ماسح الأحذية.. لمعان زائف وأوجاع لا تخفت

تعد المونودراما من أصعب الأنواع المسرحية التى يمكن أن يتصدى لها أى مبدع؛ ذلك أنها تعتمد على نص شديد الإحكام وممثل قادر على تكثيف كافة الأصوات المسرحية فى صوته هو فقط ولعب كافة الأصوات بأداء متنوع ساخن، والحقيقة أنه نادرا ما لفتتنى تلك العروض بسبب غياب هذه القدرات لدى كثير من الممثلين ومؤلفى النصوص، حتى وجدت ضالتى فى مونودراما «ماسح الأحذية» تأليف القطرى خالد الجابر، سينوغرافيا وإخراج التونسى خليفة حافظ وبطولة محمد على العباسي، وهو العرض الحائز على جائزة أفضل عرض متكامل فى مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى فى دورته العاشرة.
قصة مؤلمة حولها المؤلف إلى مونودراما بالغة الإحكام رصد من خلالها أوجاع هذا الرجل، متخيلا صندوق الأحذية هو هذا العالم الموحش الذى يجمع أناسا تم اختزالهم فى عدد من الأحذية، ليروى من خلالها الحكايات المعبرة عن آلام البطل، مستندا على فلسفة مفادها أن تلك الأحذية التى تبدو لامعة بفضل ماسحها قد تخفى تحتها طبقات من الألم والوجع والقهر والاستبداد والأقنعة الزائفة.
أضفى مخرج العرض ومصمم السينوجرافيا حافظ خليفة وبطله محمد العباسى بريقا خاصا على النص حينما كونا ثنائيا بصريا مدهشا، صال الممثل فيه وجال مستعرضا قصص الحذاء عبر التاريخ مؤكدا أن الأحذية كانت حاضرة بقوة فى أقوى قصص التاريخ فـ»لكل مقام حذاء» بل وأن «الحذاء أصل الداء» وأن ظهور الحذاء هو قيد فرضته الحضارات عبر الزمن بينما يفضل هو أن يبقى حافيا لأن الحقيقة دائما عارية، واضحة، مشيرا إلى أن كل حذاء يروى قصة تاريخية، حقيقية أو أسطورية مثل حذاء سندريلا الذى كان سببا فى دخولها عوالم السلطة، ثم مقتل شجرة الدر بالقباقيب، وما إلى ذلك.
بينما صمم المخرج بذكاء سينوجرافيا رقمية عوّض بها غياب بعض الشخصيات ومعبرا بها عن بعض أماكن سير الأحداث، فنحن نرى زوجة البطل وابنيه مجسدين كخطوط بيضاء على شاشة رقمية يخاطبهما الرجل وتتحركان معه أحيانا، حينما يشعر بالحنين إليها أو يرفض العيش بدونهم، فهم مازالوا يعيشون فى عالمه، ومازال يبحث عن فرصة لإنقاذهم، وحين تتعرض محطة القطار لزلزال يقع الرجل فى حفرة أعمق بصحبة عدد من الشخصيات الرمزية، ويرفض الأحبال التى تتدلى له لإنقاذه مكتفيا بكشف زيف تلك الشخصيات والعيش فى غربته، فيتأرجح الممثل هنا بدقة لافتة بين شخصيته والشخصيات الأخرى، ضابط مستبد، مثقف مذبذب الأفكار، وامرأة ضحية هذا العالم القاسي، ويبدأ فى مخاطبتهم ومناقشة أفكارهم عبر أحذيتهم المتراصة على المسرح، فهو يدرك ما يجول فى أذهانهم من خلال أحذيتهم، فذلك حذاء طويل العنق للضابط دلالة على العجرفة والتسلط، وهذا حذاء مهترئ للمثقف المتشدق بشعارات لا توفر قوت يومه، بينما حذاء السيدة أنيق يعلوه غبار الزمن والقسوة فى مواجهة بحثها عن استقلالها.
حوار مكثف يحمل كثيرا من الدلالات ودار تحت إضاءة خافتة صممها جلال مصدق بعذوبة تناسب جدا الوضع الآنى للبطل والحالة الشعورية التى يعيشها منذ سنين نتيجة شعور الفقد والاغتراب، وترجمت تلك الحالة الموسيقى الحزينة لزياد الطرابلسى والتى عبرت بأسى وشجن عن معانى الانكسار بمعزوفات تعكس أنفاس الغياب والحسرة، تتزامن مع رحلة الممثل منذ البداية وحتى قراره بالرحيل واصطحابه لأسرته المجسدة على الحائط.
إنه عرض محمل بالدلالات التى تعكس قسوة الحروب على إنسانيتنا، وبدا صوت المخرج هنا حاضرا وبقوة فى رؤيته الإخراجية الموجعة بحركة مسرحية تناسب مشاعر بطله فى فضاء قاتم ضيق ــ رغم اتساع المسرح ــ تماما كما العالم الذى قسا عليه فبات ممثلا فى حذاء.
نال العمل من قبل جائزة أفضل نص وأفضل إضاءة فى مهرجان قرطاج الدولى للمونودراما وجائزة أفضل نص فى مهرجان الكويت الدولى للمونودراما، ونتمنى أن يعرض فى مهرجان القاهرة الدولى للمونودراما أيضا.
باسم صادق – الأهرام



