منى نورالدين سيّدة الشاشة والخشبة العابرة للأجيال
ذاكرة تونسية متجددة تزداد إشراقا بمرور الزمن.

حين تحضر بصوتها المخصّب وتجاعيد وجهها عند الابتسامة وهدوئها الرصين، والأهم من ذلك كله حرصها على تقمّص الدور، فإنك في حضرة حالة فنية قلّ نظيرها. مسيرة زاخرة من العطاء الذي لا ينضب والروح الفنية العالية التي جسدتها بعمق المتمرسة على الخشبة وعلى الشاشة، بتجربتها الناضجة توقا إلى التغيير والتجديد على الدوام.
عديدة هي الأسماء التي مرّت على خشبة المسرح التونسي لكن أبرزها تظل الممثلة التونسية منى نورالدين الشاهدة على عصر من ألق المسرح والدراما والسينما، فنون جمعتها في سلة واحدة، وأخرجتها بطابع فريد حتى أن البعض يطلق عليها لقب سيدة الشاشة و”مدرسة الأجيال”.
بصمة لا تُمحى
في قلب الذاكرة الثقافية التونسية تتربّع منى نورالدين بصفتها واحدة من أبرز رموز الفن المسرحي والتلفزيوني. ليست مجرد ممثلة بل هي حالة فنية وإنسانية متكاملة استطاعت أن تحفر اسمها في وجدان التونسيين عبر عقود من العطاء والتنوع والتجدد. ومن المسرح إلى الشاشة الصغيرة، من الأدوار الكوميدية إلى التراجيدية، كانت منى نورالدين وما زالت صوتا نسائيا قويا، يعكس نبض المجتمع ويجسّد تحولات الزمن.
ولدت منى نورالدين سنة 1937 باسم سعدية الوسلاتي، في فترة كانت فيها المرأة التونسية تخوض معاركها الأولى نحو التحرر والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة. ومنذ صغرها أظهرت ميولًا فنية واضحة، فانضمت إلى فرقة الكشّافة التونسية، وهناك بدأت أولى خطواتها على خشبة المسرح. لم يكن الأمر مجرد هواية، بل كان شغفا حقيقيا دفعها إلى التفرغ للفن رغم التحديات الاجتماعية التي كانت تواجه النساء في ذلك الوقت.
اكتشفها المخرج المسرحي الكبير علي بن عياد الذي رأى فيها طاقة تمثيلية استثنائية، فضمّها إلى الفرقة المسرحية الوطنية. ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة فنية طويلة امتدت لأكثر من سبعة عقود تنقلت خلالها بين المسرح والتلفزيون والسينما تاركة بصمة لا تُمحى.
من الخشبة إلى الشاشة

في المسرح وجدت منى نورالدين نفسها، كانت الخشبة فضاءها الحر حيث تتنفس وتعبّر وتبدع بشغف لا ينضب وثبات قل أن تجده عند بني جيلها. شاركت في العشرات من المسرحيات التي شكّلت جزءا فريدا من تاريخ المسرح التونسي الحديث، منها “الفتنة” و”مراد الثالث” و”الماريشال”، وغيرها من الأعمال التي مزجت بين الكوميديا والدراما، وراوحت في بنيتها النصية بين النقد الاجتماعي اللاذع والطرح السياسي الفريد وأيضا بين الترفيه ومحاولة تثقيف الناس بأطروحات جادة.
يقول عنها محبوها إن أداءها المسرحي يتميّز بالصدق والتلقائية والقدرة على تقمص الشخصيات بشكل يجعل الجمهور ينسى أنها تمثل. كانت تعرف كيف تُضحك الناس وكيف تبكيهم وكيف تجعلهم يفكّرون أيضا. لم تكن تبحث عن البطولة المطلقة ولا عن الأدوار التي تأخذ منها ولا تضيف إليها، بل عن الدور الذي يحمل رسالة ويخدم النص ويضيف إلى التجربة المسرحية.
◄ رغم أن المسرح كان بيتها الأول، فإن التلفزيون منحها شعبية واسعة، وجعلها تدخل كل بيت تونسي باقتدار
في هذا الإطار يروق لي تقديم ما تفضلت به الفنانة خلال برنامج تلفزيوني بعد أدائها في مسلسل “فتنة” الذي عرض في رمضان الماضي، وحول الدور الذي تقمصته مع أول مخرجة شابة تتعامل معها وهي سوسن الجمني. وقالت نورالدين “منذ البداية، لم أتواصل مع سوسن مباشرة، لكنني متأكدة أن جميل النجار هو الذي أشار إليها لي.”
وأوضحت أنها تلقت اتصالا من المشرف على نشاطها، حيث عرض عليها الدور وقال لها “علاش لا (لمَ لا)؟” ورغم ذلك كانت تفكر في طبيعة الدور وما الذي يتوجب عليها تقديمه، لتُعطى موعدًا لملاقاة سوسن. وأضافت “ذهبت ووجدت سوسن، وهي فتاة صغيرة ومهذبة، حديثها جميل.”
وحول التعامل مع هذه المخرجة الشابة، أكدت الممثلة القديرة التي لا تخفي خوفها من كل الأدوار التي تسحب منها أكثر مما تضيف إلى رصيدها أنها “كانت تجربة جديدة بالنسبة إلي، دخلت بيئة لم أكن أعرفها من قبل، مع أشخاص لم أعمل معهم سابقا ومخرجة لم أتعامل معها من قبل. كانت لدي بعض المخاوف في البداية، لكن الأمور سارت بسلاسة، وكأنها زيت فوق الماء.”
وأكدت منى نورالدين على أنها دائمًا تخاف من الفشل. وأضافت بروح المنتصرة على الدوام، رغم هاجس الخوف الذي يطرق بابها كلما قررت خوض تجربة جديدة، “ما زال لدي الخوف والتوتر، خاصةً أنني في هذا العمر الطويل في الفن لا أستطيع أن أخطئ. لدي مسؤولية كبيرة وأعتبر كل عمل جديد بمثابة بداية جديدة لي.”
الشعبية والانتشار

رغم أن المسرح كان بيتها الأول، فإن التلفزيون منحها شعبية واسعة، وجعلها تدخل كل بيت تونسي باقتدار، وكل يوم تقريبا من خلال شخصيات متنوعة عرفها من خلالها التونسيون وحفظوها عن ظهر قلب. ومن أبرز أدوارها التلفزيونية شخصية “أمي فضيلة” في سلسلة “شوفلي حل” التي تحولت إلى أيقونة شعبية تُردد عباراتها في المقاهي والبيوت وتُقلّد حركاتها في المدارس والجامعات.
في “شوفلي حل” جسّدت منى نورالدين شخصية المرأة التونسية البسيطة، الفضولية، والطيّبة التي تحب التدخل في شؤون الآخرين، لكنها تفعل ذلك بحسن نية. هذا الدور كشف عن موهبتها الكوميدية وقدرتها على خلق التفاعل مع الجمهور دون أن تفقد عمق الشخصية أو صدقيتها.
◄ ما يميز منى نورالدين ليس فقط موهبتها بل قدرتها على الاستمرار والتجدد والتأقلم مع تغيرات الزمن
كما شاركت في أعمال أخرى مثل “نسيبتي العزيزة” و”الفتنة” و”دار الوزير”، حيث تنوعت أدوارها بين الأم والجدة والجارة والصديقة، لكنها كانت دائما تحمل روحا تونسية أصيلة تجمع بين الحكمة والعفوية والصرامة والحنان.
رغم أن مشاركاتها السينمائية كانت أقل من المسرح والتلفزيون، إلا أنها أبت إلا أن تترك أثرها في بعض الأفلام التي تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية. كانت تختار أدوارها بعناية وتفضل الأعمال التي تحمل مضمونا على تلك التي تبحث عن الإثارة أو الشهرة السريعة.
ما يميز منى نورالدين ليس فقط موهبتها بل قدرتها على الاستمرار والتجدد والتأقلم مع تغيرات الزمن. وفي كل مرحلة كانت تعرف كيف تختار أدوارها وكيف تحافظ على حضورها دون أن تكرر نفسها أو تسقط في فخ النمطية.
لم تركن إلى الماضي، بل كانت دائما تبحث عن الجديد وتؤمن بأن الفن لا يعرف التقاعد وأن الحضور المتوازن والرصين هو أساس كل فنان ناجح. ورغم كونها بلغت سنا متقدمة إلا أنها تواصل العمل وتظهر في الأعمال الرمضانية باستمرار وتقوم بمقابلات صحفية وإعلامية وتحرص على أن تكون متواجدة في المهرجانات مؤكدة أن الفنان الحقيقي لا يعتزل بل يظل يعطي حتى آخر لحظة.
تأثير ثقافي واجتماعي

منى نورالدين ليست فقط فنانة بل هي جزء من الذاكرة الجماعية للتونسيين. أدوارها شكلت مرآة للمجتمع عكست تحولات الأسرة التونسية وصراعات المرأة وتناقضات الحياة اليومية. كانت صوتا نسائيا قويا يطالب بالكرامة ويحتفي بالبساطة ويقاوم كل أشكال الترذيل والتهميش.
كما ساهمت في تكوين أجيال من الفنانين من خلال مشاركتها في الورشات وتقديم النصائح، ودعم الشباب، حيث أنها كانت تؤمن بأن الفن رسالة وأن على الفنان أن يكون قدوة ويساهم في بناء مجتمع أفضل.
◄حالة فنية وإنسانية متكاملة استطاعت أن تحفر اسمها في وجدان التونسيين عبر عقود من العطاء والتنوع والتجدد
في إحدى مقابلاتها قالت منى نورالدين “الفن ليس مهنة، بل حياة. وأنا اخترت أن أعيشها بكل تفاصيلها.” هذه العبارة تلخص فلسفتها وتفسر لماذا بقيت حاضرة في وجدان التونسيين رغم تغير الزمن وتعدد الوجوه.
كانت ترى في الفن وسيلة للتعبير، للتغيير وللتواصل وللحب أيضا، وهي رسالتها الأسمى على الدوام. لم تكن تبحث عن الجوائز أو الألقاب بل عن التأثير الحقيقي وعن تلك الابتسامة التي ترسمها على وجه مشاهد والفكرة التي تزرعها في عقل أي متفرج تشده إلى الشاشة الصغيرة.
على مدار مسيرتها، نالت منى نورالدين العديد من الجوائز والتكريمات من بينها وسام الاستحقاق الثقافي وجوائز من مهرجانات وطنية ودولية. لكن التكريم الأكبر كان حب الجمهور واحترام زملائها وتقدير النقاد.
وهي اليوم تُعتبر من أعمدة الفن التونسي ومن الشخصيات التي ساهمت في بناء هوية ثقافية وطنية، تجمع بين الأصالة والانفتاح من ناحية وبين التراث والحداثة من ناحية أخرى.
في زمن تتغير فيه الوجوه بسرعة وتُنسى فيه الأسماء بسهولة، تظل منى نورالدين مثالا على الفنانة التي لا تنطفئ بل تزداد إشراقا بمرور الزمن. وهي ليست فقط سيدة الشاشة والركح بل سيدة القلوب والذاكرة والوجدان.

الحبيب مباركي – صحيفة العرب



