3 عروض تحلق بأجنحة السينوغرافيا في ختام أيام الشارقة المسرحية

اختتمت مساء، الاثنين، عروض وفعاليات الدورة 35 من مهرجان «أيام الشارقة المسرحية»، بثلاثة أعمال؛ وشهد قصر الثقافة في الشارقة مسرحية «أرض اليباس» لفرقة مسرح الفجيرة، من تأليف نائل الجرايعة وإخراج فارس البلوشي. واستضاف بيت الشعر في الشارقة عرضين هما: «حقائب فارغة» لجمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح، تأليف محمد سعيد الظنحاني وإخراج إبراهيم القحومي، وعرض «جاري اختيار عنوان» لجمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح، تأليف تغريد الداؤود وإخراج إبراهيم سالم.
اتجه العرض الأول «أرض اليباس» نحو فضاء الفنتازيا والأسطورة، ليتناول بشكل متخيل طبيعة العلاقة بين البشر والجن؛ هذه الثنائية التي طالما سكنت العقول منذ عصور سحيقة. يتحدث النص عن قوم من الكائنات غير البشرية، مستعرضاً تفاصيل علاقاتهم والطقوس والقوانين التي تحكمهم، وموقفهم من العالم الإنساني؛ إذ لطالما ظل هناك حاجز قائم يمنع التواصل المباشر بين المجموعتين، إلى أن يقرر أحد البشر اختراق ذلك العالم الغامض لوقوعه في حب جنية، ومن هنا تنطلق الأحداث وتتصاعد حدة الصراع.
مرآة
استخدم العمل هذه العلاقة الأسطورية بين «الجن والإنس»، مرآةً لاستكشاف قضايا إنسانية واجتماعية، مثل الرغبة في التحرر من القيود، والبحث عن «الآخر»، والصراع مع المجهول في بيئة قاحلة يرمز إليها بـ «اليباس». واحتشد العرض بالرموز والدلالات الدرامية، متخذاً طابعاً ملحمياً تجلى في لغته الشعرية، وثيمة الصراع المنبثقة من علاقة الحب المحرّم، التي فجرت بدورها صداماً مع القوانين والنواميس التي تحكم العالمين.
وَلئن كان النص غارقاً تماماً في عوالم الميثولوجيا والغموض، فإن أبرز الحلول الإخراجية التي لجأ إليها البلوشي تمثلت في صناعة بصرية قوية، تعزز المشهدية بأسلوب يقترب من العوالم السينمائية؛ حيث اعتمدت التشكيلات السينوغرافية على الإبهار والخدع البصرية لتجسيد العوالم الماورائية وتعميق الحالة الأسطورية.
جاءت الإضاءة خافتة في بعض الأحيان مع توظيف الدخان لجعل الرؤية غائمة وأشبه بالحلم، سعياً لنقل المشاهد إلى منطقة رمادية بين عالمين مختلفين. ولم يكن استخدام البخور والدخان مجرد مؤثرات بصرية فحسب، بل كان وسيلة لكسر حدة الإضاءة وتشكيل كتل هوائية تجعل الخشبة تبدو «فضاءً هلامياً» غير محدد المعالم، ما عزز فكرة التداخل بين العالمين.
ولعل هذه الرؤية الإخراجية جعلت من العرض تجربةً حسيّةً تتجاوز الحوار المنطوق؛ حيث لعبت السينوغرافيا «الديكور والإضاءة والمؤثرات» دور البطولة في تجسيد الصراع النفسي والروحي للأبطال. وإضافةً إلى ذلك، اعتمد الممثلون على لغة الجسد لتعويض «الضباب البصري»، فكانت حركاتهم تتسم بالبطء تارةً وبالسرعة تارةً أخرى؛ لتعكس التماسَّ بين البشري والكائن الخفي. وقد نجح الممثلون في تجسيد الحالات بشكل مقنع، وصنعوا تناغماً قوياً مع الفعل السينوغرافي، ما خلق صورة مشهدية قوية تجاوب معها الجمهور كثيراً.
علاقات مسمومة
أما العرض الثاني «حقائب فارغة»، فيرتكز على حكاية اجتماعية مؤثرة تدور حول العلاقات الأسرية والزوجية، والتشظي الذي قد يصيب تلك الوشائج. تتناول القصة زوجين تدبُّ بينهما الخلافات لتنعكس آثارها على طفلهما الصغير، وهو من «أصحاب الهمم»؛ ومع تصاعد الأحداث وتفاقم العلاقة المسمومة التي انتهت بالهجران، يضيع الطفل بسبب تلك الصراعات لتتفجر أوضاع مأساوية.
يسلط العمل الضوء على النتائج المترتبة على الخلافات الزوجية، وضرورة وجود حد أدنى من التعايش والتعاون والتضحية من أجل الأطفال. ومن خلال تلك العملية الصراعية، يبرز صوت الحكمة متمثلاً في «الجدة»؛ التي حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر النصح والتحذير، ولكن دون جدوى. ومن ضمن القضايا الجوهرية التي ناقشها العرض قضية السلطة الذكورية؛ إذ ينظر الزوج دائماً لنفسه بوصفه سيد البيت والمكان، الذي لا بد أن تُستجاب سلطته، ومن هنا حضرت قضية المرأة بقوة في تفاصيل العرض وأحداثه الساخنة.
ارتكز العمل على بُعد تراجيدي، عندما تتحول الخلافات الزوجية إلى كارثة تقع على رأس طفل صغير؛ ولعل استخدام شخصية طفل من «أصحاب الهمم» في النص يعمق الشعور بالعجز والمسؤولية المفقودة، ويجعل من «الحقائب» رمزاً ليس للرحيل والهجران فحسب، بل لفرغ الحياة من قيم الاحتواء والأمان الأسري. فكون الحقائب فارغة، يحمل ذلك إشارة إلى خلوّ العلاقات الإنسانية من جوهرها؛ إذ تمثل الحقيبة هنا «الذات» التي أصبحت وعاءً خاوياً نتيجة الصراعات، حيث يسعى الأبطال للرحيل لكنهم لا يملكون ما يحملونه معهم سوى الفراغ.
يجسد العمل مفهوم الاغتراب؛ فالزوجان يعيشان في مكان واحد لكنهما منفصلان روحياً. لا يدور الصراع حول أشياء مادية، بل حول «عدم القدرة على التواصل»، ما يجعل البيت سجناً اختيارياً تتحول فيه الروابط إلى قيود. ولعل اختيار طفل من «أصحاب الهمم» ليكون الضحية، يمثل بُعداً فلسفياً حول مصير «النقاء» في عالم ملوث بالأنانية؛ فضياع الطفل هنا ليس مجرد حادثة درامية، بل هو رمز لضياع البوصلة الأخلاقية.
دفع مخرج العرض بمقاربات تعمق الحالة المأساوية في العمل؛ وعلى العكس مما ذهب إليه بعض المشاركين في الندوة التطبيقية، فإن الفضاء الذي جرت فيه الأحداث لم يكن فقيراً. بل عمل إبراهيم القحومي على تأثيث الخشبة بكتل كبيرة مطلية باللون الأسود، وتقسيم المسرح بطريقة تعبر عن الصراع؛ ولعل ذلك اللون القاتم والأحجام الكبيرة ترمز إلى ثقل الأزمات التي تحاصر الأسرة. هذه الكتل لم تكن مجرد ديكور، بل مثلت العوائق النفسية والجدران العازلة بين الزوجين، ما جعل «الفضاء» يبدو ضيقاً وخانقاً رغم اتساع الخشبة، وهو ما يخدم تماماً فكرة «الحقائب الفارغة» التي تثقل كاهل أصحابها بالهموم.
وربما كانت الفكرة من تقسيم الخشبة هي تصوير التشظي الأسري؛ فالمساحات التي تحرك فيها الممثلون جسدت «الجزر المنعزلة» التي يعيش فيها كل فرد. هذا التوزيع البصري أجبر المتفرج على الشعور بالقطيعة، وأصبح التواصل الجسدي والبصري بين الشخصيات صعباً، ما عمّق مأساوية الضياع؛ فالكتل السوداء وسط هذا الفراغ جعلت الشخصيات تبدو ضئيلة وهشة أمام قدرها المحتوم، ما عزز البعد الفلسفي للمأساة.
كوميديا
ولئن كان العرض السابق «حقائب فارغة»، غارقاً في المأساة، فإن مسرحية «جاري اختيار عنوان» اختارت طريق الكوميديا الراقية والهادفة التي تناقش المفاهيم والأفكار وتطرح الحلول. يتحدث العمل في بُعده النصي عن مجموعة من الفنانين يقدمون عروضهم في الشارع، ويبحثون عن الاعتراف بهم كمبدعين؛ ومن هنا تبرز المواقف والمفارقات والرؤى المتناقضة التي اتسم بها العرض، والتي عززت الحالة الدرامية وعمّقت المواقف النفسية للشخصيات.
غاص العرض في قضايا الهوية الفنية ومعاناة المبدع في سبيل إثبات ذاته؛ ولعل فكرة اختيار ممثلين يقدمون أعمالهم في الشارع تعكس الصراع بين الفن الحر والاعتراف المؤسسي، إذ تطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يحتاج المبدع إلى «عنوان» أو «ختم رسمي» ليكون فناناً؟ ولا شك في أن هذه الحالة تعكس صراعاً يقترب من المأساوية، لكن إبراهيم سالم مرر تلك الحالات عبر كوميديا راقية موظفة بذكاء لخدمة فكرة العمل. نبعت هذه الكوميديا من المفارقة بين طموح الفنان وواقعه المرير، ما خلق توازناً دقيقاً بين الضحك والتأمل؛ كما أن وجود شخصيات تمثل وجهات نظر متباينة تجاه الفن والحياة، جعل المسرحية مرآة عاكسة لتناقضات المجتمع الفني نفسه، ولعل وجود شخصية «الشحات»، يعزز من تلك الحالة.
يجسد العمل المسرحي فكرة أن المبدع يظل في حالة «تيه» وفقدان للهوية ما لم يحصل على اعتراف مؤسسي، رغم امتلاكه للموهبة؛ ولئن كان الفن الحقيقي ينبع من الناس «أي الشارع»، إلا أنه يصطدم دائماً بالحاجة إلى «قالب جاهز» ليُقبل اجتماعياً أو رسمياً. ولعل استخدام «الكوميديا الراقية» يمثل فلسفة بحد ذاتها، حيث تُعالج مأساة «عدم الانتماء» بروح ساخرة، ما يحول المعاناة اليومية للفنان إلى مادة للتأمل الفكري، بدلاً من مجرد الشفقة. بمعنى آخر؛ يقول العمل: «إن قيمة المبدع تكمن في فعله الفني ذاته»؛ ومن هنا يحمل العرض سخرية ضمنية ضد الفنانين الذين ينشغلون بالاعتراف الرسمي، بدلاً من الانصراف إلى إبداعهم دون انتظار تقييم من أحد.
يقف العمل شاهداً على البراعة الإخراجية لدى إبراهيم سالم، الذي وضع لمساته الإبداعية الساحرة على العرض من خلال اختيار «فضاء فقير»، ما ترك مساحة واسعة أمام الممثلين، ليبرزوا براعتهم الأدائية. وقد ساعد على ذلك «الفعل السينوغرافي» القوي، لا سيما الإضاءة التي أظهرت ملامح الوجوه وحركة الأجساد بدقة.












