أخبار مسرحية

ندى أبو فرحات: آخ يا بلدنا!

في «آخدة كسرة»، تحوّل ندى أبو فرحات ألمها الشخصي إلى تجربة مسرحية علاجية، تمزج بين المأساة والكوميديا، وبين البوح الفردي والجماعي

في «آخدة كسرة»، تحوّل ندى أبو فرحات ألمها الشخصي إلى تجربة مسرحية علاجية، تمزج بين المأساة والكوميديا، وبين البوح الفردي والجماعي. من حفرة في شارع بيروتي، تولد استعارة عن سقوط مدينة بكاملها، حيث يصبح المسرح مساحة شفاء وتحرّر، ويغدو الجمهور شريكاً في التذكّر والنجاة

مُقلقٌ أن تُغادرَ الصالة وأنت تقول: «سعيدٌ لأنني شاهدت عرضاً صاحبُهُ حزين»! فالعملُ المولودُ من مأساة شخصية، يضعكَ أمام تساؤلات عن فلسفةِ الفنّ بين الوسيلةِ والغاية: هل كنا نحتفي بجمال الفن، أم بقدرة صاحبته على النجاة؟

الجمهور شريكاً في العلاج والتحرر

في مسرحيّة «آخدة كَسرة» (كتابة وتمثيل ندى أبو فرحات وإخراج إيلي كمال)، يتحوّلُ الجمهور من مجرّد متلقٍّ، إلى شريكٍ في عملية العلاج والتحرّر. فالممثلة، إذ تصعد إلى الخشبة لتروي ألمها، لا تبحث فقط عن تعاطف أو تصفيق، بل عن مشاركة في فعل الشفاء.

وجودنا في الصالة يصبح ضرورة نفسية وجمالية في آن واحد، فهي تتحرّر عبرنا، ونحن نتحرّر معها. وهنا تتبدّل وظيفة المسرح من عرضٍ يُقدَّم أمام جمهور، إلى جلسة جماعية يتقاطع فيها الفن بالاعتراف، والتمثيل بالتحرّر.

الاعتراف والوجع الجماعي

تنتمي المسرحية إلى نوع الـ One Woman Show، حيث تتداخل السيرة الذاتية مع البوح العام. تحكي ندى أبو فرحات عن حادثة سقوطها في حفرة صرف صحي (ريغار) مفتوحة في أحد شوارع مار مخايل، وما نتج منها من كسرٍ في رجلها، ومن صدمةٍ تجاوزت الألم الجسدي إلى جرحٍ وجوديّ.

تنتمي المسرحية إلى
الـ One Woman Show، حيث تتداخل السيرة الذاتية مع البوح العام

لكن العمل لا يكتفي بسرد هذه التجربة الشخصية، بل يوسّعها لتصير مرآة لمدينةٍ مكسورة، تنهشها اللامسؤولية والفساد.
تتحوّل الحفرة التي سقطت فيها ندى إلى استعارة عن الفراغ الذي خلّفته الدولة في حياة مواطنيها، وعن انهيار البنى المادية والمعنوية لبيروت، بعدما سرقت السلطة أموال الناس وتركتهم يسقطون في شوارعهم. بهذا المعنى، تخرج المسرحية من حدود الذات إلى الفضاء العام، من كسر الساق إلى كسر الثقة بين المواطن والمدينة، مروراً بالانفصام بين الجسد والمكان، وبين الحياة والنجاة.

الفنُّ بين الوسيلة والغاية

منذ اللحظة الأولى، يشعر المشاهد أنّ الغاية من العمل ليست الإبهار بقدر ما هي تحرير الممثلة من صدمتها. كأن العرض خُلق أولاً من أجل ندى أبو فرحات نفسها، قبل أن يُقدَّم لنا. هذا البُعد العلاجي يجعل المتفرّج يتعاطف معها ويخفّف أحكامه النقدية الفنّيّة، لأنّ المسرحية تُشاهد بالقلب قبل أن تُفكَّك بالعقل.

مع ذلك، لا يمكن إغفال بعض الثغرات الإخراجية والكتابية التي تُظهِرُ أنّ العملَ طُرحَ على الخشبة بسرعة، قبل أن ينضج فنياً. المقطع الافتتاحي، مثلاً، يعاني من إطالةٍ غير مُبرّرة تُبطئ الإيقاع وتضعف التشويق، فيما كانت نقطة الانطلاق الحقيقية هي لحظة السقوط نفسِها، التي فجّرت الصدمة وجذبت المشاهد مباشرةً إلى قلب الحدث.

كذلك، فإن إدخال فيديوهات لأشخاص آخرين يروون تجارب مشابهة بدا لزومَ ما لا يلزم، لأن حكاية ندى أبو فرحات وحدها كافية لتمثيل آلاف القصص المشابهة التي يعيشها اللبنانيون يومياً، سواء في حوادث السير أو الانهيارات أو السقوط في الحفر والطرقات المهترئة، وكلّها نتائج مباشرة لتراخي الدولة وغياب مسؤوليتها في أبسط واجباتها. ولذلك، لم تُضف هذه الفيديوهات شيئاً على المستوى الكوميدي أو السردي، بل خفّفت من تدفّق السرد الشخصي الذي كان كافياً بحدّ ذاته لتفتح ندى عبره على وجع جماعي أكبر.

المأساة والكوميديا

تنجح ندى أبو فرحات في تحويل الحكاية الموجعة إلى سردٍ يمزج بين الكوميديا والمأساة، في توازنٍ دقيق بين السخرية والاعتراف. فهي تُضحكنا لتخفّف عن نفسها أولاً، وتتركنا نضحك لنشعرَ بثقلِ ما تُخفيه الضحكة من خوفٍ ووحدةٍ ومرارة. تستعمل جسدها كأداةٍ مسرحية، وهذا الجسد ليس مجرد أداة تمثيل، بل وثيقة ألمٍ تحكي ما لا يُقال بالكلمات.

ذاكرة لا تُنسى

ما يمكن الجزم به هو أننا نغادر القاعة بذاكرةٍ مختلفة عن ذاكرة ندى أبو فرحات. هي التي تقول إنها تنسى كثيراً، بينما نحن، المشاهدون، لن ننسى حضورها وقصّتها.

بخبرتها المسرحية العريقة وبحضورها الآسر، تذكّرنا أبو فرحات، بأنّ حادثةً صغيرة قد تكشف انهيار وطنٍ بأكمله، وأنّ الممثلة التي تعثّرت يوماً في حفرة، ما تزال تعرف كيف تنهض فوق الخشبة. ربما لم يفجّر هذا العمل كل طاقاتها الفنية، ولم يُشبع شوقنا إلى رؤيتها تعودُ بعد غيابٍ إلى الخشبة التي تهالكت من العروض التجارية الخفيفة، فالعملُ متواضعٌ في طرحِهِ، وأقرب إلى جلسة عائلية أو «سردةٍ حميمة مع الأصدقاء»، لكنه بالتأكيد أعاد تذكيرنا بممثلة قديرة تعرف كيف تحوّل الألم إلى أداء، والكسر إلى حكاية، والخوف إلى حركة، وذاكرة تُشفى على مرأى من الجمهور.

أدهم الدمشقي – الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!