لطيفة أحرار: أخشى تمرد الذكاء الاصطناعي.. لكن خشبة المسرح ستظل للإنسان

في سياق الدينامية الثقافية والأكاديمية التي يعرفها مجال الفنون الأدائية بالمغرب، وتزايد النقاشات المرتبطة بتحولات الكتابة الدرامية وعلاقتها بالوسائط الحديثة والرقمنة، يبرز الاهتمام بإعادة التفكير في أدوار المسرح والبحث الفني داخل المنظومة الثقافية المعاصرة.
وفي إطار انفتاح المؤسسات الأكاديمية الفنية على قضايا الفكر والإبداع، يحتضن المعهد العالي للفنون المسرحية والتنشيط الثقافي اليوم الخميس وغدا الجمعة، بمسرح إيزاداك بالرباط، ندوة دولية تحت عنوان “الكتابة والفنون والثقافة والمؤتمرات والبيداغوجيا”.
وفي هذا السياق، أجرى حوارا مع لطيفة أحرار التي أكدت أن الكتابة الدرامية تظل، رغم التحولات الرقمية المتسارعة وتنامي حضور الذكاء الاصطناعي، مرتبطة بجوهرها الإنساني القائم على تحويل النص إلى تجربة حية على الخشبة.
كيف تنظرون إلى موقع الكتابة الدرامية اليوم في ظل التحولات الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعي؟
هذا سؤال معقد، لكنه في الوقت نفسه ضروري، ونحن كـممارسين ونظار وباحثين نطرحه باستمرار. وهو سؤال مطروح بقوة داخل هذا النوع من اللقاءات الأكاديمية، حيث إن هذا الملتقى وجد أساسا من أجل الإجابة عن مثل هذه الأسئلة وفتح النقاش أمام مختلف الرؤى.
لدينا فعلا مداخلات مهمة، من بينها متدخل قادم من برلين سيتناول موضوع الذكاء الاصطناعي والإخراج والكتابة المسرحية. فالكتابة المسرحية هي في الأصل نص أدبي، لكنها عندما تنتقل إلى الخشبة تتحول إلى حياة. والسؤال المطروح اليوم هو: ماذا يحدث لهذه الحياة عندما يدخل الذكاء الاصطناعي؟ هل نفقد بذلك شيئا من الإنسانية ومن إدراك المتفرج للشخصيات التي يمكن أن تنتج رقميا؟ أم أن الأمر يمثل ابتكارا يتيح لنا مواكبة زمننا؟
هنا تتعدد المواقف، بين رافض ومؤيد. وهذه هي قيمة مثل هذه الندوات، لأنها تفتح المجال للنقاش والاختلاف وإعادة التفكير، وتسمح بمراجعة الأفكار. وهي أيضا فرصة لكي يندمج المغرب في فضاء البلدان التي تتيح حرية التعبير والتفكير النقدي، حيث لا يكون الفنان مجرد ناقل لما يراه، بل باحثا ومفكرا وأستاذا في الفن، وصاحب مشروع مجتمعي.
والمغرب، كما نلاحظ في مجالات متعددة، يحقق حضورا مهما في مجالات مختلفة، من الطاقات المتجددة إلى الرياضة وغيرها، واليوم، يستقبل في مجال المسرح والفنون مشاركين من خلفيات متعددة، ما يتيح تبادلا معرفيا حقيقيا، حيث نقدم ما لدينا ونستفيد مما لدى الآخرين. وهنا تتشكل قيمة الحوار، ويتعزز حضور المغرب كفضاء للإبداع والتفكير الفني.
ألا تزال الكتابة قادرة على الحفاظ على بعدها الإنساني والجمالي؟
الكتابة، في جوهرها، تظل دائما حاملة للبصمة الإنسانية، حتى الذكاء الاصطناعي نفسه هو من إنتاج الإنسان، ويذلك فهو يحمل جزءا من أثره. لكن، كما في أسطورة بيغماليون، قد يتمرد المخلوق على خالقه في لحظة ما.
شخصيا، أفضل البعد الإنساني المباشر: اللمس، حضور الممثل على الخشبة، حركته، صوته. هذه العناصر تخلق تأثيرا لا يمكن استبداله بسهولة. عندما يقرأ النص فقط دون أداء مسرحي حقيقي، يظل هناك صوت آخر غائب، أما عندما يجسد على الخشبة فإنه يكتسب حياة مختلفة تماما.
المسرح فن حي، قائم على التفاعل المباشر. الممثل يستطيع أن يرتجل، أن يتجاوب، أن يتأثر بالجمهور، لأن أمامه بشرا آخرين. في هذا التفاعل تتولد طاقة خاصة لا يمكن اختزالها.
اليوم، الفنون الحية تتوسع أيضا نحو الأداءات المعاصرة، والفضاءات البصرية، والتجريب، لكنها تظل في النهاية مرتبطة بجوهر واحد: الإنسان.
وهذه المؤسسات الفنية ليست مجرد أماكن للتكوين، بل هي فضاءات لصناعة الحلم، والحلم هنا هو ما يحافظ على الإنسان، ويحميه من العديد من أشكال القسوة والتحول.
الندوة تجمع باحثين وفنانين من دول وتجارب مختلفة، ما الذي يمكن أن يضيفه هذا التنوع الثقافي للنقاش حول الفنون والثقافة المعاصرة؟
هذا السؤال تمت الإشارة إليه بالفعل، لكن يمكن التأكيد على أن هذه التعددية تضيف الكثير. فهي تخلق حوارا حقيقيا، وتعزز إشعاع المؤسسة وإشعاع المغرب على مستوى البحث والإبداع الفني.
هناك تصور شائع يختزل البحث العلمي في المختبرات أو في العلوم الصلبة، لكن الإبداع الفني هو أيضا شكل من أشكال البحث. الفنان ليس مجرد مسل، بل هو يفكر ويعيد مساءلة موقع الإنسان، ويطرح أسئلة حول موقعه داخل العالم.
اليوم، حتى في التحولات الجيوسياسية، أصبح الفنان حاضرا بقوة، لأنه يشتغل على الجغرافيا الرمزية: جغرافيا الكلمة، والحركة، واللون، والانفعال، والحوار.
وعندما يتوقف خطاب السياسة أحيانا، يظل الفن قادرا على فتح الأبواب وإعادة إنتاج المعنى وخلق مساحات جديدة للتواصل بين البشر.
خديجة قدوري – ar.telquel



