دراما وفنون

تشويه أم استغلال.. “أوتيستو” يثير جدلا نقديا حول التوحد والأم المكافحة

عمل يفقد الأم المغربية صورتها الأصيلة ويجعل التوحد واجهة سينمائية لسياسات أكبر

شهدت الساحة السينمائية المغربية مؤخرا جدلا نقديا إثر عرض فيلم “أوتيستو”، الذي تناول موضوعين حساسين للغاية هما التوحّد وصورة الأمومة المغربية. فبدلاً من أن يكون الفيلم مرآة صادقة للعلاقة الإنسانية بين الأم وطفلها، وُجهت إليه اتهامات صريحة بـ”تشويه” هذه الصورة وتوظيف مرض التوحّد كواجهة سينمائية لإضفاء شرعية وجدانية على خطاب سياسي أوسع.

تستدعي السينما المغربية اليوم مناقشات واسعة حول مدى مسؤوليتها في تقديم الواقع الثقافي والاجتماعي بدقة، خصوصا حين تتعامل مع قضايا حساسة مثل الأطفال المصابين بالتوحّد والأمومة.

في هذا السياق، يأتي فيلم “أوتيستو” للمخرج الفرنسي – المغربي جيروم كوهين أوليفار، إنتاج مشترك بين المغرب وإسرائيل وبمشاركة الولايات المتحدة، والذي أثار جدلا نقديا واسعا حول الطريقة التي يعرض فيها الطفل المصاب بالتوحّد والأم المغربية المكافحة، إذ يقدم العمل تجربة إنسانية ظاهريًا، لكنه باطنيا يستخدم المرض كغطاء لصياغة يهودية تستثمر الألم الطفولي لإبراز صورة مشوهة للأم المغربية، متجاوزا قيم الثقافة المحلية وحرمة الأماكن المقدسة مثل المقابر.

يبدأ فيلم “أوتيستو” بمعالجة التوحّد الإنساني لدى الأطفال كقضية درامية، لكنه سرعان ما يكشف عن خلفية أيديولوجية تخفي تحت قناع الإنسانية مشروعا ثقافيا وسياسيا، حيث يبدو أن المخرج يستثمر الألم والمعاناة لخلق تعاطف مبرمج مع الشخصية المراد تصديرها للشعب المغربي، بينما يضعف حضور الأم المغربية ويجعلها مجرد أداة بصريّة لاستدعاء المشاعر،  حيث يركز تكوين اللقطات على الإثارة العاطفية دون أن يغوص في التعقيدات النفسية والاجتماعية للتوحد مغربيا وليس غربيا، محوّلًا الألم إلى مادة تجميلية لخدمة سردية خارجية.

ويعمد الفيلم إلى تقديم صورة ضيقة للعلاقة بين الأم وطفلها، ويستغل المواقف اليومية للطفل المصاب لإضفاء شرعية وجدانية على ما هو أساسا خطاب سياسي، يحوّل الألم الإنساني إلى واجهة مرئية لتبرير رؤية بعينها، ويقلل من عمق التجربة الواقعية التي تواجهها الأسرة المغربية مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. ويظل المشاهد أسير الصورة العاطفية دون أي تحليل نقدي للسياق الاجتماعي أو الثقافي الذي يحدث فيه المرض.

ويبرز الفيلم الأم المغربية بصورة مشوهة بعيدة عن الواقع، فعوض أن يبين كفاحها وصبرها، صوّرها كامرأة هشة عاجزة، مفصولة عن قدرتها على مواجهة الصعاب اليومية. ويستبدل العمل العمق النفسي بالظهور البصري والمواقف الصادمة، التي حوّلت الشخصية إلى كائن ضعيف لا يمتلك قرارًا أو قدرة على المقاومة، ويضع الفيلم الأم في عزلة كاملة، متجاوزًا كل العلاقات الاجتماعية الداعمة في المجتمع المغربي، في محاولة لخلق إحساس بالعجز المطلق. كما جعل المخرج من خلال التصوير والإضاءة واللقطات المقربة هذا الانكسار البصري دراميا ليتقرب من الجمهور المغربي، وليعزز من فكرة هشاشة الأم وانفصالها عن محيطها، بينما يستخدم المخرج هذه الصورة لتأكيد المقارنة مع الأم المغربية الحقيقية، في رسالة رمزية واضحة لتطبيع صورة الآخر.

يترك هذا التمثيل المشاهد في حيرة بين التعاطف المزيف والوعي بالمسافة الفاصلة بين الصورة والواقع الاجتماعي.

ويعرض الفيلم مشهد الاستحمام العاري للأم مع طفلها المصاب بالتوحّد، وهو مشهد يتجاوز حدود الحياء الثقافي والاجتماعي للمغرب. يستثمر العمل هذا المشهد لإثارة الصدمة، متجاهلًا أن الأمومة المغربية تقوم على الحماية والخصوصية، ولا يمكن تصورها بهذا الانفلات الجسدي، إذ خلق المشهد انطباعا بأن العلاقة بين الأم والطفل مجرد مادة للإثارة البصرية، وهذا يضرب الرمزية الأخلاقية للأمومة في الثقافة المحلية. ويعبر هذا الاستخدام للجسد عن توجّه استغلالي للفيلم، إذ تصبح الأم مجرد أداة للعاطفة عوض أن تكون محورا إنسانيا.

ويحوّل العمل العلاقة الحميمة إلى مساحة للصراع الرمزي بين الواقعية الثقافية والانحراف البصري، ويجعل المشاهد يشهد على انتهاك الخصوصية باسم الفن، متجاوزا حدود المسؤولية الاجتماعية للسينما.

صورة ضيقة للعلاقة بين الأم وطفلها، واستغلال للمواقف اليومية للطفل المصاب بالتوحد لإضفاء شرعية وجدانية على خطاب سياسي

وتدخل متتاليات المشاهد المقبرة المغربية بطريقة تهدف إلى إحداث صدمة بصرية، متجاوزة القيم الفقهية والاجتماعية التي تعلمنا احترام القبور، حينما يوضح المشهد تجاهلا صريحا لحرمة المكان، ويُظهر الأم وطفلها في مواقف غير لائقة، ليقلل من القيمة الرمزية للمقابر في الوعي الجمعي المغربي، كما يستعمل تكوين اللقطات هذا الفضاء الجنائزي لتقديم صورة مضطربة للمجتمع، محوّلا السلامة الروحية للمكان إلى خلفية درامية فجة، بينما يضرب هذا التمثيل قدسية المكان، ويطرح سؤالًا عن حدود استخدام الرموز الدينية والثقافية في الفن.

لقد حوّل العمل المقبرة من موقع للتأمل والسكينة إلى مسرح للفوضى الرمزية، تاركا المشاهد أمام صدمة مزدوجة: بين واقع الاحترام الثقافي والتجاوز البصري المقصود.

ويلجأ الفيلم إلى الصدمة البصرية مكان التحليل النفسي، فيضع المشاهد أمام مشاهد متوترة ومربكة دون غوص حقيقي في التفاعلات الداخلية للأم وطفلها، بينما يستخدم المخرج الإيحاءات الجنسية واللقطات المفاجئة لإثارة الانفعال كأول مشهد افتتاحي للفيلم الذي يبين مريض التوحد وهو يضاجع الأرض عوض أن يفسر الصراع النفسي والعاطفي بطريقة متماسكة لمريض توحد مراهق.

ويجعل هذا النهج المشاهد أسيرا للتوتر اللحظي، متجاهلا فرصة البناء الدرامي لفهم أعمق للعلاقة الإنسانية، ويعتمد العمل على الإثارة الرمزية ويحوّل التجربة الإنسانية إلى مادة للعرض البصري فقط، ليخلق فجوة بين الواقع الاجتماعي للأم المغربية وطرق تصويرها، وهذا يزيد من تشويه صورتها، ويضع المشاهد أمام إحساس مزدوج بين التعاطف المزيف والانفصال عن الحقيقة.

وتبرز متتاليات المشاهد المغرب كفضاء للعزلة والفوضى، حيث تركز على الحانات والشوارع الليلية، مقابل تجاهل العمق الاجتماعي والقيمي للمجتمع وعزل الأم عن شبكتها الاجتماعية، في تصوير يُكرّس الانعزال الفردي ويحوّل المغرب إلى مسرح للاضطراب. كما يبالغ العمل في إبراز الصعوبات دون تقدير الروابط العائلية والجوار والدعم الاجتماعي المتعارف عليه.
ويستخدم المخرج هذه الخلفية لإبراز الاختلاف الثقافي وتضخيم الانكسار، ليخلق صورة نمطية سلبية عن المجتمع المغربي ويحوّله من فضاء حقيقي مليء بالقيم إلى ديكور للصراع الرمزي. ويترك المشاهد أمام تصور مغلوط عن مجتمع بأكمله، بعيدًا عن الواقع والاحترام المتبادل.

ويخفي الفيلم كل سياق سياسي أو اجتماعي أوسع، ويحوّل المعاناة الفردية إلى مادة لترويج أجندة خارجية حينما يستغل المخرج مشاعر الجمهور لتوجيه الانتباه بعيدًا عن الواقع، مستخدما الألم كغطاء لإخفاء الرسالة السياسية، ويضع المشاهد في دائرة انفعال دون تمكينه من فهم أعمق للعلاقات الاجتماعية والثقافية، ويجعل الألم الفردي وسيلة للتأثير الرمزي، ويغفل الصراع الحقيقي للأمهات في السياق المغربي. ويعتمد العمل على الإيحاءات البصرية والدرامية بدلاً من بناء سرد متوازن يبرز الواقع، ويترك المشاهد أمام تضارب بين التعاطف والإحساس بالتحيّز الممنهج.

ويحذف الفيلم القيم الجماعية التي تُعرف في المجتمع المغربي، ويعزل الفرد عن دعم العائلة والمحيط الاجتماعي، ويجعل صورة الأم في موقف مشكوك في مصداقيته، منفصل عن الروابط التقليدية التي تشكّل شبكة حماية للنساء في المغرب، ويستغل المخرج هذا الانفصال لتعميق مظاهر الهشاشة والضعف، متجاوزًا الدور الاجتماعي والثقافي للأم المغربية. ويحوّل الفيلم التضامن إلى غياب مطلق، ويرسّخ صورة نمطية مغلوطة عن المجتمع، ويضع المشاهد أمام صعوبة الفصل بين الواقع والفن، ويزيد من شعور الانفصال عن الحقيقة الثقافية المغربية، ويغذي إحساسًا بالاغتراب النفسي والرمزي داخل الفضاء المغربي.

يختتم الفيلم بمشاهد عاطفية تحاول إيهام المشاهد بالخلاص الروحي عبر العلاقة مع الآخر، بينما يُستغل الألم الإنساني للأطفال المصابين بالتوحّد لتبرير سردية سياسية، إذ يحوّل المخرج الفن من مرآة للتجربة الإنسانية إلى أداة بروباغندا ناعمة، تبين المشاعر لتطويع الانتباه وتوجيهه بعيدًا عن الواقع المغربي والثقافي.

عبدالرحيم الشافعي – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!