الثقافة خط دفاع معنوي يحمي المجتمع

يمثل التلاحم الوطني ركيزة أساسية في بناء المجتمعات، وتعزيز استقرارها، حيث يتجلى في قوة الروابط بين الأفراد، وترسخ قيم الانتماء والمسؤولية المشتركة. ولا يقتصر هذا التلاحم على الجانب الاجتماعي، بل يمتد ليشمل دور الثقافة والوعي في تشكيل مجتمع متماسك قادر على العمل بروح جماعية. كما تسهم المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية في ترسيخ هذه القيم وتعزيزها عبر نشر الوعي وبناء الثقة.

تقول د. هناء صبحي، أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة السوربون أبوظبي: «في أوقات الحروب والأزمات، يبرز التضامن والتآلف الاجتماعي ركيزة أساسية لصمود المجتمعات، إذ يصبح التماسك بين أفراد المجتمع عاملاً حاسماً في مواجهة المخاطر. كما يعزز الشعور بالمصير المشترك روح التعاون والتكافل، ويجعل الأفراد أكثر استعداداً للتضحية والعمل من أجل الصالح العام».
وترى أن التلاحم الوطني يتشكل من مجموعة عوامل، أهمها: الثقة المتبادلة بين الشعب والقيادة، ووضوح الرؤية الوطنية، إضافة إلى وجود مؤسسات قوية قادرة على إدارة الأزمات بكفاءة. فالتلاحم بين الشعب والقيادة، ينبع من الشفافية والتواصل المباشر، مما يعزز الانتماء ويقوي الإرادة الجماعية في مواجهة التحديات.
وتؤكد د. هناء أن الثقافة الواعية تخلق مجتمعاً متماسكاً، قادراً على الصمود أمام الأزمات، وتحويل التحديات إلى فرص للنهوض والتقدم. كما تلعب المؤسسات الثقافية والتعليمية دوراً مهماً في غرس قيم الحوار والتسامح والانتماء، وتسهم الفنون والآداب في رفع الروح المعنوية وتحويل المعاناة إلى طاقة إيجابية تدعم الصمود.

وأكد الباحث والمحقق في المخطوطات عبد الله السريحي أنه في ظل التحديات الأمنية والإنسانية التي تمر بها المنطقة، تبرز أهمية التلاحم الوطني في الإمارات بوصفه خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات، فالمراحل الصعبة لا تواجَه بالقوة المادية وحدها، بل تواجَه أيضاً بوحدة الصف، وتماسك المجتمع.
ويرى السريحي أن المناعة الوطنية تتشكل من عوامل أساسية عدة، في مقدمتها: الوعي، والانتماء، والانضباط، والمسؤولية المشتركة، إلى جانب ترسيخ قيم التعاون والتكافل، ونبذ الشائعات، والمحافظة على الاستقرار المجتمعي.
وأضاف السريحي: «لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الشدائد والأزمات هي التي تظهر معادن الناس، ومدى صدق مبادئهم، وعمق ولائهم، وهذا ما نلمسه اليوم من تلاحم وترابط بين القيادة والشعب والمقيمين على ثرى هذا الوطن العريق. أما الثقافة، فهي من أهم أدوات الصمود الوطني؛ لأنها تبني الوعي، وتحصن العقول، وترسخ الهوية، وتعزز روح الانتماء والاعتزاز بالوطن».

هوية مشتركة
أوضح د. سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أنه حين تواجه المجتمعات التي تتمتع بهوية مشتركة أزمة، فإنها تستدعي رصيدها من «رأس المال الاجتماعي» المتمثل في قيم التلاحم والتضامن في مواجهة الأزمة، مبيناً أن هذا الرصيد يولد القدرة على الصمود المجتمعي، ويمنح طاقة أكبر على مواجهة الأزمات. كما أن هذا التضامن يحول الشعور الفردي بالخطر إلى شعور بالمصير المشترك.
وأكد د. المصري أن الهوية الوطنية حين تتبنى رواية مشتركة في الذاكرة الجمعية -قوامها الفخر والانتماء – فإنها تسمح لكل فئات المجتمع باستدعاء خبرات الصمود السابقة، حيث يرى الأفراد أنفسهم امتداداً لأسلافهم وأبطالهم الذين ضحوا لبناء أوطانهم. وهذا الاستحضار التاريخي يعزز في نفوس الجميع العزيمة على مواجهة التحديات، ليكونوا قدوة للأجيال القادمة، أسوة بما فعله آباؤهم من أجلهم، مما يقلل من آثار الخوف واليأس، ويقوي الضمير الجمعي على التضحية بيقين الأمل في الانتصار لقيم الحياة.
فاطمة عطفة – الإتحاد



