أخبار مسرحية

عروض تلامس جروح الذاكرة الجماعية في مهرجان المسرح العربي

توالت العروض على مسارح القاهرة في ثاني أيام مهرجان المسرح العربي، الذي يجمع نخبة من المبدعين، وشهد الجمهور ثلاثة أعمال من تونس وقطر ولبنان، جمعت بين الغوص العميق في تجارب الإنسان وصراعاته مع الذاكرة والوقت والفقد والحروب، بدأت العروض بمسرحية تونسية تلامس جروح الذاكرة الجماعية ببراعة درامية، أعقبها عمل قطري يستكشف صراع الإنسان مع الزمن في سياق حضري معاصر، واختتم اليوم بلمسة لبنانية مؤثرة تركز على الفقد والحروب، حيث تحولت الخشبة إلى تعبير فني يعكس واقعنا العربي المعقد، تحمل في جوهرها دعوة للتأمل في جذورنا الإنسانية المشتركة، مؤكدة دور المسرح كأداة للحوار والشفاء في زمن التحديات.

أولى العروض جاءت على مسرح السامر، حيث عرضت مسرحية «كيما اليوم» التونسية، من تأليف وإخراج ليلى طوبال، في فرجة مسرحية تجسد تشظي الأصوات وتداخل الأزمنة والأمكنة فلا بداية محددة ولا ختام مغلق بل تدفق مستمر من الحالات الوجدانية المعقدة. في نهج حول العرض إلى طقس للحداد على عالم ينهار من الداخل.

ذاكرة

افتتح العرض بمشهد اختفاء الطفلة دنيا بعد عيد ميلادها الخامس، وهو الحدث الأساسي الذي تحول إلى صدع هائل يهز بنية العمل بأكمله. هذا الغياب شكل زلزالاً رمزياً يفرغ النظام الأخلاقي والإنساني من محتواه محولاً الشخصيات إلى كائنات تائهة في فراغ لا تفسير له، تتحول دنيا إلى طيف يطارد المسرح من دون أن يٌرى يتجلى في الحركات المضطربة والعيون الباحثة والصمت الذي يملأ الفجوات، هي استعارة البراءة المغتالة بصمت وإنسانية تسحب فجأة من المشهد مما يجعل غيابها انهياراً للعالم الذي كان يفترض حمايتها.

يتضاعف تأثير هذا الغياب حين تكشف الشخصيات عن عجزها أمام الفقد فلا أدوات لديها سوى اللغة المتكسرة والجسد المنهك والذاكرة المثقوبة، رحلة البحث عن دنيا تصبح رحلة داخل الذات والفراغ محولة الغياب إلى محرك درامي يعمق التيه والحيرة، خصوصاً في عالم تسوده الأزمات والحروب والسطحية في عالم «السوشيال ميديا»، ليعكس اختفاء الطفلة واقعاً أوسع حيث تسحق البراءة يومياً، وتتلاشى الإنسانية ببطء بينما يستمر الجميع في العيش كأن شيئاً لم يحدث، وهكذا يصبح الغياب قوة دافعة لا تدفع الأحداث إلى الأمام بقدر ما تعمق الإحساس بالضياع وتسائل قدرتنا على تحمل فكرة الفقد الدائم.

المخرجة بنت العرض على تداخل الأزمنة والأمكنة مخلفة مساحة مفتوحة تدعو الجمهور للمشاركة في بناء المعنى، تتحرك الشخصيات في العرض كأجساد تائهة تعبر عن حالات وجودية مأزومة، بقلق دائم يبحث عن توازن مستحيل في فضاء غير مستقر، ليصبح المسرح مسكناً للتفكير أكثر منه رواية ويحرر المتلقي من انتظار الحل الجاهز ليدعى إلى التفاعل مع تجربته الخاصة بالفقد والتيه.

اعتمدت السينوغرافيا على ديكور جاء بسيطاً ولكن رغم بساطته تكثر الدلالات الرمزية فيه، جدار مثقوب بدوائر متكررة تشبه ذاكرة جمعية متسربة ومتاهات بصرية تولد شعوراً بالحصار، ليتحول الجدار إلى شاشة للذاكرة والكوابيس، بينما لعبت الإضاءة المتقلبة بين العتمة والوهج مع الخلفية الموسيقية، دوراً مهماً في خلق فضاء شعوري يغمر المتلقي بالتجربة، حيث يشعر المشاهد بأنه جزء من الفراغ الذي يصور ومدعو لإعادة بناء الإنسانية من رماده، في دعوة لمواجهة الغياب كمحرك للوعي الإنساني في عالم يفقد مرجعياته يوماً بعد يوم.

عقارب الرحيل

ثاني العروض جاء على مسرح السلام حيث عرضت المسرحية القطرية «الساعة التاسعة»، من تأليف مريم نصير وإخراج محمد الملا، قدم العرض تجربة مسرحية تقوم على بساطة الحكاية وتركيز على ما هو رمزي أعمق، حيث جاء الزمن بما يشكله من ضغط نفسي على الإنسان، وعلى الانتظار كفعل درامي يولد الصراع ويراكم توتره، ويقود المتلقي إلى منطقة رمادية بين حنين البقاء وعقارب ساعة الرحيل.

الصراع الدرامي بني على مستويات متعددة، هناك صراع ظاهر بين الشخصيات، لكنه في جوهره صراع داخلي مع الزمن، مع القرار المؤجل، ومع الخوف من اللحظة الحاسمة، حيث انفتح العرض على مشهد الوالدين اللذين ينتظران عودة ابنهما من السفر، مع صراع رمزي أبوي بين الأمل والرجاء، وعند حضوره في الساعة التاسعة تتصاعد دراما العرض في صراع مركب للشخصيات حول ما يرغب فيه الابن وما يرغب فيه الأهل، وبين ما يجب أن يحمل من ذكريات، وما يجب أن يهمل، صراع رغبات وتفضيلات تجلى على الخشبة، اعتمد على التوتر النفسي مع «قفشات» كوميدية ليترك مساحة للتأمل ويراهن على وعي المتلقي بدل استدراجه بالمباشرة.

تميزت الرؤية الإخراجية للعرض بحسن إدارة الإيقاع، ونجح المخرج الملا في الحفاظ على توتر العرض حتى لحظاته الهادئة معتمداً على تراكم المشاعر والأسئلة، وفي جانب السينوغرافيا، اختار العرض بساطة ديكور حمل في خلفيته ساعة تسير عقاربها مع تصاعد الأحداث، مشكلاً عنصراً دلالياً يشتغل مع الضوء والصوت، الإضاءة الملونة عكست الحالات النفسية للممثلين، والتي تتغير تدريجياً مع تطور الحدث، لتسهم في ترسيخ الإحساس بالوقت المتسرب لتترك أثراً بصرياً يكمل الفعل الدرامي.

عبثية

واختتمت العروض على مسرح الجمهورية بالمسرحية اللبنانية «بكنك على خط التماس»، من تأليف ريمون جبارة، وإخراج جوليا قصار، في عمل يحمل بعداً إنسانياً ووجدانياً وفاء لذكرى المؤلف الراحل جبارة، في نص مشبع بذاكرة الحرب اللبنانية في إطار ساخر.

افتتحت الفرجة على مشهد جندي متمترس على أحد خطوط التماس، ويزوره والداه في زيارة عبثية لا منطقية، تجسد تفكك أثر الحرب اللبنانية كحالة نفسية وجودية، تعيش داخل الأفراد حتى في أبسط معاني الحياة، حيث لا سلام كامل ولا حرب معلنة، حيث انطلقت المسرحية من مفهوم «خط التماس» كحالة ذهنية مرتبطة بالتوتر والترقب والحصار بين جبهتين، في رمزية للانقسام الداخلي وفي صراع الإنسان بين اعتياد العنف ومحاولته استعادة حياته الطبيعية.

الصراع الدرامي يتجاوز فكرة العدو التقليدية ليصبح صراعاً مع معنى الحرب ذاتها، اللقاء بين الأب والأم، والابن المقاتل، والجندي الآخر الأسير، في مواجهة إنسانية تكشف هشاشة الاصطفافات، ونجد الصراع في قلب العرض صراعاً داخلياً، من خلال محاولة تمسك الشخصيات بسلوك يومي عادي نزهة، طعام، أحاديث عائلية في قلب مكان لا يسمح بالحياة، لتتجلى عبثية الحرب في هذا التناقض الحاد.

رضا السميحيين – الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!