف؟.

واختار العدل أن يتأرجح بين الشعر والسرد، ساعيًا للإجابة عن سؤال جوهرى: كيف تُصنع الأسطورة، ولماذا تستمر بعد رحيلها؟، الأجمل أنه لم يقع أسير الإعجاب، بل اقترب من أم كلثوم الإنسانة، كاشفًا عن غضبها، وخوفها العميق من الزمن والمرض والموت، وتحفّظها الشديد تجاه المغامرة الفنية.

إخراجيًا، يثبت أحمد فؤاد أنه على قدر الرهان، عبر مزج ذكى بين التجسيد المسرحى والصورة السينمائية، ويزيد العمل بهاءً هذا العدد الكبير من الممثلين الشباب، الذين يؤدون ويغنون ويرقصون دون تقليدٍ فارغ، بعد تدريب طويل وجاد.

بالنسبة لى، «دايبين فى صوتها» هى مسرحية العام، والأجمل أنها أعادت الثقة فى جمهور المسرح الخاص.

حسن عبدالهادى: «جرارين السواقى».. العودة لعالم نجيب محفوظ

إذا طُرح سؤال: «ما هو أفضل عرض مسرحى للموسم المسرحى فى مصر لعام ٢٠٢٥؟»، فإن الإجابة فى تقديرى تنحاز بوضوح إلى عرض «جرارين السواقى»، الذى قُدِّم ضمن فعاليات المهرجان القومى للمسرح المصرى بوصفه تجربة فنية وفكرية تعكس تحوّلًا لافتًا فى مسار المسرح المصرى المعاصر.

لم يعد المسرح مكتفيًا باستلهام النصوص الأدبية وحدها بل اتجه بوعى نحو مسرحة السينما باعتبارها وسيطًا قادرًا على إعادة طرح القضايا الكبرى بلغة رمزية أكثر اتساعًا ومرونة. 

ينتمى «جرارين السواقى» إلى هذا الاتجاه بوضوح؛ إذ انطلق من عالم نجيب محفوظ ومن الإرث السينمائى المرتبط بفيلم «التوت والنبوت»، لكنه لم يقع فى فخ النقل الحرفى بل فكك المادة السينمائية وأعاد بناءها مسرحيًا عبر الجسد والموسيقى الحية والتجريد البصرى، ليحوّل الحكاية المعروفة إلى خطاب فلسفى يتأمل السلطة لا بوصفها شخصًا بعينه بل بوصفها دورة اجتماعية مغلقة يعاد إنتاجها جيلًا بعد جيل.

وجاءت هذه الرؤية من خلال إخراج زياد هانى وبناء دراماتورجى لمحمد عادل النجار، وكلاهما من طلاب المعهد العالى للفنون المسرحية، وهو ما يمنح العرض دلالة خاصة تؤكد صعود جيل جديد قادر على التعامل الخلاق مع التراث الأدبى والسينمائى وإعادة صياغته فى مشروع مسرحى يمتلك الجرأة والوعى بالسياق.

فى «جرارين السواقى» لا تظهر السلطة كقوة مفروضة من أعلى فقط بل كعلاقة مركبة بينها وبين الناس؛ إذ تتبادل الأدوار بين القاهر والمقهور، فالجماعة التى ترفض البطش سرعان ما تعيد إنتاجه حين تتغير المواقع، وكأن المجتمع يدور داخل ساقية لا تتوقف، وهى الفكرة التى جسدها العرض بصريًا وحركيًا بكثافة جعلت المتلقى شريكًا فى اكتشاف منطق التكرار.

وتكمن أهمية هذا العرض أيضًا فى كونه مؤشرًا على مستقبل مسرحة السينما فى المسرح المصرى خاصة فى ظل القيود الرقابية التى تواجه السينما والدراما التليفزيونية، إذ يظل المسرح مساحة أكثر رحابة للتعبير غير المباشر، ولهذا كله لا يبدو «جرارين السواقى» مجرد عرض ناجح بل تجربة فارقة تبرر اعتباره أفضل عرض مسرحى فى مصر لعام ٢٠٢٥.

محمد علام: «انتصار حورس».. ودعوة إلى استلهام الهوية الفرعونية 

نعانى فى أدبنا المعاصر من قلة الأعمال التى تستلهم الهوية الفرعونية، والمقصود بالهوية الفرعونية هو حياة المصرى القديم وتحدياته، للأسف الشديد، اقتصرت الأعمال الإبداعية التى تستلهم هذه الحقبة على العروض التاريخية التى تتناول شخصيات معينة أو أحداثًا تاريخية بعينها، وهذا ما أراه مسألة ينبغى النظر لها بعين الاعتبار، لأنه ببساطة ينم عن مدى فهمنا للثقافة الفرعونية وسياق حياة المصرى القديم، وكأن تلك الحضارة العظيمة لم تُنتج بشرًا، بل تماثيل فقط.

ومن هنا كان الاحتفاء بأن يقدّم وليد عونى عرضًا يتجاوز الاستدعاء الجمالى للتراث «انتصار حورس»، ليؤكد من خلاله أن حماية الأرض هى قضية عدالة قبل أن تكون قضية جمال؛ إذ استعاد الأسطورة المصرية القديمة بروح معاصرة؛ ليضعها فى قلب معركة ممتدة بين الخير والشر. منذ المشهد الأول، حين يسقط شاب معاصر فى الزمن ليجد نفسه داخل نقوش معبد إدفو، بدا أن الأرض ليست مجرد خلفية للأحداث بل كيان حى يهدده الفناء. هنا أكد عونى أن حماية الأرض ليست ذكرى محفوظة فى حجر، بل فعل مستمر يحتاج إلى يقظة وجهد دائم.

هذا التماس بين الماضى والحاضر هو ما أراه حاجة ملحة لصيانة هويتنا الثقافية، وحمايتها من أى محاولات لتشويهها أو محوها، من هنا، يصبح استلهام الهوية الفرعونية فعلًا إبداعيًا شائكًا ومسئولية ثقيلة، لا تمرينًا فى استحضار الأزياء واللغة القديمة. المطلوب ليس إعادة تمثيل الماضى، بل مساءلته، واختراق طبقاته، والبحث عن الإنسان المختبئ خلف الأيقونة. 

المسرح، بقدرته على استنطاق الغائبين، مؤهل لأن يمنح الصوت لمن حُرموا منه، وأن يعقد جسورًا حقيقية بين زمنين يتشابهان أكثر مما نتصور: قلق الوجود وعلاقة الإنسان بالسلطة والخوف الدائم من الغد.

الكتابات التى وصلت إلينا من تلك الحقبة كانت منحازة بطبيعتها، فالأبطال فيها هم من امتلكوا سلطة الكتابة والخلود. أما المصريون، جمهور الحضارة وصنّاعها الحقيقيون، فظلوا بلا صوت، وبلا حكايات، وبلا أسماء. وكأن حضارة كاملة عاشت بلا يوميات، وبلا شكوى، وبلا حب أو صراع داخلى. هذا الصمت التاريخى لا يجب أن يُورّث كما هو، ولا ينبغى للأدب والمسرح المعاصرين أن يقبلا به كقدر. 

رشا عبدالمنعم – الدستور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!