أخبار مسرحية

“الأولاد الطيبون” مسرحية بريطانية بلشفية بمزاج مصري

فنانون شباب يجسدون ألاعيب السلطة في فضاء مفتوح

ملخص

“الأولاد الطيبون يستحقون العطف” مسرحية مصرية مقتبسة من نص للكاتب البريطاني توم ستوبارد، وقد أنجز محمد أيمن الدراماتورجيا والإخراج. وهي مسرحية تتناول القهر الذي كانت تمارسه سلطات الاتحاد السوفياتي السابق ضد المعتقلين السياسيين، لكنها ما زالت راهنة جداً.

إذا كان نص مسرحية “الأولاد الطيبون يستحقون العطف” الذي كتبه البريطاني توم ستوبارد (1937- نوفبر2025) عالج قضية القهر الذي مارستهالسلطة ضد المعارضين السياسيين الروس خلال الحقبة السوفياتية، فإن ذلك لم يكُن إلا رمزاً لكل سلطة غاشمة وقاهرة في أي زمان وأي مكان، فالقهر هو القهر، وإن تعددت طرقه وأساليبه.

من هنا يكتسب النص برمزيته الواضحة، بقاءه وصلاحيته، فالسلطة الغاشمة لن تزول، ولا قهرها سيتحول إلى عطف ومحبة. ومن هنا أيضاً يأتي ذكاء طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية (أكاديمية الفنون المصرية- فرع الإسكندرية) الذين قدموا هذا النص في عرضهم المسرحي، حاملاً الاسم نفسه، من دون أن يتعرضوا لسطوة الرقابة وتدخلاتها. فالعرض يدور في روسيا وأبطاله روس، عاشوا خلال حقبة ماضية، لكنه في كل الأحوال يتماس مع “هنا والآن”.

تناول توم ستوبارد قصة أحد المعارضين الروس (ألكسندر-مروان السكري) الذي أودع مصحاً نفسياً، يدعي القائمون عليه بأنه تابع لوزارة الصحة وبأنه يضم غرفاً للمرضى، لا زنازين للمعتقلين، في حين أنه مجرد سجن تابع للاستخبارات السوفياتية والطبيب المعالج (أحمد عوني) أحد ضباط هذه الاستخبارات.

أما الغرض من وضع ألكسندر في المصح، فهو كسر إرادته وإعادة تشكيله من جديد ليكون عازفاً في أوركسترا السلطة، بخاصة أنه أرسل خطابات إلى الصحف والحزب الذي ينتمي إليه أثناء وجوده في المعتقل، يوضح عبرها القهر والتعذيب اللذين يتعرض لهما المعتقلون، فتداول الناس قصته وأصبح مشهوراً، فكان أن نُقل إلى ما يشاع أنه مصح نفسي، وربما كسرت إرادته، وانضم إلى فرقة العازفين في أوركسترا السلطة، علماً أن الأوركسترا هنا هي رمز لكل من يغرد في محبة السلطة ويعدد إنجازاتها وفضائلها.

أوركسترا خاصة

ويلتقي ألكسندر في المصح شخصاً آخر يعاني الفصام (إيفانوف- عبدالرحمن مصطفى) يصر على أنه يمتلك أوركتسرا خاصة، بينما الطبيب-الضابط يقوم بتعذيبه وتلقينه كلمات يرددها تؤكد أنه لا يمتلك أوركسترا.

نعرف من الأحداث أن ألكسندر تزوج مناضلة ثورية، اعتُقلت أثناء حملها في توأم، وفي المعتقل تعرضت للتعذيب والاغتصاب، وماتت أثناء الولادة مع أحد طفليها. واستدعت السلطات ألكسندر وأعطته الطفل الآخر (ساشا) وبعدها اعتقلت السلطات ألكسندر، عندما أبدى اعتراضه على عسف السلطة وجورها، ودفعت الطفل إلى مدرسة تابعة لها، ليجري تشكيله على هواها، حتى لو بالضرب والتعذيب، فالأطفال أيضاً لم يسلموا من تنكيل السلطات بهم.

تسعى السلطات إلى كسر إرادة معتقليها، وإجراء “غسيل دماغ” لهم، لكنها لا تفلح في الغالب. ويموت ألكسندر في المصح أثناء زيارة طفله له، وقد استدعوه ليصرف أباه عن إضرابه عن الطعام. لكن الطفل الذي حاولوا تلقينه أن واحداً زائداً واحداً يساوي ثلاثة، يصيح في النهاية أن النتيجة اثنان لا ثلاثة. ويردد بأعلى صوته، أنا أمتلك أوركسترا، أنا أمتلك أوركسترا، في تأكيد على بقاء الأمل، واستمرار النضال ضد السلطة الغاشمة.

شخص واحد

وبتأمل أحداث العرض نكتشف أن ألكسندر، هو نفسه إيفانوف، ذلك الشخص المصاب بالفصام. وهو ما حدث عملياً أثناء العرض، حين أدى إيفانوف دور ألكسندر في أكثر من مشهد، وكأن المخرج أراد لفت أنظار المشاهدين إلى أنهم أمام شخص واحد لا شخصين.

وفق المخرج في إدارة لعبته المسرحية، وهي لعبة يمكن أن تربك المشاهد إذا لم يدرها صاحبها بوعي واحترافية، بخاصة في ما يتعلق بالشخصيات التي تتبادل أدوارها مع أخرى. فالطبيب-الضابط هو نفسه المعلمة التي تعذب الطفل ساشا، وتصر على تلقينه ما تريده السلطة، لا ما يقره العلم والمنطق، وكأنها آلة إعلامية لا تنقل الواقع بل تصنعه لخدمة أغراض السلطة، مما يحدث في عصرنا حرفياً، وقد أشار إليه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار خلال حديثه عن الواقع الفائق الذي يصنعه الإعلام.

وإذا كان الطبيب-الضابط يصر على جعل ألكسندر عازفاً في أوركسترا السلطة، فإنه يفعل الشيء نفسه في دور المعلمة مع الطفل ساشا. ومن هنا كان قيامه بأداء الشخصيتين ضرورة لا ترفاً، ضرورة تؤكد الرمز وتلح عليه.

أيضاً قام إيفانوف بدور الطفل ساشا وبدور ألكسندر، وكلها شخصيات تصر على العزف داخل الأوركسترا الخاصة بها، لا الخاصة بالسلطة، تصر على التمرد، وترفض الانكسار، حتى لو دفعت أعمارها ثمناً لموقفها. فهي تؤمن أن الآتي أفضل، مهما تأخر، فكل ظلام، مهما طال، يعقبه نور.

الرمزية التي وسمت العرض، استدعت ديكوراته هي الأخرى (تصميم تسنيم أيمن)، فقدم العرض في فضاء مفتوح أقرب إلى المستطيل والجمهور يحيط بجانبيه، بينما شغل الديكور الجانبين الآخرين، وأحدهما يرمز إلى وجود مدرسة. ويتصدر الجانب الآخر مثلث معدني، يرمز إلى قوة السلطة، ومنصة مرتفعة، هي المكان الذي يأتي منه الطبيب-الضابط، تأكيداً على السيطرة والتحكم، وفي الأسفل ما يشبه الكرسي الكهربائي. المنتصف خالٍ كمساحة للتمثيل، استُخدمت قطعة واحدة فيه، هي مجسم لما يشبه القيثارة، استخدم باعتباره سلكاً حائلاً بين الطفل ساشا وأبيه ألكسندر أثناء زيارته له في المصح. وهو استخدام لم يكُن مجانياً بالتأكيد، بل إنه يرمز إلى الإصرار على العزف الخاص بتلك الآلات الموسيقية الرقيقة. حتى الطفل ساشا عندما تسلمه والده من المعتقل عقب وفاة أمه، تسلمه في هيئة آلة كمان، وكلها علامات ورموز بُثت في العرض.

وعلى رغم أن العرض أقيم في مكان مفتوح، مما تصعب معه الاستعانة بوحدات إضاءة مكتملة، لكن المصمم (أحمد طارق) كان يمكنه أن يكتفي بالإنارة، من دون أن يطالبه أحد بأكثر من ذلك. لكنه لم يستسلم، ومن خلال الأدوات المتاحة له، استطاع تقديم رؤيته التي تتوافق مع طبيعة المشاهد وتمنحها عمقاً مضاعفاً، سواء من ناحية استخدام الألوان ومصادر إسقاط الضوء، أو من ناحية صناعة “الإفيهات” التي تعبر عن هذا المشهد أو ذاك، فيمنح دلالة أعمق وأكثر أثراً.

خمسة ممثلين فقط نهضوا بالعرض، فرح المحمدي في دور صوفيا، المناضلة السياسية زوجة ألكسندر، وعبدالرحمن مصطفى في دور الطفل ساشا وإيفانوف وألكسندر، ومروان السكري في دور ألكسندر، وأحمد عوني في دور الطبيب-الضابط والمعلمة، والطفل نوار سامح في دور ساشا طفلاً. وجميعهم قاموا أدوارهم المختلفة بوعي شديد، وتنقلوا بينها باحترافية، مدركين الطبيعة الرمزية للمسرحية، على رغم واقعيتها، وكذلك طبيعة الشخصيات التي بدت في بعض الأحيان هشة ومستسلمة في مظهرها الخارجي، لكنها داخلياً صلبة وتتمسك بالأمل.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!