أخبار مسرحية

راديو ترانزستور : عندما تعيد الذاكرة اغتيالنا

كشفت مسرحية ” راديو ترانزستور ” ، نص وتمثيل وإخراج مشترك أدون خوري ويارا زخور ، عن وقوع ” فريدا ” في موقع النقيض من ” مهنا ” ؛ فالأخير أكاديمي جدي ، مثالي لا تفوته معلومة ولا فكرة في أي من الموضوعات التي تداولاها في القطار المنطلق في الرحلة 2400 باتجاه البرتغال ، فيما هي الرسامة الرومانسية التي تسجنها فضاءات الحياة الشاعرية وقصص الحب الخيالية التي أجملها ما يحدث صدفة .

التناقض كان كفيلا بتصعيد المواقف بينهما حتى منتصف العرض ، ذروته التي بدأنا نكتشف معها أن الطرفَين كانا يكابران في تقديم ” بروفايل ” نخبوي كلّ عن نفسه ، وها هما ينحدران كلُّ من عليائه إلى الكشف عن واقعهما العضوي والنفسي ؛ ” فريدا ” تسافر بحثاً عن قصة حبّ وقد وجدتها كما يبدو ، محاولة التغلب على عقدتها النفسية جراء فقدان إحدى ثدييها خلال الحرب الأهلية بعدما فقدت أيضاً والدتها وجيرانها وأولادهم الرائعين ، غير بعيد من مأساة ” مهنا ” الذي كان تعرض في تلك المرحلة للأسر من إحدى الميليشيات داخل قفص حديدي مورست عليه فيه أقسى أنواع العنف الجسدي والنفسي ، ولا تزال ندوبه حالّة فيه .

ندّعي هنا أنّ عرضاً بين الضحك والبكاء قد صُنع جيدا ، هو الواقع المُمسرَح لكنه المُعدّل عفواً بالمُتخيَّل الذّهني لما يريده ذوق المتفرج ، تصعّداً به إلى الاحتفاء بالخشبة كونها منصة اعتبارية لفهم دلالات العرض واستكناه معانيه وأهدافه ، فرضت علينا أن نعي كيف وماذا نستمع ونرى ، مع إشباعه بما يجب توصيله مباشرة وبعناية بالنهوض على شخصيات مُبتكرة ، وفاعلية الحوار ( اعتماد الجمل القصيرة الخالية من المناجاة الطويلة أو الفقرات الخطابية ) الذي قوّى ملكة التركيز عند المتلقي كونه سامعاً ، ومصغياً بكل جوارحه للكلام الذي يدور على ألسنة الممثلين بحرفة ومهارة كبيرتين ، كفعل محاكاة ينطوي على إيحاءات قوية تستدعي الصورة البصرية بقوة الموهبة وحسن الأداء ، فضلا عن الصدق في التعبير أثناء اللعبة التمثيلية عن موضوع إنساني مهم جدا ، يخاطب مختلف الشرائح الاجتماعية ، كما أنّ إدراكه من شأنه أن يشكل مادة غنية لتطوير الممارسة المسرحية باتجاه رؤى وفرضيات تسهم في تجديد الوعي المجتمعي بأهمية المسرح في مجتمعات أصبحت رقمية بلا شك ، وافتراضية بامتياز ، يطمح المسرح لإعادتها إلى إنسانيتها كما فعل زخور وخوري .

إنها من مهمات المسرح المُقنِع ، من دون أن نسقط أهمية الصمت الذي ساد بين مشهد وآخر ، فلا يخرقه إلا صوت الصافرة ، أو صوت الموظفة التي تعلن أسماء المحطات بين مدينة وأخرى ، أما ” الترانزستور ” فهو صوت الزمن الجميل والانساني الذي أراده العرض أداة تعبير عن كينونة الانسان وأصالته من خلال الموسيقى أو الأغاني الكلاسيكية ، مهمة يبدو أنها كانت شاقة وصعبة في إعادة بث الوعي بالعلاقات الانسانية في عالم مادي جامد وقاس جدا .

لقد وضع العرض الشخصيات في فضاء الآلة ( القطار ) التي تتحرك بالتلازم مع ما أعطته من شعور حاد بغربتها عن العالم .

كان القطار أحيانا جسر اللغة في لحظات الصمت ، فكان الأخير صارخا أكثر من كل الكلام الذي قيل ، باعثاً على التركيز في مآلات العلاقة الجميلة الناشئة اللحظة على الرغم من كونها عابرة سريعة ، العلاقة التي ظننا كمتفرجين أنها طوق نجاة ليس لروحي مهنا وفريدا فحسب ، إنما لنا جميعا ، حتى تهاوت تحت سنابك القدر ؛ فما قالته الشخصيتان هو الجوهري الذي لا يمكن لأي كان قوله ، لكنه الكلام الذي لم يكد يصل بعلاقتهما إلى ذروة التوتر ، حتى انحدر في التوقيت المناسب ، إلى استسلام كل منهما لحقيقته أولا ، ولمن وجد فيه نفسه ثانيا ، عناصر مما نعيشه نعم ، إلا أن استخدامها الصحيح رفع من دلالاتها الاجتماعية ، وتطلّب فهماً خاصاً من الجمهور ، من دون الحاجة طبعا الى كثير من السينوغرافيا بمعناها الشامل للفضاء المسرحي والتي تتكفل مخيلة المتابع ببصره وأذنيه بأن يستحضرها ذهنياً وبشكل قوي ، ودائماً في سياق رؤية إخراجية كثّفت التساؤل عن أهمية الانسان في ظل هشاشته الوجودية التي أصبحت من المسلّمات ، مهما كانت ميزاته جسداً ومعنى ، مع ما عناه ذلك من تعميق الجرح ” التاريخي ” في جوانيّة ” فريدا ” التي حرمت مجدداً من ” الحبيب ” الذي طالما لحقته بين قطار وآخر ، فلما عثرت عليه وكادت أن تفرح به ، مات ، وكأن الذاكرة تعيد اغتيالهما معا .   

الحسام محيي الدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!