أخبار مسرحية

الدراماتورجى طارق سعيد.. المخرج الذى مزج الهوية المصرية بروح التجريب

يمر المسرح المصرى فى السنوات الأخيرة بحالة من التراجع ولن أقول أزمة، حيث توحى تلك الكلمة بأن هناك نقصًا فى الإبداع من حيث توافره «كمًا وكيفًا».

الإبداع متوافر، والخلل الحاصل فى منظومة إدارة الإبداع التى لا ترتبط فقط بتراجع الإمكانات المادية أو تقلص حجم الإنتاج، وإنما تتصل فى جوهرها بخلل أعمق فى منظومة العمل نفسها، وبالبيئة التى يتحرك داخلها الفنانون والمبدعون، فالأزمة لم تعد أزمة عروض أو نصوص أو مواسم مسرحية فحسب، بل أصبحت أزمة معايير وعدالة وفرص، أزمة مناخ عام يدفع كثيرين إلى الإحباط أو الانسحاب بصمت.

برحيل المخرج المسرحى طارق سعيد يفقد المسرح المصرى واحدًا من أبرز صناع التجربة المستقلة الذين امتلكوا رؤية جمالية خاصة، ونجحوا فى المزج بين الحداثة والهوية، فى لحظة كانت الحركة المسرحية المصرية تبحث فيها عن مسارات جديدة خارج الأطر التقليدية.

تخرّج طارق سعيد عام ١٩٨٨، وهى سنة ذات دلالة خاصة فى تاريخ المسرح المصرى، إذ شهدت انطلاق مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، الذى مثّل نافذة واسعة على تيارات المسرح العالمى وأسئلته الجمالية الجديدة، ولم يكن غريبًا أن يتأثر المخرج الشاب بهذا المناخ الثقافى، وأن ينعكس ذلك مبكرًا على اختياراته الفنية، سواء فى نوعية النصوص التى اشتغل عليها، أو فى طرائق معالجتها بصريًا ودراميًا. منذ بداياته انحاز طارق سعيد إلى مسرح يقوم على إعادة اكتشاف النص لا مجرد تقديمه، فأسس فرقة الضوء التى قصد بها تسليط الضوء على المهمشين فى واقعنا الاجتماعى، انعكس ذلك فى كتاباته وفى اختياراته ومعالجاته للنصوص التى عمل عليها إعدادًا وإخراجًا، كان يرى النص مادة حيّة قابلة لإعادة الصياغة والتأويل، لذلك جاءت تجاربه من أوائل التجارب المصرية التى اقتربت من مفهوم الدراماتورج بمعناه الحديث؛ وهو ما أشار إليه الناقد حازم شحاتة فى أحد مقالاته عن فرقة الضوء، حيث لم يكتفِ طارق سعيد بتنفيذ النص، بل كان يعيد بناءه بما يتناسب مع رؤيته الفنية والإخراجية، ومع أسئلة اللحظة الاجتماعية والجمالية.

وقد تميزت هذه التجارب بحساسية لافتة فى الجمع بين حضور قوى للهوية المصرية وبين تقنيات الحداثة المسرحية، ولم يكن التجريب عنده استعراضًا شكليًا أو تقليدًا لمدارس أجنبية، بل وسيلة للبحث عن لغة مسرحية جديدة تنبع من الواقع المصرى وتتحاور مع معطيات العالم فى آن واحد، ولهذا ظلت أعماله محتفظة بخصوصية المتلقى المحلى لكنها أيضًا منفتحة على الإنسان فى كل مكان.

ومن أبرز الأعمال التى رسخت اسمه فى الذاكرة المسرحية مسرحيات «راشمون، وأنصاف السائرين، والعابرون، وفتافيت الماس»، بمشاركة رفيقة دربه الناقدة المسرحية أمانى سمير، فى معظم تلك الأعمال، وهى أعمال كشفت عن مخرج يمتلك وعيًا عميقًا بالبناء الدرامى، وجرأة فى التعامل مع المادة الأدبية، وقدرة على ابتكار صور مسرحية لا تنفصل عن المعنى.

رشا عبدالمنعم – الدستور المصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!