“أنت منذ الأمس”.. رحلة مسرحية داخل الذات
إضاءة تجريبية على أزمة المثقف والذاكرة الجريحة

تؤكد مسرحية “أنت منذ الأمس” المستوحاة من عنوان رواية “أنت منذ اليوم” (1968) للكاتب الأردني الراحل تيسير سبول (1939- 1973)، على دور المسرح في طرح العديد من القضايا الراهنة، وفتح الأبواب أمام الأسئلة الوجودية الكبرى.
فمنذ العنوان “أنت منذ الأمس” يجد المشاهد نفسه أمام حمولة لغوية وزمنية لافتة، إذ لا يشير العنوان للماضي ولا ينحبس داخل أطُره بقدر ما يعلن عن لحظة زمنية فاصلة تجلّت كما لو أنها قرار أو بداية لمرحلة في الحياة؛ حياة المتن الذي تركه سبول كإرث أدبي ملهم.
وانعكس البعد الزمني بوضوح على بنية العرض الذي قُدّم على مسرح “الشمس” في عمّان، إذ قُدمت الحكاية بوصفها رحلة داخل الذات، بعيدًا عن السرد الخطي التصاعدي للأحداث، وتمّ في كل مشهد من مشاهد المسرحية تفكيك مفاصل هذه الرحلة وتجلياتها على أكثر من صعيد.
وتدور فكرة المسرحية التي أعدّها وأخرجها عبد السلام قبيلات، حول ردود فعل الإنسان حين يدفع إلى مواجهة نفسه ومطالبتها بتسمية الأشياء بأسمائها وباتخاذ موقف واضح مما يحدث حولها، إذ لا تقدّم المسرحية قصة تقليدية ذات بداية ثم ذروة ثم نهاية، بل تقدم شذرات تجريبية تعبّر عن حالة إنسانية متعَبة وتنشد الخلاص؛ فردٌ يعيش ضغط الواقع، ومجتمعٌ مثَقل بالأسئلة، وذاكرةٌ تحاول أن تفهم ما جرى وما سيجري بعد ذلك.
وتمكن التنوّع في الإيقاع، والانتقال السلس بين الحالات النفسية، من منح العرض مصداقية، وجعله واقعيًّا، وإنشاء مسافة إنسانية قريبة من الجمهور الذي تفاعل مع أدق التفاصيل سواء أكانت نظرات أم وقفات أم جملاً متوترة ومتقطعة، أم صمتاً تأمليًّا طويلاً.
وجاءت البنية الإخراجية ضمن مقاربة تقوم على البساطة الواعية والبعيدة عن الازدحام البصري، سواء في السينوغرافيا أو الإضاءة أو الأزياء أو غيرها من مكونات العرض البصرية، مع توظيف ذكي للإضاءة التي لعبت دوراً نفسيًّا ودلاليًّا، فجاءت المشاهد التي تركز على العزلة مثلاً، مكثفة ومعتمة لتعبّر عن حالة التوتر التي تعيشها الشخصيات.
ومنح هذا الخيار الإخراجي النصَّ مساحةً للتنفّس، وأتاح للجمهور التركيز على جوهر المسرحية، وترك للتأويل مساحة كبرى حررت النص من قيود الزمان والمكان المحددين، وسمحت له بأن ينفتح بحرّية عليهما.
أما لغة المسرحية، فراوحت بين النفس الشعري والعبارة اليومية البسيطة، وهذا التداخل جعل اللغة لا تنفصل عن التجربة الحياتية، وفي الوقت نفسه لا تتحوّل إلى تزيين لغوي لا معنى له. وجاءت الجمل قصيرة في معظمها، لكنها محمّلة بالمعنى، وتقال غالبًا في لحظات الكشف أو المواجهة مع الذات أو التوتر.
حاولت المسرحية بمجملها التعبير عن جوهر رواية سبول التي تعدّ نقطة تحول في الكتابة الروائية بعد الهزيمة، وقد لفتت الأنظار وقت صدورها لأنها اعتمدت أسلوباً تجريبيًّا وحوارات نفسية عميقة تكشف أزمة المثقف العربي وحيرته بين الانخراط في راهنه السياسي الصعب، وبين الانكفاء على ذاته، وبين البحث عن معاني الحرية والصدق والعدالة، وبين انهيار واقع مجتمعه أمام ما يواجهه من أحداث كبرى.



