أخبار مسرحية

كتاب طال انتظاره عن رائد المسرح اليومي: نزار ميقاتي… ذاكرة الخشبة اللبنانية

بين سيرة رائدٍ من روّاد المسرح اللبناني، وذاكرة نجله عمر ميقاتي الذي يُعيد بناء إرث والده، وُلد كتاب يُعدّ بمنزلة رحلة حميمة في تاريخ نزار ميقاتي. حكاية عن شغف المسرح، والمدينة، والتلاميذ الذين صاروا روّاداً… وذاكرة تُكتب من جديد لتبقى حيّة في وجدان البلد .

كتاب حول المسرحي اللبناني الراحل نزار ميقاتي (1920 – 1984) سيصدر خلال شهرين كحدٍّ أقصى، بعدما بدأ نجله، الممثل عمر ميقاتي، العمل عليه قبل عشرة أعوام. استغرق إعداد الكتاب هذه المدة الطويلة لأن الكتابة عن نزار ميقاتي تُعدّ مسؤولية كبيرة وفقاً لما يوضح لنا عمر. فهو مؤسّس أول مسرح يومي عام 1965 تحت اسم «المسرح الوطني».

وقد عايشه عمر عن قرب حتى وفاته، وكان يومها في التاسعة والثلاثين، رفيقاً وتلميذاً له في الإذاعة والمسرح، منذ بدء عمله معه عام 1967.

أبو المسرح الوطني اليومي

يعد نزار ميقاتي أحد أبرز روّاد المسرح اللبناني، ويُعرف بلقب «أبو المسرح الوطني اليومي». شكّل حضوره في الحياة المسرحية اللبنانية محطةً مفصلية، قبل تأسيس المسرح الوطني، كما ترك ميقاتي بصمةً في الإذاعة والمهرجانات وتعليم التمثيل.

درّس أجيالاً من الممثلين في طرابلس، من بينهم ماجد أفيوني وعوني المصري وسعاد هاشم، وأسهم في تأسيس «مهرجان الأنوار» مع كبار الموسيقيين أمثال توفيق الباشا، وزكي ناصيف، ووديع الصافي. كما شارك في بدايات «مهرجانات بعلبك» قبل استبعاده لأسباب إدارية.
تميّز ميقاتي بقدرته على تعريب النصوص المسرحية و«لبننتها» بما يلائم الجمهور المحلي، فكان أول من نقل النصوص الغربية إلى العربية بروح محلية قريبة من الناس.

أول عمل قدّمه على خشبة «المسرح الوطني» كان «شوشو بيك بصوفر»، الذي استمر عرضه ستة أشهر متواصلة. وبعده قدّم مسرحية «مريض الوهم» لموليير، وكان يشرف على كل تفصيل فيه، من الملابس إلى الديكور، وصولاً إلى بناء خشبة المسرح بنفسه.

البداية من المدرسة

درس نزار ميقاتي المسرح في سنّ صغيرة، خلال سنواته في «مدرسة الكرمليين» الإيطالية في طرابلس. أدى دوره الأول وهو في الثامنة، مجسّداً دور فتاة في العمر نفسه، ولافتاً انتباه الرهبان الإيطاليين الذين كانوا يضمّون مخرجين محترفين. ومع تنبّههم لموهبته، بدأ بإخراج المسرحيات في الثالثة عشرة. وبعد حصوله على شهادة «ديبلوم النضوج العملي»، أرسله الرهبان إلى إيطاليا لدراسة المسرح، حيث زار مدينة السينما التي أنشأها موسوليني «تشينيتشيتا» عام 1939.

اجتهد عمر ميقاتي في جمع مادة الكتاب، فجمع كل ما يتعلق بتاريخ والده، وزار ناشر صحيفة «السفير» الراحل طلال سلمان قبل أشهر من وفاته، وحصل منه على أرشيف والده في الصحيفة من مقالات وصور. كما عثر على ما كُتب في رثائه بقلم الراحلين منصور الرحباني وتوفيق الباشا ووجيه رضوان وغيرهم. وتحدث أيضاً إلى الذين عايشوا نزار ميقاتي وعملوا معه وقدموا شهاداتهم، منهم جيزيل نصر، ومارسيل مارينا وزوجها سمير معلوف، وغيرهم. ويقول عمر: «أعرف كل ما قالوه عنه».

تميّز ميقاتي بقدرته
على تعريب النصوص المسرحية و«لبننتها»

كان والده أول أساتذته، أصرّ بدايةً على أن ينهي دراسته. بعدها، عمل معه في إذاعة لبنان، و«تدربت معه على الإلقاء، إذ إنّ كل برامجه كانت بالفصحى، قدم عبرها مئات النصوص للإذاعة قبل تأسيس المسرح الوطني».

أسّس نزار ميقاتي «المسرح الوطني» وعلّم حسن علاء الدين (شوشو) أصول المسرح، بعدما كان الأخير يعمل محاسباً في مصرف. لاحقاً، ترك ميقاتي المسرح وباع حصته لشوشو، ثم اندلعت الحرب الأهلية وأُقفل المسرح. عندما اتخذ قرار بيع حصته بعد خمس سنوات من التأسيس، سأله عمر عن السبب، فأجاب: «أنا ما فاتح دكان سمانة، هيدا مسرح». وهناك سبب آخر يتضمّنه الكتاب.

عودة المسرح الوطني

عاد اسم «المسرح الوطني» إلى الواجهة بعد عام 2018، حين أعاد مؤسس «مسرح إسطنبولي»، قاسم إسطنبولي، تأهيل «سينما الريفولي» في صور (جنوب لبنان) وأطلق عليها اسم «المسرح الوطني». تواصل اسطنبولي مع عمر ميقاتي يومها ليخبره بأنه سمّى المكان تيمّناً بنزار ميقاتي، وأنه يرغب في تكريم عمر نفسه. عندها اقترح عمر أن يكون التكريم لوالده في الذكرى المئوية لولادته، وكان له ذلك، فتمّ التكريم عام 2020. كانت المئوية كبيرة وواسعة الحضور، شارك فيها فنانون عملوا مع عمر ميقاتي، إضافة إلى وزراء ومندوبين وسفراء.

قال إسطنبولي إن هدفه تحقيق أمنية نزار ميقاتي ببناء «المسرح الوطني». في عام 2022، أعاد تأهيل مسرح في طرابلس وأطلق عليه الاسم نفسه، ثم افتتح هذا العام «المسرح الوطني» في صالة «الكوليزيه» في الحمرا.

في الوقت الذي يُفترض أن تكون هذه المهمة من مسؤوليات الدولة ومؤسساتها، يعتبر ميقاتي قائلاً إن الغرب، الذي نتّهمه بالتوحش، يعتبر المسرح أمراً مقدساً، ولديه مؤسسات وجمعيات تدعم الفنون. ويستعيد حادثة جمعت والده بالرئيس الراحل فؤاد شهاب، حين قال له نزار: «نريد مسرحاً»، فردّ شهاب: «يا نزار، عنا ناس بدها تاكل… بدنا نطعميهم خبز»، فأجابه ميقاتي: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان يا فخامة الرئيس»، ليردّ عليه شهاب: «انت قوي يا نزار».

مع تأسيس «المسرح الوطني» في صور ولاحقاً في طرابلس وبيروت، عيّن قاسم إسطنبولي عمر ميقاتي رئيساً لمجلس الأمناء، وظلّ يستشيره ويستفيد من خبرته في إدارة هذه المشاريع المسرحية.

زياد جوهرة نادرة

عند وفاة الفنان زياد الرحباني، دعا عمر ميقاتي الجميع إلى الابتسام، لأن زياد، كما يقول ميقاتي، كان يحب أن يرانا فرحين. يصفه ميقاتي بأنه «عقل»، والعقل يبتسم ويعبس ويحب كل جميل، في الشكل والموسيقى. كان زياد يحوّل كل تفصيل إلى ضحكة، وفقاً لميقاتي، وإذا أخطأ أحد الممثلين كان يضحك ويطلب منه الانتباه من دون توبيخ، لأن أحداً لا يخطئ عن قصد.

تعرّف ميقاتي إلى زياد خلال عمله في مسرحية للمخرج الراحل يعقوب الشدراوي عام 1987. في المقطع الثاني من تلك المسرحية، كان التمثيل يعتمد على الصوت فقط، إذ كان على الممثلين البقاء جالسين بلا حركة، وكان مقطع ميقاتي يضحك ويبكي في آن. شاهد زياد العرض مرتين، وفي المرة الثانية انتظره خارج المسرح. وعندما رآه قال له ضاحكاً: «نلتقي؟». التقيا لاحقاً بالفعل، واجتمعا بعد ست سنوات في مسرحية «بخصوص الكرامة والشعب العنيد» (1993).

شارك ميقاتي في مسرحيتين مع زياد: «بخصوص الكرامة والشعب العنيد» و«لولا فسحة الأمل». كما عمل معه في عدد من الأعمال الإذاعية عبر «صوت الشعب». كان زياد يناديه «جان بول سارتر» بسبب حادثة حصلت خلال أحد التمارين. فقد ناداه ميقاتي بـ«أستاذ»، فردّ زياد: «واحد مثلك أستاذ»، فأجابه ميقاتي: «لحظة، أنا أستاذ لغة عربية. الأستاذ هو الذي يعلّم، وهذا لقب مستحق، وأنت هنا تدير الفريق كمخرج، وهذا تعليم… يعني أنك أستاذ». عندها قال له زياد ضاحكاً: «جان بول سارتر».

يراه ميقاتي «جوهرةً نادرةً منسجمةً مع نورها». ويضيف: «لم يكن زياد فناناً منافقاً، وهذه صورته الحقيقية. كان واضحاً لأنه عقل، والعقل يحاسب نفسه قبل أي شيء». عقله، كما يصفه، كان خلاقاً ومبدعاً في الموسيقى والمسرح. وكان يقول لزياد إن تدريبات المسرحيات معه كانت أشبه بموسيقى. وحين يشاهد الناس أعماله يلمسون البساطة في الحوار، وهذا كان سرّ مسرحه: «اللمس المباشر للوجدان، لأنه كان صادقاً ومبدعاً ومجدّداً، وصنع مسرحاً خاصاً في لبنان والعالم. وهذا الإبداع كان واضحاً أيضاً في موسيقاه». وحين رحل زياد، شعر ميقاتي بأن نصف البلد الذي يحبّه، بما فيه من جماليات، قد غاب.

غادة حداد – الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!