في يومه العالمي.. المسرح فن اللقاء الحي وتجسيد الحياة على الخشبة

في السابع والعشرين من مارس من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للمسرح، ذلك الحدث الثقافي الذي تم إطلاقه من قبل الهيئة الدولية للمسرح وتم الاحتفال به لأول مرة في 27 مارس 1962، وهو تاريخ إطلاق موسم “مسرح الأمم” في باريس، منذ ذلك الحين وفي هذا التاريخ من كل عام، يتم الاحتفال باليوم العالمي للمسرح على نطاق عالمي، ليصبح مناسبة سنوية تذكر بدور المسرح كأحد أقدم وأعمق أشكال التعبير الإنساني.
اليوم العالمي للمسرح، أصبح تقليد عالمي تشارك فيه المؤسسات المسرحية والفنانون من مختلف الدول، عبر عروض خاصة، وندوات، وفعاليات تعيد تسليط الضوء على قوة المسرح كوسيلة للحوار والتنوير، وكرسالة عالمية تتجاوز الحدود.
من أبرز طقوس هذا اليوم، الرسالة العالمية التي يكتبها سنويا أحد رموز المسرح في العالم، حيث تترجم إلى عشرات اللغات وتلقى على المسارح في دول العالم المختلفة قبل العروض، وقد كتبها على مدار السنوات الماضية عدد من كبار المبدعين، وكتب رسالة هذا العام الفنان المسرحي والسينمائي الأمريكي الشهير ويليم دافو، حيث تكون رسالة اليوم العالمي للمسرح بمثابة وثيقة فكرية تعكس حال المسرح وأسئلته في كل مرحلة، ويأتي الاحتفاء باليوم العالمي للمسرح ليؤكد دائما على أهمية إعادة الجمهور إلى القاعات، وتعزيز دور المسرح في مناقشة القضايا المجتمعية، وإتاحة الفرصة للأصوات الشابة للتعبير عن رؤاها.
رغم التحولات التكنولوجية المتسارعة، يظل المسرح حاضرا بقوة، محتفظا بمفرادته القائمة على التفاعل الحي بين الممثل والجمهور، فبينما اجتاحت الشاشات الرقمية مختلف مجالات الفن، ظل المسرح قادرا على تقديم تجربة إنسانية مباشرة لا تضاهى، تقوم على اللحظة الآنية والمشاركة الوجدانية.
ففي مصر، يمتلك المسرح تاريخا عريقا يمتد لأكثر من قرن، منذ بداياته مع رواد مثل يعقوب صنوع، وصولا إلى أجيال متعاقبة أسهمت في تشكيل الوعي الفني والثقافي، ولا تزال المؤسسات المسرحية، سواء الرسمية أو المستقلة، تسعى للحفاظ على هذا الإرث وتطويره، من خلال دعم التجارب الجديدة والانفتاح على أشكال مسرحية معاصرة، فقد كان المسرح جزءا من المجال العام، ومن تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي، لكن هذا الحضور لم يعد بنفس الكثافة، فالمسرح اليوم، رغم ما يشهده من إنتاج متواصل عبر مؤسسات الدولة والفرق المستقلة، يواجه تحديا حقيقيا يتعلق بقدرته على الوصول، وليس فقط الوجود، عروض تقدم، ومهرجانات تقام، لكن الجمهور— بمعناه الواسع— ليس حاضرا دائما بالقدر نفسه، وهنا، لا تبدو الأزمة في نقص الموهبة أو غياب النصوص، بقدر ما تكمن في تحول علاقة الجمهور بالفن ذاته، زمن المشاهدة تغير، وأصبحت المنافسة مع وسائط أكثر سرعة وانتشارا، ومع تتعدد الطاقات والتجارب، ربما تكون الحاجة الآن إلى مساحات أوسع للتجريب، وإلى سياسات ثقافية تعيد ربط المسرح بجمهوره، لا باعتباره ترفا، بل كجزء من الحياة اليومية.
ورغم كل ذلك، يحتفظ المسرح بميزة لا يمكن استبدالها وهي “الحضور”، تلك العلاقة المباشرة بين الممثل والمتفرج، التي لا تختزل في شاشة، ولا تعاد بضغطة زر، لحظة واحدة على الخشبة، بخطأها واحتمالها وصدقها، تظل قادرة على خلق أثر لا تمنحه الوسائط الأخرى بسهولة.
ويبقى المسرح، في جوهره، فن الحياة، ومساحة للبوح، ومرآة تعكس تناقضات الإنسان وأحلامه، وفي يومه العالمي، لا يحتفي المسرحؤون بفنهم فقط، بل يجددون إيمانهم بدوره في بناء الوعي، وفتح آفاق الحوار، والتقريب بين الشعوب.
لهذا، لم بختفِ المسرح، حتى في لحظات التراجع، بل يعيد تعريف نفسه، في أشكال جديدة، ومساحات مختلفة، محاولا الحفاظ على جوهره وهو اللقاء والحضور”.
ففي النهاية، المسرح ليس فنا سهلا، ولا سريعا، ولا جماهيريا بالمعنى الاستهلاكي، لكنه واحدا من أكثر الفنون صدقا، وفي زمن تتشابه فيه الصور وتعاد فيه الحكايات، يبقى المسرح مساحة نادرة لقول المختلف، لهذا، ربما لا يكون السؤال: هل يعيش المسرح؟، بل: هل ما زلنا نملك الشجاعة لنذهب إليه؟.
دعاء فودة – بوابة أخبار اليوم



