“ماذا لو؟”: قهقهات تُعرّي المُشاهد من قبيل “شرّ البلية ما يُضحِك”

كتبت رانيا الحلو مسرحية ’’ماذا لو ؟‘‘ وشاركها كريم حمدي في التمثيل والإخراج. أصول الكاتبة اللبنانية وأصول حمدي المصرية تم تسخيرها لإضفاء رونق خاص في تعاقب السرد المسرحي. وقد أبعدت ازدواجية اللهجات بين مصري ولبناني العرض عن الرتابة والنمطية وتعرّف الجمهور إلى اختلاف معنى بعض المصطلحات والكلمات بين الشعبين وحتى اختلاف ثقافتهما وعاداتهما وتقاليدهما.
تفاعل الجمهور الاغترابي خلال عرض مسرحية ’’ماذا لو؟‘‘ مع نص يغمز من قناته ويعرض شريط حياته بقساوته بطريقة هزلية وفكاهية بما يعرف في المسرح بـ الكوميديا السوداء، الشكل الفني الأقرب إلى قلب الكاتبة وفنانة الكوميديا والستاند آب كوميدي رانيا الحلو.
الفكاهة في السرد المسرحي لم تكن مجرد نكات عن الأزواج فحسب بل حملت أبعادا فلسفية نقدية تثير التساؤلات والتفكير لمواجهة عبثية الوجود وقسوة الواقع. وقد استخدمت رانيا الحلو العالم الافتراضي كآلية دفاعية للبقاء على قيد الحياة عقلياً وعاطفياً في عالم لا يخلو من الألم والمعاناة.
إمعان في العالم الافتراضي لإحداث التغيير
شعر المشاهد بأنه معني مباشرة بأحداث المسرحية وحواراتها، وسقط سريعا في المشهدية وكأنه جزء من العرض المسرحي، لا بل محوره الأساسي.
تبادر بداية إلى أذهان الجمهور الذي حضر العرض المسرحي على مسرح Le Petit Théâtre Du Nord في مدينة مونتريال نهاية شهر أيلول /سبتمبر المنصرم، أن المسرحية عادية وتقصّ يوميات زوجين يمكن تصفحها على أريكة مريحة في البيت. ولكن سرعان ما يدخل عنصر التشويق والإثارة الذي يكسر إيقاع المسرحية ويُغيّر كل المسار مسقطا المشاهد في شكل تلقائي لا إرادي في عالم افتراضي هجين. هذا السقوط حتمي لاستعادة التوازن والتصالح في حياة كل زوجين أو شريكين كما تحمل رسالة المسرحية. توصل المسرحية أيضا أهمية الصدفة في حياة البشر ووجوب التسليم لها لبناء علاقات صحية بين الزوجين أو بين الأفراد.

يجلس الجمهور قبل بدء العرض وقتا كافيا لدخوله في المعالجة الدرامية التي تنتظره، ويمكن تكهن أحداث المسرحية من الأكسسوارات والديكور على خشبة المسرح، عملا بمقولة المكتوب يُعرف من عنوانه. يرى المشاهد أثاث منزل متواضع وأشياء مبعثرة موزعة بطريقة فوضوية. فهنا طرود أمازون الشهيرة وهناك الطربوش اللبناني التقليدي وسوق خان الخليلي العريق في قلب القاهرة، دلالة على حمل المهاجر ثقافته وجذوره معه أنى حلّ. كما في الديكور أيضا لوحة ترخيص السيارة في مقاطعة كيبيك للدلالة على اندماج المغترب العربي في مجتمعه الجديد. هذه الأكسسوارات التي تشيع عبثية وفوضى مطلقة ترافقها أغنية عبثية بدورها بكلماتها، ’’بلا ولا شي‘‘ للعبقرية اللبنانية زياد الرحباني.
’’ماذا لو؟‘‘ تُسخِّر العالم الافتراضي لبوح صريح من دون رتوش
تقول رانيا الحلو في مسرحيتها إن الإنسان ميّال إلى العيش في عالم افتراضي. يساعده العالم الخيالي المُتصوّر على كسر المحرمات والتابوهات ونمطية الواقع الممل ورتابته. تجد ندى وزوجها الحب كعاشقين لا يربطهما عقد زواج ويتخيلان حياتهما بأجمل صورها بعيدا عن الواقع.
ترتدي ندى العشيقة لباس نوم مثير من الساتين الأسود وتتحدث بغنج ودلال، أما ندى الزوجة فتنتظر زوجها بلباس الخادمة مع المكنسة وعصاة المسح والزعيق والشتيمة والنكد. وهذا إن دلّ على شيء فهو يدّل على عدم تصالح ندى مع ذاتها ومع مجتمعها، الغربة هي الشمّاعة التي تعلّق عليها ندى فشلها في تحقيق التوازن وفي إسعاد زوجها.

تتطلّب حياة الزوجين التعيسين شحنة عاطفية كبرى وتغييرا جذريا لإعادة اللحمة بينهما وإنقاذ حياتهما المشتركة. وتلعب الصدفة دورها عندما يصلهما طرد بريدي عن طريق الخطأ يشتمل على لعبة: ’’ماذا لو؟‘‘ التي يجدان فيها تسلية قصوى تكسر جمود حياتهما. هذه اللعبة الذكية التي أوجدتها مخيّلة الكاتبة هي الحبكة الأساسية في المسرحية التي تغير المعادلة برمتها ليجد المشاهد ذاته أمام عرض مسرحي مبتكر ورائد. ووجب التنويه بالتمثيل المتميّز للثنائي حلو وحمدي. إشارة إلى أن الانسجام بينهما يعود إلى مشوار من العمل المشترك في الكوميديا. أجاد الشاب كريم حمدي تجسيد خفة الظل وروح النكتة اللتين يُشتهر بهما الشعب المصري.
تتتالى المَشاهد بإيقاع سريع وسرد دينامي حيوي مما حافظ على عنصري التشويق والإثارة بعيدا عن التكرار والرتابة. وقد استطاع فنانا الكوميديا حمدي والحلو، بحرفيتهما العالية وكلا منهما على طريقته، إضفاء جو من الضحك وصل إلى حد القهقهة والهزلية، مما ذكّر بمسرح الفودفيل الترفيهي الساخر.

أُعجب الجمهور بلعبة الزوجين الافتراضية وأعرب عدد منهم عن توقه إلى إدراجها في يومياتهم علّها تخفف من ألم الواقع والتشنجات والتراكمات التي تحدث في حياة كل زوجين بفعل ضغوط الحياة.
كذلك تنعي ندى وجع الغربة وتلوم نفسها على القرار الخاطئ الذي خذته بهجرتها إلى كندا قبل عشرين عاما، علما ’’أن الوضع في لبنان لا يزال على حاله في عدم الاستقرار الأمني والمعيشي‘‘.
عرّجت المعالجة الدرامية على أكثر من موضوع عبر طرح السؤال: ’’ماذا لو يتذكر الزوجان أول لقاء بينهما؟‘‘. ’’ماذا لو طلب الزوج الطلاق؟‘‘. ’’ماذا لو فقدت الزوجة حاسة النطق؟ خصوصا أن ندى تقاطع زوجها بين الكلمة والكلمة‘‘. ’’ماذا لو جلست الزوجة مع زوجها تفضفض له بأريحية على أنه صديقتها؟‘‘. في هذا المشهد لعب سمير دور نونو صديقة زوجته اللبنانية. وقد أضفى تقليد كريم حمدي اللكنة اللبنانية بصوت نسائي مع تبرجه وارتدائه لباسا وأكسسوارات نسائية جوا خاصا. أشاع حمدي في دور نونو تلك الليلة الضحك المتواصل والقهقهة بصوت عال.

انتزعت المسرحية السبّاقة المشاهد من مقعده المريح وأحدثت فيه الدهشة. لم يكن مسرحا عاديا بمضمون عادي وحبكة عادية…بل اخترقت المعالجة الدرامية ذاكرة كل واحد من الحضور ولامست أوتارا حساسة، ببراعة وخفة ظل وتمكّن بكل الشخصيات والأدوار واللهجات التي جسدها الثنائي المسرحي. وقد ضحك المشاهد من كل قلبه وتفاعل مع الأحداث غير مدرك أن القصة تروي يومياته وانشغالاته. ندى وسمير هما كل واحد كان جالسا قبالتهما على مقعده يقهقه من فرط الضحك على مآسي حياته وكأن شر البلية ما يضحك.
الأخبار الكندية



