الكتابة والذكاء الاصطناعى

فى الآونة الأخير يحدث ذلك الجدل الواسع حول مصير الكتابة الدرامية وخاصة المسرح فى ضوء تطور الذكاء الاصطناعى والتقنية الإلكترونية بجميع تطبيقاتها! وهو ما يعد تهديدا واضحا للمبدع الحقيقى فى تعاطيه الكتابة والتأليف والإبداع والإلهام، وما إلى ذلك من الموهبة الفطرية والعلوم المكتسبة فى هذا المضمار.
وعلى علماء الكتابة المسرحية أن يتأملوا حالهم لحظة الإبداع، وألا يبخلوا بعلمهم فى فلسفة كتابة النص والغوص فى دهاليزه، ويتحدثوا عن هذا الهلع الذى يصيب الكتاب غير الراسخين فى علوم وفلسفة الإبداع بل ويكشفون الزائف التقنى من الإلهام والمعايشة؛ فالكتابة ميراث بشرى لا يمكن تزييفه وإحالته للآلة! لكى يتضح ذلك النص المصنوع عبر التقنية، عن نص كتب بالذكاء الاصطناعى، ليظهر لنا ذلك الخلل الواضح بينهما.
فالنص المسرحى يعتمد على العاطفة والوجدان كما بيناه فى نظرية البعد الخامس فى التلقى والمسرح، وقد لا يتسع المقال لشرح دور الوجدان فى الكتابة لكى يتم سحر المتلقى، وهو ما أطلقنا عليه (السحر المشروع)، والذى يختلف من كاتب لآخر، فالكاتب المتمكن من أدواته الوجدانية وصياغة المشاعر، هو ذلك الذى يغوص فى الأعماق النفسية للشخصية. ونعتقد أنه لا يمكن للذكاء الاصطناعى القدرة على صياغة الوجدان، وقد تمت محاولات عديدة وتم قياسها إلا أنها باءت بالفشل لعدم وجود تلك العاطفة لدى التقنية، والتى يتم الآن العديد من المحاولات لإدخال العاطفة للروبوت ولـ(GPT)، إلا أن هناك الكثير من المحاولات فى هذا الشأن حول إدخال المشاعر للذكاء الاصطناعى برغم الرافضين والمعارضين له.
قد يستطيع الذكاء الاصطناعى كتابة نص مسرحى جيد ولكنه يخلو من المشاعر، إذ إن الشخوص به بلا إحساس أو عمق نفسى على غرار مدرسة المسرحية محكمة الصنع والتى ظهرت فى أواخر القرن التاسع عشر (Well-made play) وهى نوع درامى يتميز بحبكة معقدة ومتسلسلة منطقيا، ولكنها بلا عمق فى الشخصيات أو الأفكار الفلسفية ورائد هذه المدرسة هو الفرنسى يوجين سكرايب. فشلت هذه المدرسة بالرغم من حبكتها ومنطقية تسلسل أحداثها، وهذا الفشل يرجع إلى عدم الغوص فى مشاعر الشخصيات، وهذا ما لا يمكن لـ GPT إدراكه.
ولنتأمل خصائص هذه المدرسة وكيف أنه لم يكتب لها النجاح بالرغم من عناصرها التى تتميز بـأن “1) حبكتها محكمة ومتسلسلة تعتمد على سلسلة من الأحداث المنطقية والمواقف الدرامية المصممة بعناية.. 2) عقدة وتشويق، تبدأ بموقف غامض وتتصاعد الأحداث نحو الذروة.. 3) التركيز على الحبكة لا على الشخصيات، فيكون الصراع الخارجى والأحداث أهم من التطوير العميق لنفسيات الشخصيات (وهذا السبب الأهم فى وقوعها) أى بلا شعور وبلا إحساس أو مشاعر أو عاطفة.. 4) عناصرها متكررة».
وهو ما يمكن أن يتطابق مع الكتابة التقنية عبر الـ GPT، إذ ربما يئول مصيرها إلى مصير المسرحية محكمة الصنع. ولذلك تقول الدراسة المشار إليها آنفا إن (GPT-2) ومن خلال سلسلة من التجارب، ليصبح قادرا فى نهاية المطاف على كتابة مسرحية. ورغم أن تقريرا عاما لم يقدم تحديثات إضافية حول عملهم، إلا أنه ذكر أن العرض الأول لمسرحية الفريق المكتوبة بالذكاء الاصطناعى كان مقررا، كان من المقرر عرض المسرحية ولكنه رفض».
إننا نحلل ونرصد بمقاييس نقدية وبحسب علم الجمال الفلسفى ومن خلال تجربتنا الذاتية أيضا، حيث إن الكاتب يضع إحساسه هو وعواطفه داخل البنية الدرامية، إذ إن الإحساس معدٍ بلا شك، إذ ينتقل هذا الإحساس وهذه العاطفة الجياشة والوجدان المتسرب إلى المتلقى طواعية وبدون عناء، ولذلك نقول إن الكتابة المسرحية من خلال الـ GPT لن يكتب لها النجاح مهما بلغت صنعتها! والتاريخ سيدون ذلك كما دون لمسرحيات الولميد بلى أو المسرحيات محكمة الصنع والذى نظل نتدارسها فى الأكاديميات حول أسباب نجاحها من عدمه.. وسيظل الأمر كذلك وبهذه الصورة حتى يمكن إدخال المشاعر للذكاء الاصطناعى حينها يمكن أن يتغير الأمر نظرا لوجود الوجدان والعاطفة التى هى عصب الإبداع المسرحى.. حيث تجرى الآن محاولات لإيجاد ذلك، ولذا يقول (آلان كوين) وهو العالم السابق فى جوجل الذى له خلفية فى مجال علم النفس، أنشأ شركة أبحاث تسمى «هيوم إيه آى» (Hume AI) «إنها يمكن أن تساعد فى جعل الأعمال الفوضوية للذكاء الاصطناعى أكثر تعاطفا وإنسانية». ثم يقول «إنه من خلال التدريب على مئات الآلاف من تعبيرات الوجه والصوت من جميع أنحاء العالم، يمكن للذكاء الاصطناعى على منصة هيوم أن يتفاعل مع شعور المستخدمين حقًا ويلبى احتياجاتهم العاطفية بشكل وثيق».
إن الكتابة المسرحية من أعقد الأمور وأكثرها دقة وحرفية، ومع ذلك فلا تكتمل ولا تتحقق الدهشة والمتعة إلا بإثارة العاطفة وتوهج الوجدان، ذلك الأمر المعدى بين المرسل والمتلقى، ومهما أدخلنا من عناصر ومن محاور ومطالب وأفكار لهذه الآلة فلن تتمكن من التسرب الوجدانى مهما بلغت دقتها.. ولذا سوف يكون مستخدم الـ GPT فى الكتابة المسرحية واضحا للعيان وباهتا ومكشوفا أمره لدى النقاد والدارسين مهما بالغ فى التخفى!
آخر المستجدات حول تجارب الذكاء الاصطناعى الفنية لصناع المسرح فى براغ.. ويشير المقال إلى نجاح مجموعة من الباحثين فى جعل الذكاء الاصطناعى يكتب مسرحية. مع ذلك، يكمن التحدى الحالى الذى لم يحلّوه بعد فى جعل الذكاء الاصطناعى يفهم أن شخصيات المسرحية تعيش بأهدافها ودوافعها الخاصة، وهذا الإدراك ليس مفاجئا بالنظر إلى الصعوبة التاريخية التى يواجهها الذكاء الاصطناعى فى محاكاة الذكاء العاطفى.
ملحة عبدالله – جريدة الرياض



