حلب تنتصر لمسرح الممثل الملتزم في مهرجان المونودراما
عروض تقيم حوارا مع الذات الإنسانية عن الحرية والقيم المفقودة في الحرب

ملخص
تواظب دائرة المسرح “مديرية المسارح والموسيقى” في حلب على متابعة برنامجها الفني، فبعد نجاحها في تنظيم مهرجانها المسرحي في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، أعاد القائمون على الريبرتوار الحلبي إطلاق نسخة جديدة من مهرجان خاص بفن المونودراما (مسرحية الممثل الواحد).
ضم مهرجان المونودراما في حلب 8 عروض تسابق 6 منها على الجوائز، وقد تشكلت لجنة تحكيمه من المخرج والممثل الفلسطيني زيناتي قدسية (رئيساً) وعضوية كل من الفنان حسين عرب والناقد جوان جان. قُدمت العروض على خشبة دار الكتب الوطنية المطلة على ساعة باب الفرج أشهر المعالم التاريخية لعاصمة الشمال السوري.
اختارت إدارة المهرجان أن تفتتح برنامج عروضها بمونودراما “سيد الخشبة” لمؤلفها الكاتب البحريني يوسف حمدان وأداء وإخراج الفنان زيناتي قدسية. تروي “سيد الخشبة” قصة مرزوق الذي قضى أجمل سنوات شبابه في حب المسرح والبذل من أجله. عقود طويلة هام الرجل الآتي من مدينة حيفا بخشبة مسرح، وبادلها حباً بحب. لكن، وبعد قصة حبه العاصفة تلك، وجد نفسه في خريف العمر مضطراً لبيع مكتبته على الرصيف كي يسد رمقه ورمق عائلته. لكن أحداً لم يكترث لنداءات عاشق المسرح ولا إلى فصول مأساته، بل كان مصيره أن يتلقى رصاصات غادرة في الصدر تكون بمثابة إسدال الستار على مسرحية حياته.
اختار الفنان قدسية الذي أسهم في تأليف النص وإعداده تقنية الراوي الملحمي المنخرط في الأحداث، متبعاً تقنية الكلام الانفرادي، وهو خطاب غير موجه إلى مُخاطب بعينه، وإنما إلى ذات الشخصية وعلى مسمع من الجمهور.
سعى الفنان زيناتي قدسية إلى التلوين في أداء مثل هذه العروض التي كان بحق عرابها الأول في سورية منذ مطلع ثمانينيات القرن الفائت، لا سيما بالأعمال التي حققها مع الكاتب الراحل ممدوح عدوان من مثل: “القيامة” و”حال الدنيا” و”أكلة لحوم البشر”. اعتمد الفنان الفلسطيني في “سيد الخشبة” على إبراز التمايز بين المونولوغ وإيجازه واندماجه مع الحوار الضمني للراوي، فلم يخلط بين دور الراوي وبين الحديث عن سيرة الشخصية وماضيها. بهذا المعنى جعل مخرج “سيد الخشبة” المُتفرج يتعرف إلى موقف الشخصية وأن يحكم على هذا الموقف بناءً على معرفته للأسباب التي دفعت مرزوق إلى بيع كتبه، فالرجل لطالما عانى التسلط وقاسى التهجير القسري عن أرضه. الأمر الذي دفعه إلى مواجهة مصير قاتم في زي اختاره قدسية لشخصيته كان أقرب إلى زي شامان أو عرّاف صوفي.
حوار مفتوح
ومالت عروض المهرجان في غالبيتها إلى حوار مفتوح مع الذات الإنسانية عن الحرية والقيم الأخلاقية المفقودة في مجتمعات الحرب والنزاعات الأهلية. هكذا أتت مونودراما “انتحار رجلٍ ميت” لكاتبتها ضحى عساف ومخرجها جمال خللو كي تناقش صحوة الضمير عند رجل (نمر النبهان) يخلو إلى نفسه بعد فوات الأوان. ارتكب الشاب العديد من الموبقات، فرمى والدته المُسنّة في دار للعجزة بعد أن سطا على أملاكها وزوّر أوراقاً تحمل بصمات أصابعها غصباً، بينما استغل حبيبته أبشع استغلال، وتخلى عن مساعدة صديق عمره كي يظفر بزوجته الجميلة. أفعال شائنة دفعته إلى محاكمة نفسه خالصاً إلى الانتحار كعقاب على ما اقترفه من آثام. جسّد مخرج العرض لضمير الرجل بمانيكان يرتدي زياً أبيض. حل تقليدي لمشكلة المُخاطب الغائب في عروض المونودراما، وتعويض لمستمع خيالي جعل الممثل يقترب أكثر فأكثر من شخصية تعاني فصاماً عميقاً بين تصوره عن ذاته والصورة المثالية التي رسمها لنفسه أمام الآخرين.
ولم يتأخر الفنان نادر حكمت العقاد عن مشاركته في مهرجان حلب للمونودراما، إذ قدم عرضاً بعنوان “ليلة التكريم” عن نص للكاتب جوان جان. يروي “ليلة التكريم” حكاية ماجد السبعاوي (عمر دوبا- جائزة أفضل ممثل) الرجل الذي يتلقى اتصالاً هاتفياً من السلطة يخبرونه فيه بضرورة الحضور على عجل لتسلم جائزة الدولة التقديرية، لكن الرجل يتساءل عن سبب هذا التكريم، ويشرع في استعادة ماضيه بعد أن يفتح حقيبته مخرجاً منها بدلة عرسه البيضاء، ومع كل غرض يخرجه من هذه الحقيبة يتداعى الماضي أمامه وتتقلب المواجع، فيتذكر عندما وقع في الأسر وكيف صمد أمام جلسات استجواب العدو، ولم يبح بأي سر من أسرار الدولة، لكنه بدل أن يكافأ على إخلاصه تم اتهامه بالخيانة واعتقاله وتعذيبه. بعدها يتذكر ماجد كيف سُحبت منه جائزة أفضل ممثل في مهرجان مسرحي بعد أن أعطيت لممثل مدعوم من الاستخبارات. بنك الخسائر يتسع مع تذكره لابنه الوحيد وكيف قضى هو الآخر في خطأ طبي، وكيف راوده أحد المتنفذين عن زوجته الجميلة، وصولاً إلى هدم بيته الذي بناه في منطقة العشوائيات، فاستحالت ذكرياته وذكريات أطفاله إلى ركام.
ولعب مخرج “ليلة التكريم” (جائزة الجمهور) على وظيفة الغرض المسرحي، مرتكزاً على نبش حقيبة كل أكسسوار فيها كان بمثابة مفتاح لتداعٍ حر من قِبل الشخصية: (الميدالية، بدلة العرس، الكرة) وسواها. على مستوى آخر يمكن ملاحظة القدرة على إدارة الممثل وتوجه الأداء الذي انصب على محاكاة واقعية لأجواء جيل السبعينيات وما رافقته تلك المرحلة من أغان ثورية وعاطفية على حدٍ سواء، إذ أفاد المخرج من أغنيات الشيخ إمام وأسمهان ومحمد عبد الوهاب في مواكبة تصاعد الأحداث وتعاقبها مع شخصيته الوحيدة على المسرح. أسلوبية لم تتخلَ عن اعتبار المونودراما فناً شخصياً أقرب إلى الرسم والنحت أو كتابة القصيدة ضمن إطار لعبة جماعية تتنازل عن الحوار مقابل تغليب المونولوغ في سرد حكاية العرض وتقمص عدة أدوار يؤديها ممثل يتيم على الخشبة.
الذكاء الاصطناعي
“نهاية التاريخ” هي العبارة التي يمكن الاحتفاظ بها عن لسان بطل مسرحية “تجربة 345” لمؤلفها ومخرجها عبيدة صادق، فالعرض الذي يتخذ من تجربة علمية خيالية قصته ينتهي إلى مكاشفة عميقة مع العالم المُدار بتقنيات الذكاء الاصطناعي والبشر الآليين. آدم (عمر نعمة) يجد نفسه حارساً لرجل يسكن داخل كبسولة تم تجميده فيها منذ 80 عاماً. يتساءل آدم عن مصير هذا الرجل الذي تم تحنيطه وعن مصير عائلته من بعده، فيفتح خزانة ملابس يبدو أنها تعود لهذا الرجل- المستحاثة. يخرج الشاب فستان زفاف أبيض ويرتديه متقمصاً دور حبيبة الرجل المتجمد، لكن عبثاً يصل إلى إجابة، فلقد وقع هو الآخر في تجربة مشابهة عندما لبى نداء جهة إنسانية تطلب موظفاً للعمل لديها لقاء مرتب مغرٍ، لكن هذا لم يكن إلا فخاً جعله في عزلة عميقة حتى عن نفسه، فلقد تم وضعه تحت رحمة كاميرات المراقبة. تلك العيون التي تراقب أقل سكناته جعلته يستذكر ساخراً حلمه القديم بأن يصبح ممثلاً في عروض “الستاند آب كوميدي”.
نقطة ينطلق منها العرض مجدداً للنفاذ إلى حلم آدم بالانعتاق والحرية من أية رقابة أو انتماء في عالم بدا على طرفي نقيض. عالم الرجل (الكبسولة) بما كان يعبق برائحة أوراق الجرائد وبرامج الإذاعة، وعالم استحال إلى نبضات إلكترونية يرسم واقعاً افتراضياً كثيفاً وملغزاً. اعتمد مخرج “تجربة 345” على تعدد الأصوات في عروض المونودراما، خالصاً إلى مقاربة أداء متنوع في عرض أقرب إلى عروض الـ”وان مان شو”، وعلى رغم الحس الساخر في العرض إلا أن النهاية جاءت فجائعية بمقتل آدم في أثناء إطلاق سراحه من المختبر الذي أجبر على العيش فيه. خاتمة حملت إسقاطات على أدوات القمع المعاصرة وغلبتها حتى على أحلام الإنسان وملكاته الخفية.
وحضرت المرأة في عروض مهرجان المونودراما في حلب كموضوعة رئيسية لمناقشة واقع النساء السوريات، والحيف الواقع عليهن من تسلط ذكوري وتقاليد رثة، فكان للنساء القسط الأكبر في عروض المهرجان، مما وفّر مساحة تعبير خاصة لهن، وأتاح للعديد منهن انتزاع فسحة جديدة للنبش في واقع بنات جنسهن، وإماطة اللثام عن المسكوت عنه، ولا سيما في المجتمعات الريفية والتقليدية. في هذا السياق جاء عرض “قيد الحبر” لكاتبه محمود الحاج علي ومخرجه علي شبهر. يروي “قيد الحبر” حكاية ليلى (فتون جنيدية) الفتاة التي تجد نفسها أسيرة أغلال العادات والتقاليد منذ نعومة أظفارها، لكن الفتاة عندما تشب عن الطوق تجد في رجل شاعر ملاذها من جحيم العرف والتقاليد لتحقق حلمها بأن تصير كاتبة وأديبة، لكن الفتاة تفاجأ أن زوجها الشاعر لم يكن سوى نسخة من مجتمع يعتبر المرأة عورة ومطية وأداة تفريخ ليست إلا، ما يدفع ليلى في النهاية إلى إعلان تمردها على واقعها الذي تقول إنها أسهمت في تشييد قضبان أقفصاه حولها بما أبدته من انصياع وطاعة عمياء لطقوسه وتعاليمه.
الممثلة الواحدة
وتعتبر عروض الممثلة الواحدة من أبرز الوثائق التي قدّمها المسرح السوري عن العنف الواقع على النساء في فترات الحروب، وهنا لا بد من التوقف عند مونودراما “ماريا” عن نص للكاتبة البوسنية ليديا شيرمان هوداك وإعداد وإخراج محمد ملقي (جائزة أفضل إخراج)، إذ ذهب المخرج عبر مونودراما نفسية إلى المنطقة الأكثر قتامة في ذاكرة الصراعات الإثنية والعرقية ذات القبور الجماعية ذائعة الصيت، وللإسقاط على الحرب السورية كان اختيار ملقي للنص الذي ترجمته الناقدة المصرية الراحلة نهاد صليحة حاسماً، وذلك لتقديم شخصية امرأة (رونا المرعي) اغتُصِبت ابنتها أمام عينيها من قبل جنود العدوّ الذي اجتاح بلدتها الوادعة. تنتهي الحكاية بأن تنجب ابنتها طفلةً جرّاء تلك الجريمة، والمشكلة التي تظل معلقة هو الاعتراف بأبوة تلك الطفلة التي أنجبتها الحروب والإهانات.
زاوج مخرج “ماريا” بين أكثر من فضاء على خشبة المسرح، وتنقل عبر إضاءة مدروسة بين ثلاثة أماكن (مستشفى، بيت، شارع)، إذ تستعيد الأم تلك الأماكن إلى ذاكرتها عبر مجاورات ناجحة للأزمة التي تكشف عنها الشخصية، وذلك عبر وصية المُعالِجة النفسية لماريا باللجوء للرسم للتعبير عن دواخلها، الرسم المستمر للوجوه التي تقوم ماريا بتلوينها باللون الأحمر. هذا الفضاء الذي تركه المخرج لممثلته الوحيدة على المسرح، دفع بطلة العمل إلى أداء عالي المستوى، إذ إن الرسم المستمر الذي مارسته الشخصية على المسرح مع تصاعد الحالة التي تعيشها، واستخدام الفرشاة والطباشير ودلو الطلاء الأحمر، إضافةً إلى الدمية ذات الرأس المقطوع التي كانت ماريا توجه الحديث إليها على أنها ابنتها المغتصَبة. كل ذلك كان موظفاً لخدمة العالم النفسي الذي تنتمي إليه الشخصية، ناهيك عن التقلبات النفسية بالغة الصعوبة لشخصية ماريا التي تروي كل شيء، فتتقمص أصوات الجند وقائدهم، وتستمع إلى الحرب عبر راديو معطل، وتنفّذ بدقة ما يشبه “كروكي أسود” لحادثة الاغتصاب في زمن الحرب.
واختار المخرج رائد البين أسلوب التداعي الحر عند فرويد في عرضه “ذهان” عن نص للكاتبة البريطانية سارة كين، وحفل هذا العرض بما يشبه اعترافات تدلي بها الشخصية (عبير بيطار- جائزة أفضل ممثلة) على المسرح، ففي هذه التجربة نلاحظ كيف يتحول فن الممثل الواحد إلى تورية باهرة عن الحياة السرية للنساء، وما يكتنف هذه العوالم من قهر ومحاولة تحطيم لإنسانية المرأة بداعي الشرف، كما نتعرف أكثر فأكثر إلى كواليس نفسية عميقة ومدهشة في تناولها لثنائية الرجل والمرأة من منظور نسائي يعري الرغبات المكبوتة، ويشهر سبابة الاتهام لنخب انتهازية جعلت من المرأة طُعماً لها. أداء لافت لبطلة “ذهان” تعامل فيه المخرج مع ممثلته ضمن عالم من الأحلام والهلوسة التي مثل لها عبر لعبة ظلال متداخلة لكائنات تظهر وتغيب في عمق الخشبة.
ولكن بالمقابل كانت قليلة تلك العروض المشاركة في المهرجان الحلبي التي فرّقت بين المونولوغ والمونودراما، فشتان بين مونولوغ في مسرحية يأتي على لسان ممثل أو ممثلة، بينما الشخصيات الأُخرى في العرض تكون صامتة، وبين عرض المونودراما الذي يستأهل تقنيات إخراجية وأدائية عديدة، وخبرات في علم النفس لكتابتها، إذ يسيطر الصراع الداخلي بين الشخصية وذاتها على بقية الصراعات الرائجة في العروض الجماعية، من صراع أفقي بين الشخصيات، أو صراع عمودي مع قوى الغيب والطبيعة، مما جعل كتابة عروض السولو-(solo) أو الـ”وان مان شو” (one man show) عملية إبداعية صعبة ولا يستهان بها، وتستلزم عدة فكرية وفنية مركّبة، وقدرة على تنويع الأصوات على لسان ممثل وحيد على الخشبة، من دون الإخلال بالشرط الفني لهذا النوع من الأداء.
واختتم مهرجان حلب للمونودراما فعالياته بعرض “على قيد الموت” لمؤلفه ومخرجه سعد الآغا، والذي يروي حكاية طفل مصاب بطيف توحد تموت والدته ويبقى رهين أهواء والده المدمن على تعاطي المخدرات، ما يقود هذا الطفل في النهاية إلى الانتحار احتجاجاً على سوء الطالع وعلى واقعه القاتم. واقع وضع الطفل في مواجهة لا ترحم مع مجتمع يعامل فيه ذوو الاحتياجات الخاصة بنوع من التنمر والتهكم والسخرية. جاء العرض (جائزة لجنة التحكيم الخاصة) بمثابة تشريح لواقع العنف الأسري عندما يتواطأ مع المجتمع المحلي لإدانة الضحية وسحقها من دون أي رادع. معالجة استأثرت بمباشرة فنية عللتها بضرورة إيصال المقولة لشرائح اجتماعية واسعة بعيداً من النخبوية أو التعالي على الجمهور.
سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية



