مي زيادة.. الغائب الحاضر في اتحاد الكتَّاب اللبنانيين
أديبة استثنائية لم تُهزم فكرياً بل أُنهكت إنسانياً

أقام اتحاد الكتَّاب اللبنانيين احتفالاً للأديبة الراحلة مي زيادة (1886-1941) تكريماً لمسيرتها الثقافية، بالتزامن مع إطلاق العدد الخامس من مجلَّة الاتحاد، وذلك في مسرح جمعية التخصُّص والتوجيه العلمي في بيروت.
حضر الاحتفال حشدٌ من الفاعلين الأدبيين والتربويين والإداريين والإعلاميين، وعددٌ من الشعراء والأدباء والأساتذة الجامعيين، وأعضاء من الاتحاد والمنبر الثقافي في جمعية التخصص والتوجيه العلمي. وتخلل الاحتفال عرض فيديو عن علاقة مي زيادة بقرية “الفريكة”، حيث قضت بضعة أشهر، ذكرت في رسائلها أنها أجمل أيام حياتها بعد الأزمة التي مرت بها، وكان بيتها إلى جانب بيت الأديب الراحل أمين الريحاني.
ثم عُقدت حلقة حوارية شاركت فيها نخبة من الباحثين في أدب مي زيادة، وهم: الرئيس السابق لمجلس الكتَّاب العدل في لبنان الأستاذ جوزيف بشارة، الأستاذة أليسار إزرافيل، الأستاذ سليمان بختي، ورئيس اللجنة الفنية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الأستاذ مكرم غصوب.
واستعرض المتحدثون المعروف والخفي عن سيرة مي زيادة، مؤكدين أن المخفي عنها ليس أسراراً بقدر ما هو طمسٌ منهجي لبعض أبعادها الفكرية والإنسانية؛ فالصورة الشائعة تختزلها في صالونها الأدبي، بينما كانت في العمق مشروعاً فكرياً وقارئة رصينة للفلسفة (ديكارت، نيتشه، سبينوزا). كتبت عن الحرية، الفرد، معنى الوجود، وأزمة المرأة الحديثة، وكانت أقرب إلى الفكر الإنساني النقدي من الخطاب الوعظي أو العاطفي، ولم تكن تتعامل مع ضيوفها بوصفهم أدباء كباراً فحسب، بل كعقول تحاورهم من مستوى الندية.
وكانت مي تكتب في مجال الصحافة، وتنشر مقالاتها في الصحافة المصرية ممهورة بأسماء مستعارة، منها: «شجية، خالد رأفت، إيزيس كوبيا، عائدة، كنار، والسندبادة البحرية الأولى». وكان لها دور ريادي في الدفاع عن حقوق المرأة والمطالبة بالمساواة، واستحقت أن تكون من أبرز رائدات النهضة النسائية العربية الحديثة؛ حيث كانت متمكنة من تاريخ المرأة، فأكثرت من الكتابة والمحاضرات والندوات للمطالبة بحقوقها.
وأوضح المشاركون في الاحتفالية أن مي زيادة كانت تكتب وتقرأ بالعربية، الفرنسية، الإنجليزية، الألمانية، والإيطالية. هذا التعدد اللغوي جعلها تعيش بين حداثتين: العربية والأوروبية، ومكنها من رؤية مأزق النهضة من الداخل والخارج، ما ولد لديها شعوراً باغتراب مبكر؛ فهي لا تنتمي كلياً لأي معسكر.
كما تطرق الحوار إلى “قضية الجنون”، واصفين إياها بأنها مأساة اجتماعية لا مرض، فالظلم الذي تعرضت له في سنواتها الأخيرة بعد وفاة أهلها وأصدقائها أدخلها في عزلة قاسية، ثم أُدخلت مصحة عقلية بضغط عائلي واجتماعي. وأكد المشاركون أن مي لم تكن ضحية عاطفة، بل ضحية وعي سابق لعصره؛ فلم تُهزم فكرياً بل أُنهكت إنسانياً.
ولا بد من الإشارة إلى أن زيادة لاقت احتضاناً في لبنان، لا سيما من أمين الريحاني وأنطوان سعادة، وقد دوَّن كل منهما قصته معها؛ فكتب الريحاني “قصتي مع مي”، وسعادة “أيام مي الأخيرة”، وأشارا إلى تلك العلاقة الراقية، علاوةً على أنها عدَّتهما من أهم المنقذين الذين صادفتهم في حياتها.
وفي ختام الندوة، أُطلق العدد الخامس من مجلة الاتحاد، وقدَّم رئيس الاتحاد أوسمةً تقديريَّةً للمشاركين، والتقطت الصور التذكارية.



