هدى شعراوي المرأة الدمشقية التي اتفق على حبها العرب
دمشق التي تسكننا من أم زكي إلى "باب الحارة".

من لا يعرف هدى شعراوي بالاسم، يعرفها بالوجه والصوت والدور الذي التصق بها في ذاكرة المشاهدين العرب “الداية أم زكي”، القابلة الشعبية في الحارة الدمشقية التي كانت تدخل البيوت بلا استئذان، تولّد النساء وتواسيهن، وتشارك في أفراحهن وأحزانهن. وكأنما القدر أراد أن تكون خاتمة حياتها مأساوية في بيت دمشقي، لتغدو سيرتها امتدادًا لشخصيتها الفنية، وتعود فجأة إلى واجهة النقاش العام بعد خبر رحيلها المفجع في حي باب السريجة.
لم يكن موتها مجرد حادثة شخصية، بل كان صدمة أعادت إلى الأذهان حضورها في واحد من أكثر الأعمال الدرامية تأثيرًا في العالم العربي: مسلسل “باب الحارة”. ذلك العمل الذي انطلق قبل أكثر من عقدين، وحقق نسب مشاهدة غير مسبوقة، لم يكن مجرد مسلسل تلفزيوني، بل تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية شكّلت جزءًا من ذاكرة المشاهد العربي، وارتبطت بصورة دمشق القديمة التي حملت في تفاصيلها عبق التاريخ ودفء العلاقات الإنسانية. بين شخصية الفنانة التي تركت بصمتها في الدراما السورية، والمسلسل الذي رسّخ مكانة سوريا كمنبع للدراما الشعبية، تتقاطع الحكاية لتكشف عن أثر الفن في تشكيل الوعي الجمعي، وعن كيف يمكن لحدث شخصي أن يعيد إحياء عمل جماعي ظل محفورًا في الذاكرة.
الحارة الدمشقية
رغم أنها لم تصل إلى النجومية المطلقة مثل بعض زميلاتها إلا أنها تركت بصمتها في الدراما السورية
بالنسبة إلي، وقد عشت خمسة وأربعين عامًا بعيدًا عن سوريا، بعيدًا عن دمشق التي احتضنت شبابي الأول ومرحلة دراستي الجامعية في حاراتها القديمة، كان خبر رحيل هدى شعراوي أشبه بجرس يعيدني إلى تلك الأزقة التي ما زالت تسكنني رغم الغربة.
عندما زرت تونس لأول مرة فوجئت بمدى اهتمام التونسيين بمسلسل “باب الحارة”. لم يكن الأمر مجرد متابعة عابرة، بل كان لديهم يقين بأن الحياة في سوريا لا تزال إلى يومنا هذا صورة طبق الأصل عن الحارة الدمشقية التي جسدها المسلسل. لم أشأ أن أصدمهم، وكنت إذا تطرق الحديث إلى ذلك أتظاهر بعدم الفهم أو أتغافل عما يقال، فلم أرغب أن أقوّض تلك الصورة الجميلة التي بنوها عن دمشق، رغم أن الحداثة طغت على دمشق التي طالما اعتُبرت أقدم مدينة مأهولة في التاريخ.
كتبت مئات المقالات، بل آلافا ربما، عن السياسة والثقافة والمجتمع والتكنولوجيا والاقتصاد، لكنني لم أفكر يومًا في الكتابة عن “باب الحارة”، فما بالك عن “أم زكي”. كنت أرى أن الحديث عن المسلسل لا يليق بجديّة القضايا التي انشغلت بها، وأنه مجرد عمل تلفزيوني شعبي. لكن خبر الرحيل المأساوي لهدى شعراوي جعلني أشعر بالذنب، لأنني لم أكتب عن أهم عمل درامي أعاد تعريف هوية الدراما التلفزيونية، حتى في قلب “هوليوود الشرق” القاهرة، وجعل من دمشق القديمة أيقونة بصرية في المخيلة العربية. رحيلها لم يكن فقط فقدانًا لفنانة، بل كان تذكيرًا بأن الفن قادر على أن يخلّد المدن والوجوه والذاكرة، وأنه يظل حيًا فينا مهما ابتعدنا عن المكان.
المرأة الدمشقية

ولدت الممثلة السورية هدى شعراوي في دمشق، ونشأت في بيئة اجتماعية وثقافية جعلتها قريبة من الفن منذ سنواتها الأولى، حيث كان المسرح والدراما التلفزيونية جزءاً من الحياة اليومية في المدينة التي عرفت بحيويتها الفنية. لم تكن بدايتها في عالم التمثيل سهلة، لكنها امتلكت حضورا خاصا على الشاشة وملامح وجه مميزة جعلتها قادرة على تجسيد شخصيات متنوعة، من المرأة الدمشقية التقليدية إلى الأم الحنون والجارة الصلبة والمرأة التي تواجه قسوة الحياة.
دخلت هدى شعراوي عالم الدراما التلفزيونية في فترة كان فيها الإنتاج السوري يعيش أوج ازدهاره، حيث كانت المسلسلات التاريخية والاجتماعية تغزو الشاشات العربية وتنافس بقوة الأعمال المصرية والخليجية. شاركت في عدد من الأعمال التي رسخت اسمها، لكن الدور الذي جعلها أكثر شهرة كان في مسلسل “باب الحارة”، حيث جسدت شخصية تركت أثراً في ذاكرة المشاهدين، وحضورها في هذا العمل لم يكن مجرد مشاركة عابرة بل كان جزءاً من بناء صورة المرأة الدمشقية في الدراما الشعبية التي شكلت هوية المسلسل.
بدأت هدى شعراوي مسيرتها الفنية في المسرح المحلي، حيث تعلمت أساسيات الأداء والقدرة على التواصل مع الجمهور مباشرة، والمسرح منحها قوة في التعبير انعكست لاحقاً في أدائها التلفزيوني. مع دخولها عالم الدراما وجدت نفسها أمام تحدي إثبات الذات وسط أسماء كبيرة في الساحة السورية، لكنها استطاعت أن تحجز مكاناً لها بفضل التزامها الفني وقدرتها على إتقان تفاصيل الشخصية.
في “باب الحارة” لعبت دوراً يعكس صورة المرأة الدمشقية التي تعيش في ظل مجتمع محافظ، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قوة داخلية وصلابة في مواجهة الظروف، وكانت شخصيتها جزءاً من النسيج الاجتماعي الذي بناه المسلسل، حيث لم يكن العمل يقتصر على البطولة الرجالية بل منح مساحة للنساء ليظهرن كركائز أساسية في الحارة.
الجمهور العربي الذي تابع “باب الحارة” على مدى سنوات طويلة ارتبط بشخصياته بشكل وثيق، وكانت هدى شعراوي واحدة من تلك الوجوه التي أصبحت مألوفة في البيوت العربية، وحضورها المتكرر في المواسم المختلفة جعلها جزءاً من ذاكرة المشاهد حتى أن كثيرين كانوا يرون فيها صورة الأم الدمشقية التي تجمع بين الحنان والصرامة.
رغم أنها لم تصل إلى مستوى النجومية المطلقة مثل بعض زميلاتها، إلا أنها تركت بصمة واضحة في الدراما السورية، وأعمالها جسدت التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها سوريا وكانت جزءاً من جيل ساهم في نقل صورة المجتمع السوري إلى الشاشة العربية. رحيلها المفاجئ والمأساوي في منزلها بحي باب السريجة شكّل صدمة كبيرة للوسط الفني والجمهور، ولم يكن موتها مجرد حادثة شخصية بل تحول إلى حدث أعاد النقاش حول مسيرتها وأعمالها، خصوصاً “باب الحارة”.

كثيرون رأوا أن وفاتها أعادت تسليط الضوء على قيمة الفنانين الذين قد لا يكونون في الصف الأول من النجومية لكنهم يشكلون العمود الفقري للدراما، وأن حضورها المتواضع لكن المؤثر يعكس أهمية الأدوار الثانوية التي تمنح العمل صدقيته وعمقه. إرثها الفني يتمثل في قدرتها على تجسيد شخصيات قريبة من الناس وفي مساهمتها في أعمال شكلت جزءاً من الذاكرة الجماعية، ورحيلها ترك فراغاً لكنه أيضاً أعاد التذكير بأهمية الفنانين الذين يظلون أوفياء لفنهم حتى النهاية.
هدى شعراوي كانت جزءاً من جيل الممثلات اللواتي حملن على عاتقهن مهمة نقل صورة المرأة السورية إلى الشاشة، في زمن كانت فيه الدراما السورية تتوسع وتصل إلى جمهور عربي واسع. شخصيتها في “باب الحارة” لم تكن مجرد دور مكتوب بل كانت انعكاساً لتجربة حياتية، حيث جسدت المرأة التي تعيش بين التقاليد والقيود الاجتماعية وبين رغبتها في الحفاظ على كرامتها ومكانتها داخل المجتمع. هذا التوازن بين الحنان والصرامة جعلها قريبة من المشاهدين الذين وجدوا فيها صورة مألوفة من حياتهم اليومية.
ومع أن “باب الحارة” تعرض لانتقادات كثيرة بسبب تكرار المواسم وضعف الحبكة في بعض الأحيان، إلا أن الشخصيات التي جسدها ممثلون مثل هدى شعراوي ظلت حاضرة في ذاكرة الجمهور، لأنها كانت جزءاً من التجربة الأولى التي ربطت ملايين المشاهدين بالدراما السورية.
وفاتها المأساوية سلطت الضوء على هشاشة حياة الفنانين الذين يعيشون بين الشهرة والنسيان، وأعادت النقاش حول دور الفنانين في المجتمع وكيف يمكن أن يكونوا عرضة للتهميش رغم أنهم يشكلون جزءاً من الذاكرة الثقافية. كثير من المقالات التي تناولت خبر رحيلها ركزت على أن موتها في منزلها بحي باب السريجة لم يكن مجرد حادثة جنائية، بل كان رمزاً لانطفاء صوت فني ظل حاضراً في وجدان الناس.
هذا الربط بين حياتها الشخصية ومسيرتها الفنية يعكس كيف يمكن للفن أن يظل مرتبطاً بالواقع حتى في لحظات الفقد. إرثها لا يقاس بعدد الأعمال التي شاركت فيها أو حجم النجومية التي حققتها، بل يقاس بقدرتها على أن تكون جزءاً من تجربة جماعية شكلت ذاكرة المشاهد العربي، وبأنها كانت واحدة من تلك الوجوه التي تمنح العمل صدقيته وتجعل الحكاية أكثر قرباً من الناس.
رغم قلة حضورها في الدراما مقارنة بغيرها، فإن إرثها سيظل حاضراً في ذاكرة المشاهدين الذين تابعوا أعمالها، وفي تاريخ الدراما السورية التي لا يمكن أن تُكتب دون ذكر أسماء مثلها. لقد كانت حياتها ومسيرتها مثالاً على التواضع والالتزام، ورحيلها كان خسارة للفن السوري وللذاكرة الجماعية التي ستظل تستحضرها كلما عاد الحديث عن باب الحارة وعن زمن الدراما السورية الذي شكل وجدان جيل كامل.
باب الحارة

لا يكتمل الحديث عن أم زكي دون التوغل بالحديث عن “باب الحارة” الذي انطلق في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وسرعان ما تحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية في العالم العربي، إذ استطاع أن يجمع ملايين المشاهدين حول شاشة التلفزيون في شهر رمضان، وأن يخلق حالة من التفاعل الجماهيري غير مسبوقة في تاريخ الدراما السورية.
فكرة المسلسل التي تناولت الحياة في حارات دمشق القديمة خلال فترة الانتداب الفرنسي جاءت لتعيد إحياء صورة المجتمع الدمشقي التقليدي، حيث تتقاطع قصص العائلات والجيران والتجار مع قضايا الشرف والكرامة والمقاومة الوطنية، وهو ما منح العمل قوة جذب خاصة لأنه جمع بين الحكاية الشعبية والبعد الوطني في آن واحد.
ومنذ موسمه الأول حقق “باب الحارة” نجاحا جماهيريا هائلا، وأصبح جزءاً من طقوس رمضان في معظم البيوت العربية، وتحولت شخصياته مثل أبوعصام وأبوشهاب وأبوبدر إلى أيقونات شعبية يتداولها الناس في أحاديثهم اليومية، حتى إن بعض العبارات التي وردت في العمل دخلت في الأمثال والنكات، وأصبح المسلسل مرجعاً بصرياً للذاكرة الجمعية عن دمشق القديمة.
رحيلها لم يكن فقط فقدانا لفنانة، بل كان تذكيرا بأن الفن قادر على أن يخلد المدن والوجوه والذاكرة
هذا النجاح لم يكن مجرد صدفة، بل كان نتيجة تضافر عوامل عدة، منها النص الذي اعتمد على قصص بسيطة لكنها قريبة من الناس، والإخراج الذي ركز على التفاصيل البصرية للحارة الدمشقية، والأداء التمثيلي الذي منح الشخصيات صدقية عالية. ومع أن العمل تعرض لاحقاً لانتقادات بسبب تكرار المواسم وضعف الحبكة في بعض الأحيان، إلا أنه ظل يحافظ على جماهيريته بفضل ارتباط الناس بشخصياته، وبفضل قدرته على أن يكون أكثر من مجرد مسلسل، بل ظاهرة اجتماعية تعكس قيم المجتمع وتناقش قضاياه.
الأهمية الكبرى لباب الحارة تكمن في أنه فتح الباب أمام موجة من الأعمال التاريخية والاجتماعية التي حاولت استنساخ تجربته، وعزز مكانة الدراما السورية في السوق العربية، وجعلها منافساً قوياً للدراما المصرية والخليجية. نجاحه التجاري والجماهيري شجع شركات الإنتاج على الاستثمار في الدراما السورية، وأدى إلى زيادة الطلب على الممثلين السوريين في الأعمال المشتركة، وهو ما ساهم في انتشارهم على نطاق واسع في العالم العربي.
المسلسل تجاوز حدود الشاشة ليصبح جزءاً من الثقافة الشعبية، حيث ارتبط الناس بشخصياته إلى درجة أن بعض السياح كانوا يزورون أحياء دمشق القديمة بحثاً عن “باب الحارة” الحقيقي، كما أن الحارة الدمشقية التي صورها العمل أصبحت رمزاً للهوية السورية في المخيلة العربية. ومع وفاة الممثلة هدى شعراوي، أحد وجوهه البارزة، عاد المسلسل إلى الواجهة مجدداً، ليس فقط لأنه كان أحد أبرز أعمالها، بل لأنه يمثل مرحلة كاملة من الدراما السورية التي شكلت وجدان جيل كامل من المشاهدين.

الجدل الذي أثاره باب الحارة حول تصوير المرأة والعلاقات الاجتماعية وحتى بعض التفاصيل التاريخية جعله موضوعاً دائماً للنقاش، وهو ما يعكس أنه لم يكن مجرد عمل ترفيهي بل نصاً مفتوحاً على التأويلات والقراءات المختلفة. البعض رأى فيه تمجيداً للتقاليد على حساب الحداثة، والبعض الآخر اعتبره توثيقاً بصرياً لمرحلة مهمة من تاريخ دمشق، لكن الجميع اتفق على أنه كان علامة فارقة في تاريخ الدراما السورية.
علي قاسم – صحيفة العرب



