وليد عمران: المخرج.. المسؤول الأول عن السينوغرافيا

ضمن فعاليات ملتقى الشارقة الرابع عشر لأوائل المسرح العربي، الذي يقام بالتزامن مع الدورة الخامسة والثلاثين من أيام الشارقة المسرحية، عقدت محاضرة بعنوان «السينوغرافيا المسرحية بجماليات الثقافة العربية»، قدمها مهندس الديكور الإماراتي وليد عمران الجلاف.
استهل عمران الورشة بالتأكيد على أن السينوغرافيا عنصر مهم في صناعة العرض المسرحي، وتمثل رؤية شاملة توحد بين الصورة والجمال والفكر، فهي كلمة مرنة متعددة الأبعاد، تنطوي على فهم عميق للفضاء المسرحي بكل عناصره، من الإضاءة إلى الديكور، والملابس، والمؤثرات الصوتية، وأشار إلى أن العالم العربي لا يزال يفتقر إلى الدراسات الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال مقارنة بما هو معمول به في الجامعات الأوروبية، التي أنشأت أقساماً علمية متقدمة للسينوغرافيا تواكب التطور التكنولوجي والجمالي في المسرح المعاصر.
المفهوم والممارسة
توقف عمران عند الخلط الشائع بين مفاهيم السينوغرافيا وبعض التخصصات الفنية القريبة منها كالإضاءة والديكور وتصميم الأزياء المسرحية، موضحاً أن هذه المفردات تشكل أجزاء من «الكل السينوغرافي»، فالمصطلح أعم وأشمل، ويعني التنظيم البصري والفضائي للعالم المسرحي، أي خلق بيئة فنية متكاملة تعبر عن روح النص ورؤية المخرج وتشحن المسرح بالدلالات.
في هذا الإطار، شدد عمران على أن المخرج المسرحي هو المسؤول الأول عن بناء الرؤية السينوغرافية، لأنه يتعامل مع كل تفصيل في العرض من موقع المبدع الذي يصوغ الصورة الكلية، قائلاً إن «المخرج يتحمل نجاح أو فشل العرض لكونه المشرف على توليف جميع العناصر الفنية، من حركة الممثلين إلى توجيه الإضاءة وتوزيع المناظر»، لذلك وبحسب رؤيته فإن من يشتغل على السينوغرافيا بوعي شامل هو المخرج نفسه، ويحق لنا أن نطلق عليه لقب «المخرج السينوغراف»، لأن الإخراج يسبق السينوغرافيا من حيث الفعل الإبداعي والتنظيمي.
أكد عمران أهمية استلهام التراث العربي والخليجي في السينوغرافيا المعاصرة، سواء على مستوى العمارة أو الزخرفة أو الأزياء الشعبية، مشيراً إلى أن الهوية البصرية للعرض المسرحي يجب أن تعبر عن البيئة المحلية والذاكرة الثقافية للجمهور، وأضاف أن السينوغرافيا ليست نقلاً للواقع، بل إعادة تشكيله ضمن فلسفة جمالية تنسجم مع روح النص وتسعى إلى مخاطبة المتفرج بلغة بصرية تشد حواسه وتثير وجدانه.
ولفت إلى أن عدداً من التجارب المسرحية العربية المعاصرة لاتزال تعتمد على تقليدية الديكور أو نقله عن نماذج غربية، من دون تمثّل عمق البيئة العربية في تشكيل الفضاء المسرحي، ودعا إلى تطوير الحس السينوغرافي لدى المخرجين الشباب من خلال برامج تدريبية تدمج المعارف التقنية مع الخيال الإبداعي والوعي الثقافي، لأن السينوغرافيا في جوهرها علم وفن في آن واحد.
عنصر فاعل
أوضح عمران أن الممثل هو العنصر الفاعل الأول في العرض المسرحي، وأن نجاح السينوغرافيا يكمن في قدرتها على تمكين الممثل من التفاعل مع عناصر الفضاء المسرحي من إضاءة وديكور وموسيقى وحركة، وأشار إلى أن البروفات المسرحية هي المختبر العملي الذي تصاغ فيه السينوغرافيا، حيث يتم اختبار مدى انسجام الممثل مع المشهد البصري، وكيفية تحويل الفضاء المسرحي إلى شريك في الأداء.
وشدد على فلسفة العمل الجماعي في هذا السياق، معتبراً أن الفن المسرحي بطبيعته لا يبنى على الفردية، وأن التفاهم بين المخرج والممثل والمصمم السينوغرافي هو ما يخلق الاتساق الجمالي الذي يشعر به الجمهور في نهاية المطاف.
واستعرض عمران العناصر المكونة لما سمّاه «الرؤية البصرية الشارحة لمفردات النص»، موضحاً أن السينوغرافيا تشمل مجموعة متكاملة من العناصر، النص، والديكور، والإضاءة، والمؤثرات الصوتية، والأزياء، والمكياج، والإكسسوارات. وأضاف أن هذه العناصر حين تتضافر تنشئ صورة مشهدية بصرية تفسر النص الدرامي وتعزز الحالة الشعورية للمشاهد، فالسينوغرافيا – بحسب تعبيره – تعنى بخلق بيئة بصرية ووظيفية متناغمة، تسهم في سرد القصة وتجسيد المزاج النفسي للشخصيات، لا أن تكتفي بالتزيين أو الإبهار البصري.
تفاعل
تميزت المحاضرة بحيوية النقاشات التي دارت بين الطلبة والمهندس وليد عمران، إذ تبادل المشاركون الآراء حول موقع السينوغرافيا في المسرح العربي وسبل تطويرها أكاديمياً ومهنياً، وطرحت تساؤلات حول كيفية توظيف التقنيات الرقمية الحديثة في تصميم الفضاء المسرحي، ومدى توافقها مع فلسفة المسرح العربي الذي يستند إلى التراث في كثير من عناصره، كما شارك بعض المسرحيين الشباب تجاربهم الخاصة في التعامل مع السينوغرافيا، مشيرين إلى التحديات التي يواجهونها في تنفيذ رؤاهم ضمن الإمكانات المتاحة.
واختتم وليد عمران الورشة مؤكداً أن السينوغرافيا هي علم وفن تصميم وتشكيل الفضاء المسرحي، بما يضمه من ديكور، وإضاءة، وألوان، وأزياء، ومؤثرات صوتية، بهدف خلق عالم بصري متكامل يخدم النص الدرامي ويثري التجربة المسرحية، وخلص إلى القول: «إن جماليات العرض المسرحي لا تتحقق إلا عندما تتوحد جميع مكوناته في نسيج واحد تحكمه رؤية إخراجية واعية، وذائقة بصرية منفتحة على الثقافة العربية الأصيلة».
الخليج



