أخبار مسرحية

في ذكراه.. حمدي غيث عملاق المسرح والدراما

تحل اليوم الأربعاء 7 يناير ذكرى ميلاد الفنان الراحل حمدي غيث، أحد أعمدة الفن المصري، وصاحب المسيرة الاستثنائية التي جمعت بين التمثيل المسرحي والسينمائي والتلفزيوني، والإخراج، والتدريس الأكاديمي، والعمل النقابي، ولد غيث في مثل هذا اليوم عام 1924 بقرية شلشلمون التابعة لمركز منيا القمح بالشرقية، ورحل عن عالمنا في 7 مارس 2006 عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد أن ترك خلفه إرثًا فنيًا وإنسانيًا لا يزال حاضرًا في الوجدان المصري والعربي.

لم يبدأ طريق حمدي غيث في الفن بشكل مباشر، إذ التحق في بدايته بكلية الحقوق، قبل أن يكتشف أن شغفه الحقيقي يكمن في المسرح، ترك دراسة القانون، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وكان من بين أول دفعة تخرجت فيه، ليبدأ منذ وقت مبكر في رسم ملامح مشروع فني مختلف يقوم على الوعي والثقافة والانضباط.

ولم يكتفي غيث بالدراسة المحلية، بل سافر إلى باريس حيث أمضى أربع سنوات يدرس فنون المسرح، وهي التجربة التي صقلت أدواته الفنية، ومنحته قدرة نادرة على التحكم في الانفعالات، وتوظيف الإيماءة والصوت، وفهم العمق النفسي للشخصيات، ليعود بعدها إلى مصر محملًا برؤية فنية متقدمة.

انطلاقة سينمائية وبصمة مسرحية

بدأ حمدي غيث مسيرته السينمائية عام 1954 من خلال فيلم «صراع في الوادي»، لتتوالى بعد ذلك مشاركاته في عدد كبير من الأفلام المهمة، لكنه ظل يرى أن المسرح هو بيته الأول، وفي عصر الستينيات، الذي يعد العصر الذهبي للمسرح المصري، قدّم أدوارًا خالدة جعلته واحدًا من أعظم ممثلي الخشبة.

لم يكن غيث ممثلًا فقط، بل مخرجًا مسرحيًا واعيًا، أخرج أعمالًا مهمة مثل «مأساة جميلة» عام 1959، و«رجال وامرأة» عام 1960، و«أرض النفاق»، و«الزير سالم»عام 1985، مقدمًا رؤية فنية تمزج بين النص والفكر والأداء العميق.

صوت رخيم وشخصيات لا تنسى

تميز حمدي غيث بصوته القوي الرخيم، وحضوره الطاغي، وقدرته الاستثنائية على تجسيد الشخصيات المركبة، خاصة الأدوار التاريخية والدينية والإنسانية المعقدة، لذلك لم يكن غريبًا أن يشارك في أعمال سينمائية بارزة مثل «الناصر صلاح الدين»، و«الرسالة»، و«التوت والنبوت»، و«بنت الليل»، و«الحكم آخر جلسة»، و«أرض الخوف»، و«الحب أيضًا يموت»، حيث ترك بصمات لا تمحى.

وفي الدراما التلفزيونية، تألق في مسلسلات مثل «عصر الأئمة»، و«المال والبنون»، و«امرأة من زمن الحب»، إلى جانب أعمال دينية وتاريخية مهمة مثل «محمد رسول الله»، و«الفتوحات الإسلامية»، و«الشهد والدموع»، و«زيزينيا»، ليصبح واحدًا من الأصوات الموثوقة في تجسيد الشخصيات الكبرى.

مُعلم ونقيب

لم تتوقف إسهامات حمدي غيث عند حدود التمثيل، بل امتدت إلى التعليم، حيث عمل أستاذًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، وأسهم في تخريج أجيال جديدة من الممثلين، كما تولى منصب نقيب الممثلين لعدة دورات، وكان من مؤسسي مسرح الأقاليم تحت إشراف الهيئة العامة لقصور الثقافة، إيمانًا منه بأهمية نشر الفن خارج العاصمة.

مأساة الأخ

شكل رحيل شقيقه الأصغر الفنان عبد الله غيث صدمة إنسانية قاسية في حياة حمدي غيث، خاصة بعد وفاته المفاجئة إثر أزمة قلبية أثناء مشاركته في مسلسل «ذئاب الجبل»، ولم تتوقف المأساة عند الفقد، إذ اضطر حمدي غيث إلى استكمال بعض الأدوار التي كان يؤديها شقيقه، من بينها دوره في الجزء الثاني من مسلسل «المال والبنون»، بناءً على ترشيح المخرج مجدي أبو عميرة.

وقال حمدي غيث عن شقيقه كلمات مؤثرة: «كنت أعتبر عبد الله ابني وليس شقيقي.. ربيته منذ طفولته، وكان يقلدني في كل شيء، وعندما عدت من باريس اقترحت عليه دراسة التمثيل، فصار فنانًا عالميًا، ونافس أنطوني كوين في فيلم الرسالة».

رحيل بعد عطاء

بعد انتهائه من أداء دور شقيقه تحت ضغط نفسي شديد، تعرض حمدي غيث لأزمة صحية حادة شملت فشلًا كلويًا والتهابًا رئويًا، قبل أن يرحل عن عالمنا في 7 مارس 2006 إثر أزمة قلبية.

نال حمدي غيث جائزة الدولة التقديرية للفنون، تأكيدًا لمكانته كأحد عمالقة الفن المصري، الذين لم يكونوا مجرد ممثلين، بل أصحاب رسالة وفكر وتجربة إنسانية عميقة، لا تزال أعمالهم حاضرة ومحبوبة لدى الجمهور حتى اليوم.

أماني علي – الدستور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!