أخبار مسرحية

أبطال الخشبة الجدد

ظل المسرح المعاصر يشهد تغييراً جذرياً في بنيته الجوهرية مع صعود التيارات التجريدية، التي أعادت صياغة مفهوم العرض من مجرد محاكاة حرفية للواقع إلى منظومة تعتمد على العلامات والرموز، ليكون الفضاء المسرحي مختبراً للتأويل بدلاً من كونه مرآة عاكسة للحياة اليومية كما كان سائداً في السابق.

فعندما كان المسرح يحاول تقليد الواقع كان يكتفي بالنقل، أما مع طغيان الرمز والتجريد، أصبح «أبو الفنون» يوحي ولا ينقل، فالخشبة تحولت من «مكان مادي» إلى «فضاء ذهني»، إذ إن العرض لم يعد يهتم ب«ماذا يحدث؟»، أي الحبكة الظاهرة، بل يذهب مباشرة إلى المعنى الضمني.

وهذا التوظيف للرمز والعلامة نقل المسرح من تجربة بصرية إلى فعل يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع الأسئلة الوجودية، من خلال اختزال الديكورات الضخمة واستبدالها بقطع بسيطة، ما منح الخشبة أبعاداً جمالية وفلسفية تتجاوز حدود الجدران الأربعة.

وتتجلى الأبعاد الجمالية لهذا التحول في قدرة المخرج على تطويع الإضاءة والكتلة والفراغ، لتصبح لغة درامية قائمة بذاتها تتفوق أحياناً على النص الأدبي المنطوق، إذ لم يعد الكرسي مجرد أداة للجلوس، بل علامة دالة على الوحدة، أو السلطة، أو الانتظار، بناءً على تموضعه وتفاعل الممثل معه.

ولعل ذلك الاختزال البصري حرّر خيال المتلقي، ومنحه فرصة لبناء عالمه الخاص داخل العرض، ما يجعل الجمالية المسرحية نابعة من «اقتصاد الأدوات وفائض المعنى»، وهو ما يعزز من شاعرية الخشبة ويحولها من فضاء جغرافي محدود إلى فضاء كوني مفتوح يتسع لكافة التأويلات الإنسانية.

كما يصنع مساحة واسعة لتفعيل خيال المتلقي، وبالتالي تعميق مفهوم التلقي نفسه، وهو ما يعدُّ تغييراً كذلك في الوعي والذائقة المسرحية لدى الجمهور.

أما على الصعيد الفلسفي، فإن تجريد المسرح يعكس الرغبة في النفاذ إلى جوهر الأشياء بعيداً عن قشور المادة، إذ يرى خبراء المسرح أن التكثيف هو وسيلة لتعرية النفس البشرية، وكشف الصراعات الداخلية التي لا تستطيع اللغة المباشرة التعبير عنها، ما يحول العرض إلى ملحمة بصرية ومشهدية تبحث في كينونة الإنسان وعلاقته بالكون والوجود، بعيداً عن قيود الزمان والمكان الواقعيين.

وهذا التوجه الفلسفي يكرس مفهوم المسرح كفعل «تنويري» يدفع الجمهور نحو التفكير النقدي وفك شفرات العرض، بدلاً من الاستغراق في الاندماج العاطفي السطحي.

لقد أصبحت العلامات والرموز بمثابة «الأبطال الجدد» في المسرح المعاصر، بل إنها في كثير من العروض الحديثة سحبت البساط من «البطل التقليدي» «الممثل المشخص» ومن «النص الأدبي»، إذ تحولت عناصر السينوغرافيا إلى فعل درامي يغير مسار العرض.

\

علاء الدين محمود – الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!