أزمة الإبداع المغربي: حين تتحول الدراما إلى أزمة كتابة

لم تعد أزمة الدراما المغربية، خصوصًا في موسم رمضان، مسألة إنتاج أو ميزانيات أو حتى أداء تمثيلي، بقدر ما أصبحت، في جوهرها، أزمة كتابة. فالنص هو العمود الفقري لأي عمل درامي، وإذا اختلّ هذا العمود، انهار البناء كله مهما بلغت جودة الإخراج أو قوة التمثيل.
المشاهد المغربي اليوم لم يعد ذلك المتلقي المنغلق على ما يُعرض عليه محليًا فقط، بل أصبح منفتحًا على أعمال عالمية ومنصات رقمية تقدم دراما بحبكات متقنة، وشخصيات مركبة، وسرديات ذكية. هذا الانفتاح خلق وعيًا جديدًا لدى الجمهور، وجعل المقارنة حتمية. وحين يقارن، يكتشف الفجوة: أفكار مستهلكة، شخصيات نمطية، ونصوص تفتقر إلى العمق والجرأة.
في المقابل، نجد أن الدراما السورية مثلا ، في الموسم الرمضان الحالي، ما تزال تُقدّم درسًا واضحًا في دور الكاتب داخل العملية الإبداعية. فمسلسل بـ5 أرواح، من تأليف علي وجيه، يقدّم نموذجًا لافتًا لكيف يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى عمل غني ومؤثر. تنطلق حبكته من حادث مفصلي—حادث سير غامض—يضع خمس شخصيات على حافة مصير مشترك: طبيب يعيش أزمة أخلاقية، شابة تحمل سرًا يهدد مستقبلها، رجل أعمال مثقل بماضيه، أم تبحث عن ابنها، وشاب تائه بين خيارات متناقضة. مع تطور الأحداث، لا يكتفي العمل بتتبع نتائج الحادث، بل يعود إلى فلاش باك، كاشفًا خيوطًا دقيقة تربط بين هذه الشخصيات، لنكتشف أن ما يبدو صدفة، هو في العمق نتيجة تراكمات إنسانية معقدة. قوة العمل لا تكمن في الحدث، بل في تشريح الشخصيات، وفي جعل كل حلقة تفتح سؤالًا أخلاقيًا جديدًا.
وبنفس العمق، يأتي مسلسل مولانا، من تأليف لبنى حداد، الذي يشتغل على شخصية محورية ذات حضور ديني واجتماعي قوي. تدور القصة حول رجل يُنظر إليه كمرجعية روحية، يقدّم النصح ويؤثر في محيطه، لكنه في الخفاء يعيش صراعًا داخليًا حادًا بين قناعاته، ورغباته، وضغوط المجتمع الذي صنع منه صورة مثالية. تتصاعد الأحداث حين تبدأ هذه الصورة في التصدع، ليس عبر فضيحة مباشرة، بل عبر تفاصيل صغيرة تكشف هشاشة الإنسان خلف “الرمز”. المسلسل لا يسعى إلى إسقاط الشخصية، بل إلى فهمها، وإبراز التوتر بين المثال والواقع، بين ما نظهره وما نخفيه.
هذان العملان، رغم بساطة منطلقهما، يبرزان حقيقة جوهرية: الإبداع لا يكمن في تعقيد الفكرة، بل في كيفية كتابتها. حبكة واحدة، إذا كُتبت بوعي، يمكن أن تتفرع إلى عوالم إنسانية متعددة، وأن تمنح كل شخصية عمقها الخاص ومسارها المتفرد.
وهنا يتجلى عنصر غالبًا ما يُغفل في النقاش: الممثل. فالممثل لا يبدع في الفراغ، بل داخل ما يتيحه له النص. حين يكون السيناريو غنيًا، متعدد الطبقات، يجد الممثل نفسه أمام مادة قابلة للبحث، للتأويل، وللاكتشاف. يدخل إلى عوالم الشخصية، يفككها، يعيد تركيبها، ويمنحها من ذاته بقدر ما تمنحه من إمكانيات. أما حين يكون النص سطحيًا، جاهزًا، ومباشرًا، فإن أقصى ما يمكن للممثل فعله هو التنفيذ، لا الإبداع. النص الجيد لا يقيّد الممثل، بل يحرّره.
إن هذه التجارب تؤكد أن نهضة الدراما لا تُصنع في مواقع التصوير، بل تبدأ من الورق. فقبل الكاميرا، هناك قلم؛ وقبل الأداء، هناك فكرة؛ وقبل التصوير والمونتاج ، هناك كتابة.
من هنا، إذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها، فإن الأزمة الحقيقية للدراما المغربية ليست أزمة ممثلين، ولا حتى إمكانيات، بل هي أزمة نص. أزمة كتابة بالمعنى العميق للكلمة: غياب الرؤية، ضعف في بناء الشخصيات، استعجال في تطوير الأفكار، واعتماد مفرط على القوالب الجاهزة.
الدراما المغربية اليوم لا تعاني من نقص في الحكايات، فالمجتمع المغربي غني بالتفاصيل، بالتناقضات، وبالقصص التي تنتظر من يكتبها. لكنها تعاني من غياب من يحوّل هذه المادة الخام إلى نصوص حية، نابضة، ومتماسكة. وبين وفرة الواقع وفقر الكتابة، تتسع الهوة.
أستحضر الان عندما كنت طالبا بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي حيث كان أحد أساتذتنا يردد باستمرار أن “المبدع يجب أن يكون مكتبة متنقلة، ذو ثقافة شاملة ومخيلة لا حدود لها”. لم تكن هذه العبارة مجرد حكمة عابرة، بل كانت تختزل جوهر العملية الإبداعية. فدور المؤلف لا يقتصر على نسج الحكايات، بل يتعداه إلى بناء عوالم، وصياغة شخصيات نابضة بالحياة، واستحضار عمق إنساني قادر على ملامسة المتلقي. الكاتب الحقيقي هو من يحوّل التفاصيل اليومية البسيطة إلى مادة درامية غنية، ويمنح الواقع بعده الفني والجمالي.
غير أن الحديث عن أزمة الدراما المغربية لا يمكن أن يتوقف عند الكاتب فقط حتى نحمله كل هذا الإحباط الذي يحسه المشاهد المغربي ، فالمخرج بدوره يتحمل جزءًا كبيرًا من هذه الأزمة، بل قد يكون في بعض الأحيان عنصرًا حاسمًا في تعميقها أو تجاوزها. فالمخرج ليس مجرد منفذ تقني يترجم ما هو مكتوب، بل هو قارئ أول للنص، ومؤول له، وصاحب رؤية بصرية وجمالية تمنح العمل روحه النهائية. حين يغيب هذا الوعي، يتحول الإخراج إلى عملية ميكانيكية، تُنجز على عجل، وتفتقر إلى العمق، فيضيع النص—حتى وإن كان جيدًا—بين اختيارات إخراجية سطحية أو مرتبكة.
إن من بين الإشكالات المطروحة اليوم، أن بعض المخرجين يتعاملون مع السيناريو كوثيقة جاهزة للتصوير، لا كنص مفتوح على التأويل والاشتغال. فلا يتم تفكيك الشخصيات، ولا البحث في خلفياتها، ولا بناء إيقاع بصري يخدم تطورها. بل في كثير من الأحيان، يتم اللجوء إلى حلول سهلة ولقطات نمطية، أداء موجّه بشكل مباشر، وإيقاع درامي لا يعكس توتر النص ولا تعقيداته. وهنا، لا يكتفي المخرج بعدم إضافة قيمة للعمل، بل قد يساهم في إفراغه من معناه.
وفي حالات أخرى، قد يحاول المخرج، “إصلاح” النص عبر تغييرات غير منسقة مع الكاتب، فيُحدث خللًا في البنية السردية، ويخلق تناقضات داخل العمل. هذا التداخل غير الصحي بين الأدوار، غالبًا ما يكون نتيجة غياب رؤية مشتركة منذ البداية، أو ضعف في ثقافة العمل الجماعي، حيث يفترض أن يكون كل عنصر مكمّلًا للآخر، لا بديلًا عنه.
كما أن المخرج المتمكن الواعي لا يقتصر على الصورة، بل يمتد إلى إدارة الممثل. فالمخرج الحقيقي هو من يفتح أمام الممثل مساحات للبحث، ويوجهه نحو اكتشاف الشخصية، لا نحو استنساخ أداء جاهز. وعندما يغيب هذا التوجيه، يفقد الممثل بوصلته، ويتحول الأداء إلى مجرد تنفيذ، مهما كانت قدراته.
لذلك، فإن أزمة الدراما المغربية هي، في عمقها، أزمة رؤية متكاملة: نص يُكتب على عجل، وإخراج يُنجز بلا قراءة عميقة، فتكون النتيجة أعمالًا تفتقر إلى الروح. غير أن تفكيك دور المخرج ومسؤوليته في هذه المعادلة يظل موضوعًا قائمًا بذاته، يستحق تحليلًا أوسع ونقاشًا مفصلًا، سنعود إليه في مقال لاحق.
سعيد آيت باجا – belbalady



