مسرح السيد حافظ يحوِّل التراث إلى مادة تجريبية حيّة
'دينامو' المسرح الطليعي بفكك قداسة التاريخ وبسخّر العبث والفانتازيا لترميم انكسارات الإنسان المهزوم.

يُعد الكاتب المسرحي والروائي السيد حافظ (1948) رائدًا في “مسرح التجريب” واللامعقول في المنطقة العربية؛ حيث يكسر القواعد التقليدية للدراما ويميل إلى “الفانتازيا” والسخرية المريرة.
وتتسم أعماله بالتمرد على الثوابت، واستخدام التراث الشعبي لإسقاطات سياسية حادة، كما يشتهر بمشروعه حول “تجربة الإنسان المهزوم”. ولُقب مسرحه بالمسرح الطليعي. وتمتاز أعماله بالجرأة التشكيلية على خشبة المسرح، وغالبًا ما تكون مشحونة بالرمزية والعبث، مما يجعلها أكثر جنوحًا نحو الخيال لذا نراه أديب “الحالة التجريبية” المتمردة على القوالب الجاهزة.
المتابع لمسرحيات السيد حافظ يلاحظ “التمرد العبثي” القائم على التجريب، من خلال تقنية “مسرح داخل مسرح” أو الفانتازيا التراثية، وتحطيم الحائط الرابع، وجعل الشخصيات تشكك في وجودها. وهو غالبًا ما يستلهم التراث (مثل شخصيات ألف ليلة وليلة) لكنه يقلبها رأسًا على عقب ليسخر من “هزائم الإنسان المعاصر”.
هو يستخدم المسرح كـ “مختبر للعبث”؛ والشخصيات عنده قد تتوقف عن التمثيل لتعترض على المؤلف، واللغة مليئة بالسخرية السوداء والتحطيم المتعمد للرموز التقليدية. بهدف كسر الجمود الفني والتمرد على الواقع المرير من خلال الغروتيسك (المسخ) واللامعقول.
عند مشاهدة عمل للسيد حافظ، سيخرج المشاهد بأسئلة وجودية وحالة من “الصدمة الفنية” تجاه المسرح والواقع نفسه.
يقوم مسرح السيد حافظ على تفتيت البناء؛ فيكسر التسلسل الزمني والمكاني ويستخدم تقنيات التغريب والعبث.
ويدمج العامية بالتراث وبالسخرية اللاذعة، مما يجعل نصه يبدو “متحركًا” وغير خاضع لقالب ثابت. وأحيانًا تبدو أعماله وكأنها “تكتب نفسها” على المسرح، معتمدًا على المفاجأة وكسر أفق توقعات الجمهور، بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
إنه “الفنان المتمرد” الذي يهدم البناء ليعيد تشكيله وفق رؤيته التجريبية. إنه يحوّل التراث إلى مادة تجريبية حية تكسر جمود الواقع وتصدم المتلقي.
ويغوص في التراث الشعبي بجرأة كبيرة، مستخدمًا الأغاني الشعبية والشخصيات التراثية المهمشة كـ “متعاليات نصية” داخل أعماله. (ويُقصد بالمتعاليات النصية كل علاقة [ظاهرة أو خفية] تربط نصًّا ما بنصوص أخرى سابقة أو معاصرة له). إنه يعتمد على “الاستحضار المشاكس”؛ فقد يُخرج الشخصية التراثية من سياقها التاريخي ليضعها في مواجهة مباشرة مع مشكلات الإنسان “المهزوم” اليوم.
مسرحياته مثل “يوسف ابن تاشفين” أو “إشاعة” تستخدم التاريخ كمرآة مشوَّهة (فانتازيا) لكشف زيف الواقع السياسي الحالي. لذا نرى التراث عند حافظ أداة لـ “تأسيس زمن ثالث” يمزج بين الماضي والحاضر ليصدم الوعي الجمعي ويحرضه على التغيير، مستخدمًا تقنيات مسرحية غير تقليدية تهدم الحائط الرابع.
يتضح لنا من خلال ما سبق أن السيد حافظ يعتمد على التراث الشعبي والأحداث التاريخية، من خلال تجريب فانتازي وسخرية سياسية مطعمة بلغة شعبية، حيوية، ومتفجرة بالتلقائية بغرض صدمة الوعي والتمرد على الواقع. إنه يفكك “قداسة التاريخ” برؤية تجريبية، ليخدم قضايا الإنسان المطحون، مستخدمًا التجريب الصادم الذي لا يعترف بالحدود الفنية التقليدية.
إنه يمثّل “روح الإسكندرية وجموح البحر”، وبصفته “سكندريًّا”، فإنه يحمل في جيناته روح المدينة المتمردة، المنفتحة على كل الثقافات، والمتغيرة كأمواج البحر. هذا يفسر “السيولة الفنية” في أعماله؛ فهو لا يقف عند قالب ثابت، ولا عند موضوع محدد، بل يمزج بين الواقع والخيال والفانتازيا بتلقائية السكندري الساخر. إن نشأته بعيدًا عن “مركزية” القاهرة البيروقراطية منحته حرية أكبر في تحطيم القواعد؛ لذا نجد نصوصه (سواء المسرحية أو الروائية) مليئة بالشجن السكندري، والسخرية من الثوابت، والبحث الدائم عن “الأفق” البعيد عبر التجريب.
إنه يكتب بـ “ريشة الفنان” الذي يسعى للتحرر من العالم وإعادة اختراعه. والمتأثرون به ينتمون إلى المسرح المستقل، ومسرح الجامعة، والفرق التجريبية التي تبحث عن كسر القواعد. إنه “الأب الروحي” لكل من يريد الخروج عن النص. فقد ألهم الشباب الجرأة على دمج الفانتازيا بالواقع، واستخدام “العبث” كأداة للنقد السياسي. ومنحهم شرعية “الخروج على المألوف” والجرأة على تحطيم الحائط الرابع. وعلَّمهم أن المسرح هو “فضاء للحرية المطلقة” وليس مجرد نص مكتوب، مما شجَّع المخرجين الشباب على تقديم رؤى بصرية مغايرة لنصوصه.
وقد توزعت شهرته وانتشاره في الوطن العربي وعاش سنوات في الخليج (الكويت والإمارات) فعُرف هناك جماهيريًّا وإعلاميا، لذا يُعتبر السيد حافظ من أكثر الكتَّاب المصريين حضورًا في دول الخليج والأردن. لقد أسَّس فيها مشاريع مسرحية وصحفية رائدة. ونصوصه التي تمزج بين الفانتازيا والتراث لامست ذائقة المسرحيين الخليجيين الذين يميلون لمسرح “الفرجة” الشعبي والتجريب الفني. وأصبحت مسرحياته مادة دائمّة للتدريس والتمثيل في المعاهد الفنية هناك، لسهولة تكييفها مع الهوية المحلية. ويجيئ انتشار أعماله “أفقياً” عبر الانغماس في البيئات العربية وتطوير أدواتها التجريبية،
وقد حصد السيد حافظ اعترافات “المهرجانات” ودوائر التجريب، ونال عشرات الجوائز من مهرجانات المسرح في الخليج (مثل الكويت) والأردن، كأفضل نص أو أفضل عرض تجريبي. وتم تكريمه في العديد من المحافل بوصفه “رائد مسرح التجريب” وصاحب مشروع مسرح الطفل الأهم في المنطقة. وركزت الجوائز الممنوحة له على “الابتكار” وكسر القوالب، مما جعله أيقونة في الدوائر التي تحتفي بالتمرد الفني أكثر من الالتزام بالبناء التقليدي، وأعدت عن أعماله الكثير من الرسائل الأكاديمية. لذا فإن أعماله ستعيش، لأنها نصوص “مفتوحة ومستفزة”. إنه لا يقدم إجابات بل يقدم “حالات” إنسانية مهزومة وساخرة. وهذه النصوص أو الرؤى المسرحية تمنح المخرجين دائماً فرصة لإعادة ابتكارها وتحديثها بأساليب سينوغرافية معاصرة.
إن نزعة “التمرد والعبث” في مسرح السيد حافظ لا تموت، لأن الإنسان دائمًا ما يشعر بالهزيمة أو الرغبة في السخرية من الواقع. وخياله الفانتازي يجعل نصوصه صالحة لكل زمان لأنها غير مقيدة بواقعية حرفية. لذا تتطلب نصوصه مخرجين “مغامرين”؛ فبدون رؤية إخراجية قوية، قد يفقد النص التجريبي بريقه على الورق.



