أخبار مسرحية

حضر مهرجان المسرح.. وغاب «العربي»

أُسدل الستار على الدورة ١٦ من مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية، وسط حضور لافت من المتخصصين والمهتمين بالحراك المسرحي، من مسرحيين ونقاد وإعلاميين ومحرري الثقافة. حضورٌ يمكن وصفه بالملحوظ على مستوى النخبة، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا للأسئلة.

السؤال الأهم الذي كان ينبغي على إدارة المهرجان أن تطرحه على نفسها قبل أن يُطرح في أذهان المتابعين: لمن يُقام مهرجان المسرح العربي؟ هل هو مهرجان موجّه للمتخصصين وحدهم، ليظل حدثًا مغلقًا يدور داخل دائرة ضيقة من النقاد والمسرحيين؟ أم أنه مهرجان يسعى للوصول إلى الجمهور الحقيقي، الجمهور الذي يشكّل الرافعة الأساسية لأي فعل مسرحي حي؟

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الجمهور المصري جمهور واسع، متنوع، ومحب للمسرح، لكن غيابه النسبي عن قاعات العروض يطرح علامة استفهام كبرى حول آليات التواصل، والخطاب الموجّه، والسياسات الثقافية المصاحبة للمهرجان، بخاصة أن جمهور المسرح المصري لديه شهية ورغبة عارمة في تذوق الفن.

إلى جانب ذلك، يبرز تساؤل آخر: أين هو “العربي” في مهرجان يحمل اسمه؟ فالتمثيل العربي جاء باهتًا، محدود التأثير، لا يعكس ثراء التجارب المسرحية العربية ولا تنوّعها الحقيقي، وكأن العنوان كان أكبر من المضمون، أو أن “العربي” ظل حاضرًا كشعار أكثر منه ممارسة فعلية.

فغابت دول عدة عن مهرجان المسرح العربي ومنها؛ فلسطين، اليمن، سلطنة عمان، البحرين، السعودية، سوريا، السودان، ليبيا، الصومال، موريتانيا، حتى أن دولة الإمارات بثرائها وتنوعها شاركت بعرض واحد فقط من إمارة الشارقة دون الإمارات الأخرى، إذ تزخر الإمارات الأخرى بتجارب مسرحية تستحق أن يُلقىَ عليها الضوء.

وهنا نصل إلى سؤال جوهري لا يقل أهمية: ما معنى النجاح؟ هل يُقاس النجاح بعدد الدورات التي يصل إليها المهرجان؟ أم بعدد الحضور من المتخصصين؟ أم بمدى تأثيره الحقيقي في الجمهور، وفي المشهد المسرحي، وفي الوعي الثقافي العام؟

الحقيقة أن كلمات الكاتب المسرحي إسماعيل عبدالله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح في افتتاح الدورة المنصرمة، لم تكن خطابًا عاديًا، إلا أنها ركزت على محاور مهمة حينما قال «هل المسرحيون منحازون أم محايدون؟ لا حياد في الحق. المسرحي ينحاز للحرية، للجمال، للمعرفة، للقيم، للدفاع عن الهوية، ولصناعة التاريخ».

وإذا كان المسرح فعل انحياز للحق والجمال والهوية، فإن المهرجانات المسرحية بدورها مطالبة بأن تنحاز للجمهور، وللتمثيل العربي الحقيقي، وللمعنى العميق للنجاح، والأهم من ذلك تجديد الدماء في الضيوف ومنح فرص جديدة لضيوف أخرون ليطلقوا العنان في المسرح ويقدمون رؤية جديدة.

تساؤل آخر أثاره الأمين العام للهيئة العربية للمسرح هو سؤال الهوية، والحقيقة إن هويتنا لازالت تعاني من ندوب الماضي، فعلى سبيل المثال، بعض العروض العربية شاركت في المهرجان بأسماء أجنبية، على سبيل المثال؛ مسرحية بكنك على خطوط التماس – لبنان، تأليف ريمون جبارة وإخراج جوليا قصّار، مسرحية Windows F – المغرب، تأليف وإخراج أحمد أمين ساهل، مسرحية جاكرندا – تونس، تأليف عبد الحليم المسعودي وإخراج نزار السعيدي، مسرحية فريجيدير – الأردن، تأليف هزاع البراري وإخراج الحاكم مسعود.

فنحن أمام تصدير لغة أجنبية في مهرجان عربي مسرحي بالأساس أحد أهدافه صون الهوية العربية وحفظها من محاولات انتزاعها.

وللأسف كان استخدام اللهجات المحلية والناطقة بشكل سريع في العروض أشبه ببحث المتفرج على معنى، والمعنى في بطن الشاعر، لكن هنا الشاعر مات، هذا الأمر استدعى لجنة تحكيم جائزة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي لاختيار أفضل عرض مسرحي، أن تذكر في توصياتها في بيان قرأه الفنان كامل الباشا “يجب أن يراعى توفير ترجمة مصاحبة للعروض الناطقة باللهجات المحلية إلى اللغة العربية الفصيحة على أن يراعى أيضاً وضع شريط الترجمة في مكان لا يشتت التواصل والمشاهدة للعرض”.

صحيح أن اللغة أيضًا كانت عائقًا في العروض الأجنبية لمهرجان القاهرة للمسرح التجريبي على سبيل المثال، لكن جماليات العرض والأداء كانت تكسر حاجز اللغة لأفاق أخرى، وللأسف هذا لم يتحقق في أغلب عروض المسرح العربي، فإذا كانت هذه العروض المشاركة من أفضل العروض المختارة من قبل لجنة المشاهدة، فإننا بحاجة إلى وقفة حقيقية مع الذات.

والحقيقة، إن كنا نبدي بعض الملاحظات للهيئة العربية للمسرح ونعلم أنهم سيتقبلوها بصدر رحب لأن المسرح قائم على الحرية والاشتباك الفكري الصحي، فلا ننكر الدور الذي قامت به من تنظيم دورة عربية جمعت مئات المسرحيين بكل حب في القاهرة.

منه الله الأبيض – بوابة الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!