عبدالكريم الحجراوي: “معجم المسرح السيري”… كتاب يوثق حضور السير الشعبية

يصدر قريبا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب إصدار جديد للدكتور عبد الكريم الحجراوي بعنوان “معجم المسرح السيري: ببليوجرافيا شارحة لتجليات السير الشعبية في المسرح العربي (1848–2025)”، في عمل بحثي موسّع يسعى إلى توثيق وتحليل حضور السير الشعبية في المسرح العربي عبر ما يقرب من 175 عامًا، منذ نشأته الأولى في منتصف القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة.
وقال “الحجراوي”: يأتي هذا الكتاب “معجم المسرح السيري” في سياق اهتمام متجدد بسؤال “الخصوصية” في المسرح العربي، وهو السؤال الذي شغل عددًا من أبرز رواده ومفكريه، من بينهم يوسف إدريس وتوفيق الحكيم ومحمد مندور، الذين دعوا منذ ستينيات القرن الماضي إلى تأسيس اتجاه عربي في المسرح يستند إلى الموروث الثقافي المحلي، كما ظهرت دعوات موازية في المغرب مع عبدالكريم برشيد عبر “المسرح الاحتفالي”، وفي بلاد الشام من خلال مسرح الحلقة والفرجة.
يؤكد الحجراوي على أن يذهب الكتاب إلى ما هو أبعد من هذه الدعوات، ليؤكد أن الاتجاه نحو التراث الشعبي لم يكن مجرد استجابة فكرية حديثة، وإنما ممارسة مبكرة صاحبت نشأة المسرح العربي نفسها، حيث بدأ هذا المسرح منذ أعمال مارون النقاش في أربعينيات القرن التاسع عشر وهو يبحث عن صيغ تعبيرية تلائم الذوق العربي، مستندًا إلى مصادر متعددة، في مقدمتها التراث الشعبي والتاريخي، إلى جانب الاقتباس المعرب من النصوص الغربية.
ثلاثة مسارات رئيسة شكّلت ملامح التجربة المسرحية العربية
ويشير الحجراوي إلى أن الكتاب يرصد ثلاثة مسارات رئيسة شكّلت ملامح التجربة المسرحية العربية منذ بداياتها، تمثلت في: استلهام الحكايات الشعبية والملاحم والأساطير، والاعتماد على التاريخ العربي القديم والإسلامي، إضافة إلى تعريب النصوص الغربية بما يوافق البيئة الثقافية المحلية. إلا أن العمل يركّز بشكل خاص على المسار الأول، وتحديدًا على السير الشعبية بوصفها أحد أكثر المصادر ثراءً وتأثيرًا، رغم ما تعرضت له من تهميش نسبي في الدراسات الأكاديمية مقارنة بمصادر أخرى مثل “ألف ليلة وليلة”.
يروى الحجراوي: “يعود مشروع هذا الكتاب إلى عام 2014، حين بدأت فكرة إعداد ببليوجرافيا متخصصة في رصد النصوص المسرحية المستلهمة من السير الشعبية، قبل أن تتبلور بشكل أوضح في عام 2017 خلال مشاركة بحثية تناولت العلاقة بين المسرح والسيرة الهلالية، ومنذ ذلك الحين، شرع الدكتور عبدالكريم الحجراوي في عملية رصد وجمع استمرت لعدة سنوات، شملت مختلف الأقطار العربية”.
وتابع: أسفرت هذه الجهود عن توثيق نحو 250 نصًا مسرحيًا مستلهمًا من السير الشعبية، جرى إنتاجها أو كتابتها في 16 دولة عربية، من بينها مصر ولبنان وسوريا والعراق وتونس والمغرب ودول الخليج، وذلك في الفترة الممتدة من عام 1847 حتى عام 2022، مع الإشارة إلى أن هذا العدد مرشح للزيادة مع استمرار البحث والكشف عن نصوص أخرى.
وتكشف البيانات التي يتضمنها الكتاب عن تفاوت لافت في حضور السير الشعبية داخل المسرح العربي، حيث تتصدر مصر القائمة بما يزيد على 120 نصًا مسرحيًا، تليها لبنان، ثم اليمن والأردن والسعودية، مع حضور متفاوت في بقية الدول العربية. وعلى مستوى السير نفسها، تحظى سيرة عنترة بن شداد بالنصيب الأكبر من حيث عدد الأعمال المسرحية، تليها السيرة الهلالية، ثم سيرة الزير سالم، إلى جانب حضور أقل لسير أخرى مثل الظاهر بيبرس وسيف بن ذي يزن وعلي الزيبق.
يقدّم الكاتب نموذجًا لما يُعرف بـ“الببليوجرافيا الشارحة”، وليس مجرد حصر كمي للنصوص، حيث يتضمن معلومات تفصيلية عن كل عمل مسرحي، تشمل اسم المؤلف وسيرته المختصرة، ونوع النص (شعري أو نثري، فصيح أو عامي، موجه للأطفال أو للكبار)، وما إذا كان قد طُبع أو ظل مخطوطًا، إلى جانب ملخصات تحليلية لمضامينه. كما يعتمد منهجًا دقيقًا في التوثيق، يميّز بين جنسية النص المرتبطة بالمؤلف، وجنسية العرض المسرحي المرتبطة ببلد الإنتاج.
ويشير الحجراوي إلى أن أكثر من 95% من النصوص التي جرى رصدها قد تحوّلت بالفعل إلى عروض مسرحية، وهو ما يعكس — بحسب الكتاب — جاذبية السير الشعبية وقدرتها على التواصل مع الجمهور، نظرًا لارتباط أبطالها بالوجدان الجمعي العربي.
ويرتبط هذا العمل بجذور أكاديمية، إذ جاء في سياق بحث أوسع حصل من خلاله المؤلف على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، قبل أن يتطور إلى مشروع مستقل تجاوز حجمه وتفصيلاته الإطار الأكاديمي، ليصل إلى نحو 60 ألف كلمة، مقدّمًا مادة علمية وتوثيقية ثرية.
ويختتم الكتاب بتأكيد أن السير الشعبية لم تفقد حضورها في المسرح العربي، وإنما شهدت في العقود الأخيرة نوعًا من الانتعاش، حيث لا يكاد يخلو عام من أعمال جديدة تستلهم هذا التراث، بما يعكس استمرارية تأثيره وقدرته على مواكبة التحولات الثقافية والاجتماعية.
“معجم المسرح السيري” نفسه مرجع توثيقي وتحليلي مهم، يفتح الباب أمام دراسات جديدة، ويسهم في إعادة الاعتبار للسير الشعبية أحد الركائز الأساسية في تشكيل هوية المسرح العربي.
خالد حماد – الدستور المصرية



