“يا أهل الأمانة” مسرح شعبي مصري رسخه فؤاد حداد
المخرج أحمد إسماعيل يواصل البحث في الجذور مستعيناً برائد الشعر العامي

ملخص
يقدم المخرج أحمد إسماعيل العرض المسرحي “يا أهل الأمانة” المأخوذ عن قصائد الشاعر الرائد فؤاد حداد على خشبة المسرح القومي في القاهرة، وهو عرض ينتمي إلى ما يمكن اعتباره مسرحاً شعبياً، ظل هذا المخرج طوال مسيرته يبحث عنه ويحاول تأصيله في عدد من العروض التي قدمها، وبدأها من قريته بمحافظة المنوفية، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ويتخرج فيه.
قبل أن يلتحق المخرج المسرحي أحمد إسماعيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية، كان هاجس الخصوصية يطارده وظل يبحث عن صيغة مسرحية شعبية قريبة إلى الناس، عثر على بعض ملامحها مع أهالي قريته بمحافظة المنوفية (60 كيلومتراً شمال القاهرة) الذين شكل من خلالهم فرقة مسرحية وقدم معهم عدة عروض جسدوا خلالها قضاياهم ومشكلاتهم، فكانت عروضهم أقرب إلى البرلمان الشعبي، الذي يُساءل خلاله أولو الأمر.
تطورت تجربة أحمد إسماعيل بعد التخرج في المعهد، وبعد بعثة أيضاً إلى الجامعة الفرنسية (باريس 8) للحصول على درجة الماجستير، درس خلالها منهاج الإبداع المسرحي الجماعي ومادة التعبير الجماهيري، وهو ما أفاده كثيراً في تجاربه المسرحية اللاحقة.
قدم أحمد إسماعيل عدداً كبيراً من العروض الشعبية، ووجد ضالته في واحد من أهم وأكبر شعراء العامية المصرية وأكثرهم قدرة على التعبير عن الروح المصرية على رغم أنه يتحدر من أصول لبنانية، وهو الشاعر الرائد فؤاد حداد، وقدم عن أعماله عدة عروض وسهرات مسرحية شعبية.
ربما لم يعرف تاريخ الشعر المصري المكتوب بالعامية شاعراً في حجم وقيمة وغزارة إنتاج مثل فؤاد حداد (1927-1985)، ذلك الشاعر الملقب بـ”والد الشعراء” والذي ترك 33 ديواناً شعرياً، جرب فيها كل صور الشعر وأغراضه، ومزج في بعضها بين الفصحى والعامية، بين الموزون المقفى والنثري، بل إنه ابتكر أوزاناً شعرية يصعب ردها إلى أي بحر شعري من البحور الـ16 المعروفة.
لقد شكلت أعمال فؤاد حداد، صاحب “الأرض بتتكلم عربي” و”الحمل الفلسطيني” و”المسحراتي” و”الحضرة الزكية” وغيرها، معيناً لا ينضب للمغنين والملحنين والمسرحيين. صحيح أنه لم يكتب نصوصاً مسرحية، لكن هناك عدد من القصائد يتجلى فيها الحس الدرامي يمكن مسرحتها، بل إن بإمكان أي معد شاطر أن يشكل نصاً مسرحياً بواسطة مقتطفات من قصائده، وهو ما فعله معد مسرحية “يا أهل الأمانة” محمد رزق، المسرحية التي أخرجها للمسرح القومي بالقاهرة أحمد إسماعيل، ذلك المخرج المولع بالمسرح الشعبي أو المسرح القريب إلى الناس.
صور شعرية
في عرض “يا أهل الأمانة” تتجلى سمات المسرح الشعبي، فهو يعتمد على العامية المصرية مما يجعله قريباً إلى الناس أو الجمهور العام، فضلاً عن أنها عامية راقية مفعمة بالصور الشعرية المبهرة التي برع فيها حداد، كما أن الموضوعات التي يناقشها تمس الحياة اليومية لهم، والأمانة التي يطالب العرض الناس بحملها تتعلق بالقيم العليا في الحياة كالحب والخير والجمال والتسامح وغيرها من القيم، التي نذر هذا الشاعر الرائد قصائده لنشرها بين الناس، ولم يكن مستغرباً ولا مستهجناً أن يقول عن نفسه “ألفين سنة ويفضل كلامي جميل”.
أيضاً من سمات المسرح الشعبي في هذا العرض بساطة ديكوراته (تصميم مي كمال) إذ ارتكز على مساحة للتمثيل في المقدمة، خلفها منصة ذات مستويين، مشكلة من موتيفات شعبية مخصصة للفرقة الموسيقية، فالغناء في العرض حي (ألحان الراحل محمد عزت) وقيادة أوركسترا (شهاب محمد عزت).
الروح المصرية
عرض “يا أهل الأمانة” ليس مجرد عرض رمضاني يناسب الشهر الكريم، أو مجرد سهرة مسرحية يقوم الممثلون خلالها بإلقاء أشعار فؤاد حداد، لكنه عرض مسرحي شعبي بامتياز فيه من روح مصر كثير، من أحيائها ومدنها وقراها وعاداتها وتقاليدها، وهو ما أدركه الممثلون، فهناك وحدات درامية كل منها مستقلة عن الأخرى، لسنا أمام عرض تقليدي، له بداية ووسط ونهاية، هناك وحدات صغرى مستقلة بذاتها، لكن بتجميع ذلك كله يمكننا أن نرى صورة مصر، لا تلك الصورة الإيجابية المضيئة فحسب، لكن هناك أيضاً صورة مصر في بيروقراطية موظفيها، وفي مبالغة بعض ناسها في كلف الزواج وفي إهمال العلم والتعليم، وغيرها من المظاهر التي يقدمها العرض بصورة فيها شيء من خفة الظل، وهي واحدة أيضاً من سمات المسرح الشعبي.
اللافت في العرض، على رغم إغراءات شعر فؤاد حداد، الذي وصفه الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر بأنه “صناجة العرب الجديد”، أن الممثلين الثلاثة (مفيد عاشور ويوسف إسماعيل ورحاب رسمي) لم ينزلقوا إلى فكرة إلقاء الشعر، لكنهم حرصوا على تجسيد الصور الشعرية في أداء تمثيلي يقرب الصورة أكثر إلى الجمهور، وتحلوا بفهم واعٍ لطبيعة الكلام وطريقة نطقه وضُفر ذلك بالغناء (مصطفى سامي ونهى حافظ)، وذلك كله في تناغم محسوب وتوزيع جيد لمناطق التمثيل والغناء والروي.
التوظيف الجمالي
لا ينقل العرض الظواهر الشعبية كما تتجلى مثلاً في الموالد أو الاحتفالات الدينية، بما فيها من إنشاد وحال وجد صوفي وبعض العشوائية، لكنه يوظفها جمالياً أو يمسرحها ليضفي عليها تلك المسحة من الانضباط الفني، الذي على رغم أنه لا يعتمد دراما تقليدية، فإن دراميته نبعت من فكرة الانتقاء أولاً، انتقاء مقاطع شعرية بعينها، وثانياً التجانس بين تلك المقاطع، وثالثاً من خلال الأداء التمثيلي الواعي بطبيعة الحال التي يجسدها، فالممثل هنا يدرك أن تلك المقاطع التي يعمل عليها لا بد من تطويرها مسرحياً، لتبدو كأنها حركات سيمفونية متتابعة، تفضي في النهاية إلى مغزى أو معنى ما، أو في الأقل تحدث نوعاً من البهجة لدى متلقيها.
قدم العرض صيغة مسرحية استطاعت أن تلبي حاجات الجمهور الجمالية، والمقصود بالجمهور هنا هو الجمهور العام، وليس جمهور المسرح فحسب، فعلى رغم أن العرض يقدم على خشبة المسرح القومي العريق المعروف بجمهوره الكلاسيكي، فإن بالإمكان تقديمه في أي ساحة شعبية سيجد فيها استجابة واسعة من الجمهور العام، سواء الذي ارتاد المسرح من قبل أو الذي لم يرتده.
وإذا كان العرض يتغنى بمصر ويعدد مآثر أهلها ويستعيد زمناً كاد يندثر، فإنه لا يتورع أيضاً عن ذكر المساوئ، وهو ما يعيدنا إلى “مسحراتي” فؤاد حداد، ذلك الذي لا يوقظ الناس من نومهم ليتناولوا طعام السحور فحسب، لكنه يوقظهم أيضاً من غفلتهم عن العلم والتعليم وعن معرفة عدوهم الحقيقي وغيرها، وهو ما تناوله العرض من خلال تهكمه على الروتين والبيروقراطية، واعتماد الشباب على أسرهم في الزواج وغيرها من السلوكات.
مثل هذه العروض ربما تبطل فكرة أن هناك رافداً واحداً ووحيداً للمسرح هو الرافد الغربي، وتؤكد أن ثمة خصوصية لدى كل بيئة يمكن الاتكاء عليها لإنتاج مسرح نابع من هذه البيئة ومناسب لناسها وأكثر قدرة على تلبية حاجاتهم الجمالية. الأمر بالتأكيد ليس صراعاً بين الوافد والمحلي، بل يمكن لكليهما أن يتجاورا وأن يفيد كل منهما الآخر بما يصب في صالح الجمهور، المعني الأول بكل عمل فني.
يسري حسان – إندبندنت عربية



