أخبار مسرحية

كيف ننقذ المسرح المصرى من دوامة البيروقراطية؟

وهكذا تتراجع الأولوية للموهبة والاجتهاد، بينما تتقدمها اعتبارات الحضور الاجتماعى والقبول الشخصى والانتماء إلى شبكات النفوذ غير المعلنة، وجماعات المصالح غير المهنية. 

ولا يمكن إلقاء اللوم هنا على الأفراد وحدهم، لأن المشكلة الأساسية تكمن فى النظام الذى أتاح لهذه المعايير المختلة أن تصبح فاعلة، فعندما تغيب القواعد الواضحة والآليات الشفافة، يصبح الباب مفتوحًا أمام الاجتهاد الشخصى، وتتحول القرارات الفنية إلى مساحة للتقدير الفردى، لا إلى نتائج موضوعية تستند إلى الجودة والاستحقاق.

وتتجلى هذه الأزمة بوضوح فى منظومة الإنتاج المسرحى التابعة للدولة، فهذه المنظومة، رغم أهميتها التاريخية والثقافية، تحتاج إلى مراجعة جادة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص، إذ يلاحظ كثيرون أن آليات اختيار المشاريع، والعروض، تكون فى أحيان كثيرة رهينة القرارات الفردية، ما يفتح المجال أمام تكرار الأسماء نفسها، وإقصاء تجارب جديدة تستحق الظهور.

من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى نظام مؤسسى أكثر وضوحًا، يقوم على إعلان سنوى لكل فرقة أو مسرح، وفقًا للهوية الفنية المعلنة واحتياجات موسمه المقبل، مع استقبال مشاريع مسرحية متكاملة لا مجرد نصوص منفصلة، ثم عرضها على لجان أو مكاتب فنية موثوقة تعلن عن نتائجها بشفافية وفى توقيت معلوم، مثل هذا النظام لا يضمن فقط عدالة المنافسة، بل يحمى المديرين أنفسهم من ضغوط العلاقات الشخصية، ويجعل القرار الفنى قرارًا مؤسسيًا يمكن مساءلته وتقييمه.

إلى جانب أزمة الفرص، تبرز أزمة أخرى لا تقل خطورة، وهى اللوائح المالية والتعاقدية التى يعمل فى ظلها الفنانون. فكثير من العقود المطبقة تحتاج إلى مراجعة حقيقية، خاصة ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، فمن غير المنطقى أن تنتقل معظم حقوق العمل إلى الجهة المنتجة لسنوات تمتد لخمس سنوات، بينما لا يُعرض العمل إلا لفترة قصيرة قد لا تتجاوز شهرًا أو موسمًا محدودًا. كما أن الأجور فى حالات كثيرة لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول، ولا مع الظروف الاقتصادية الصعبة التى يعيشها الجميع.

الفنان، فى النهاية، مواطن يواجه أعباء الحياة نفسها التى يواجهها سائر المواطنين، وإذا كانت الدولة تعلن تفهمها للضغوط المعيشية، وتسعى إلى تحسين أوضاع قطاعات مختلفة، فإن من الطبيعى أن يكون الفنانون جزءًا من هذا الاهتمام، لا أن يُنظر إليهم باعتبارهم خارج الحسابات الاقتصادية والاجتماعية. فاستقرار الفنان المادى ليس رفاهية، بل شرط أساسى لاستمرار الإبداع.

لكن أخطر ما أنتجته هذه البيئة غير العادلة هو ما أصاب الفنانين أنفسهم من إحباط، إحباط يصل ببعضهم للموت كمدًا، فالمبدع الذى ينتظر فرصة عادلة لسنوات، ثم يجدها محدودة أو مؤقتة أو غير منصفة، يتآكل داخليًا بمرور الوقت، وحين يشعر أن الجدارة لا تكفى، وأن الطريق مغلق لصالح دوائر ثابتة، يفقد الحافز تدريجيًا، فيتخلى عن مشروعه الإبداعى، وربما يدخل فى طور الاكتئاب، ويتخلى عن الحياة برمتها، وهنا لا نخسر فردًا واحدًا، بل نخسر طاقة إبداعية كان يمكن أن تسهم فى تطوير المسرح كله.

ومع استمرار هذا المناخ وغياب المبدع الحقيقى، ينخفض السقف الجمالى العام، إذ تصبح الأعمال المتوسطة هى النموذج المتكرر ويتم الاحتفاء بها بوصفها إنجازًا، ثم تُستنسخ لاحقًا بوصفها معيارًا جديدًا، فتدخل الحركة المسرحية فى دائرة من إعادة إنتاج المحدود والمتواضع، بينما تتراجع التجارب الطموحة والجريئة.

فى مواجهة هذا الواقع يبرز سؤال النقد ودوره، فالنقد المسرحى لا ينبغى أن يقتصر على قراءة العروض بعد تقديمها، أو مناقشة عناصرها الجمالية فقط، بل يمتد أيضًا إلى مسألة شروط الإنتاج نفسها، ومتابعة السياق الذى يولد فيه العمل الفنى، هذا ما تعلمناه من أجيال نقدية بارزة فى مصر «نهاد صليحة ومنحة البطراوى وحازم شحاتة ومهدى الحسينى ومايسة زكى»، حيث تعلمنا منهم أن الدفاع عن الإبداع الحقيقى جزء من مسئولية الناقد، وأن حماية البيئة الثقافية لا تنفصل عن تحليل النصوص والعروض.

سبق هذا المقال بوست على «فيسبوك» فى الموضوع ذاته لاقى تفاعلًا واسعًا من المسرحيين، ويمكن اعتبار هذا المقال بمثابة دعوة لمبدعى المسرح الجادين لإنقاذ المسرح المصرى، بمناقشة قضاياه على نحو علمى مع الجهات المعنية، «لجنة المسرح- جهات الإنتاج» فى مؤتمر قومى للمسرح يناقش ويضع خارطة طريق.

إن إنقاذ المسرح لا يحتاج إلى شعارات كبرى بقدر ما يحتاج إلى إرادة إصلاح حقيقية: شفافية فى الاختيار، وعدالة فى الفرص، ومراجعة للعقود، وتمكين للكفاءات الشابة، واحترام لدور النقد المستقل، فالمسرح لا ينهض بالمجاملات، ولا يستمر بتدوير الأسماء نفسها، بل يتجدد كلما أُتيحت المساحة لمن يملكون الموهبة والرؤية، فإذا كان الفن مرآة المجتمع، فإن إصلاحه يبدأ من إصلاح الشروط التى تسمح له بأن يرى نفسه بصدق.

رشا عبدالمنعم – الدستور المصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!