إكرام عزوز : حضور يختزن ذاكرة المسرح التونسي

على عتبات الزمن يقف شامخا شموخ الطود الذي لم تجرأ عاتيات الرياح على هزه، بل أن تذرو منه ولو حصيات صغيرة إنه ثابت جذوره صلبة كجلاميد الصخور، متزن في أقواله وأفعاله. إنه رجل أتى من زمن الرياح العاتية استمد قوته منها، لا تثنيه عراقيل ولا مطبات الوحل عن نحت طريق رسمه ليوصله إلى مبتغاه، ولتحقيق أحلام راودته منذ طفولته. هو ذاك الرجل الذي صنع مجده فبدا نجمه ساطعا وضاء لا يعرف للأقوال طريقا هو الممثل “إكرام عزوز “صاحب الشخصية المرحة، الضاحكة والحالمة فهو يعرف أمزجة كل متفرج ليصل إلى قلبه وما يختلج بداخله من مشاعر وأحاسيس وآمال.
لقد تشبع بالمسرح ما جعله يؤدي كل دور يطلب منه فهو مسرح داخل المسرح، يشدك شدا كأنك تتماهى أمام بطل في كوكب لايدرك مداه ولا تعرجاته فهو يشدك ويقيدك تقييدا لا خروج منه…”إكرام عزوز “هو إبن فرقة مدينة تونس إختار المسرح لا متعة بل ليعبر عن قضايا الواقع ولكن بأسلوب كوميدي وفكاهي نجم أضاء الساحة الفنية التونسية، أدى عددا مهما من الأعمال المسرحية والسينيمائية والدرامية كما أجاد أدوار مركبة وشخصيات متنوعة هو عم فرج في سلسلة قداش مني والشخصية التي أحبها الجمهور في سيتكوم شوفلي حل بين المريض النفسي، الضحاك والمقاول وتعامل مع محترفي المسرح كالبشير إدريسي وعزالدين قنون… قام مؤخرا بتصوير عمل فني سيبث في شهر رمضان على إحدى القنوات التلفزية التونسية من بين أعماله : “صيف حلق الوادي” لفريد بوغدير (1995)، “كنز دمشق” (1998)، “موسم الرجال” لمفيدة التلاتلي (2000)، “كان يامكان بدور الأمين نعمان” (2009)، “دار الخلاعة” لأحمد رجب وحاتم بلحاج (2010).
طفولة على عتبات الحلم
لم تكن طفولة “إكرام عزوز ” مجرّد محطة عابرة في الذاكرة بل كانت قصة مكتوبة يدون بها ذكرياته يقول بنبرة هادئة : “الجميل في طفولتي هو الكتاب ” وكأنه يعلن منذ الوهلة الأولى أن الكتاب كان صديقه الأول. في البيت الذي نشأ فيه، كان يحتضن مكتبة كبيرة، هناك بين الرفوف العالية وروائح الورق القديمة. كان “إكرام عزوز ” يتجول بينها باحثا عن ذاته، ذات لا تشبه إلا صوته الداخلي، تلك الهوية التي تنمو في صمت بعيدا عن كل تشابه، كان يجلس في أحد أركان البيت يحتضن بين يديه الصغيرتين قصة “علي بابا والمصباح السحري” أو حكاية “السندباد” وأحيانا يضع القرص المضغوط أمامه، يدفعه الفضول ليتابع تلك الصور المتحركة بعينين بريئتين حالمتين كأنهما تكتشفان شخصية ذلك الطفل الصغير الذي يعيش وحيدا في عالمه الخاص، عالم الخيال والدهشة، حين تتحول الحكايات إلى أبواب مفتوحة على كواكب أخرى لا يراها إلا سواه.
من تلك الخطوات الأولى، أصبح تعلقه بالأدب والفنون شغفا يتجذر في روحه الحالمة، يمضي معها أين ذهبت، ولد وفي قلبه رغبة، رغبة الإصغاء للعالم بنبرة الفن وحده. وما زاد تعلقه بالكتاب ،ذلك التحفيز اليومي من والده له ولإخوته على أن تكون المطالعة عادة لا تفارق والقراءة نافذة مفتوحة على الداخل والخارج، بما هي إصغاء لصوت الروح وتدريب للسان على اللعب مع الكلمات ،حتى تصبح اللغة ريشة يشكل بها “إكرام عزوز ” عالما أرحب… كان طفلا مشاغبا وحالما يعشق التحدي كما يعشق الاكتشاف وحين بلغ الخامسة من عمره غادر أرض قبلي رفقة عائلته إلى العاصمة، تلك الأرض الطيبة التي إحتضنت ذكرياته وصنعت ملامح طفولته يروي ذلك بنبرة يحملها الحنين إلى الماضي : “كل ذكرياتي على الأهل الطيبين، للناس اللي كانت تحب بعضها في دار زغدود كنت نحس إلي البيئة هذيكا صادقة وتلقائية وهذاكا علاش أكن إليهم محبة خاصة”. كانت قبلّي تراقبه من بعيد لتلقي عليه نظرة الوداع كأم تودع إبنها الذي سيعبر أول عتبة، تبعث إليه وصاياها الصامتة أن يحتفظ ببراءته وأن لا ينسى الأرض التي علمته معنى الصدق والبساطة ترسل له من عمق ترابها همسا خفيا” امض…لكن اذكرني دائما…”
من قاعة الدرس إلى خشبة المسرح
درس إكرام عزوز بنهج كتاب الوزير وتربى في ” تربة الباي”، في أجواء تعكس الطابع الثقافي والفني ،حيث يوجد جامع الزيتونة المعمور والمدينة العربي بين أزقتها الضيقة، وأبوابها المزخرفة تعبق من أرجائها رائحة الورد والياسمين.
هناك، في قلب المدينة توجد منازل البايات بأبواب عالية كأنها تحفظ أسرار البايات وتشهد على تاريخ عريق كتب على يد أبطالها، أبطال تركوا أثرا جميلا على هذه الأرض الطيبة… حين كبر “إكرام عزوز ” إلتحق بكلية الحقوق والعلوم السياسية بالمنار، كان يسمع صوتا داخله أن القانون سيكون سوى محطة عابرة وأن المسرح هو البيت الحقيقي الذي يناديه.
فإحترافه المسرح لم يكن قرارا مفاجئا بل هو سيرورة للشغف الذي يسكنه وبالتحديد عندما كان في مرحلة الإبتدائي، حين طلب منه المعلم أن ينجز محاكمة في شكل فني درامي مستوحى من تلك التي كان يقدمها عمر خلفة ومختار حشيشة وهما يعالجان قضايا الواقع من خلال شريط تلفزي يعرض تفاصيل عصابة أولاد الخنادري ومن تلك اللحظة، بقي الشغف يسكن “إكرام عزوز ” يرافقه كظله، حتى حين إلتحق بالصادقية ظلت نار المسرح تشتعل في داخله كأنها قدر ينتظره منذ ولادته…
اللقاء الأول مع الكاميرا
كانت المواجهة بينه وبين الكاميرا يوم خطى فيها أروقة التلفزة التونسية، يحمل في أعماقه رهبة البدايات ودهشة الطفل الصغير، أسند إليه دور في ” سلسلة نوادر وعبر “وهي تحمل مجموعة من القصص العربية القديمة وكانت القصة عن الغلام الذي أسكت الخليفة عمر إبن عبد العزيز من خلال إجاباته الذكية…كانت الكاميرا تراقب إكرام عزوز من بعيد حركاته، ضحكاته، نظراته. شعر من خلالها أن الفنان هو “قدوة ورسالة” كما يقول عزوزالذي يضيف : “لم أكن أجري وراء الشهرة ،بل كنت أجري وراء النجاحات الفنية الحقيقية حتى أمتع نفسي وحتى أقنع نفسي أن إختياري كان صائبا”. شعر أن الفنان ليس مجرد مؤد للدور بل قدوة يقتدى به ورسالة تحمل بكل صدق وأمانة. وأدرك أن سلوك الفنان وأخلاقه خارج خشبة المسرح لاتقل أهمية عما يقدمه عليها من أعمال، وفهم أن إحترام الجمهور هبة لا تمنح اعتباطا بل تكتسب بالانضباط والتواضع وأن الفنان الحقيقي هو من يحفظ جمال هذه المهنة وحب الجمهور له و رغم ما عرفه “إكرام عزوز ” من صعوبات ظل يمشي بخطى ثابتة بين دربين العمل الإداري والعمل المسرحي يقول وهو يستعيد تلك المرحلة : “عشت ثلاث سنوات ونصف مديرا للمسرح البلدي بتونس ولم أنقطع يوما عن التمثيل سواء في المسرح أو السينما وكانت التجربة تتطلب تفرغا على حساب صحتي وكانت متعبة جدا ولا أتمتع فيها حتى بيوم عطلة” ويضيف مبتسما : “لكن الأصداء التي مازالت تذكر عن تلك الفترة كانت إيجابية وأرجو أن أكون قد وفقت في آداء الأمانة.

ويقول “إكرام عزوز إنه “لا يفضل الدخول في مقارنات من قبيل أيهما تختار؟ من الأفضل؟ فلكل فنان نكهته الخاصة وشخصيته المنفردة ولكل شخص إضافته في المجال الفني”. ومن بين المشاهد المؤثرة التي ظلت منقوشة في ذاكرته في عرض مسرحية “يظهرلي وقيت ” في مقرين كان يومها يصطحب إبنه الصغير “فرات” الذي لم يكن تجاوز العامين أو الثلاثة، في المشهد الأخير من المسرحية يسقط “إكرام عزوز “على المسرح متألما يلفظ أنفاسه الأخيرة كما يقتضي الدور وما إن هوى جسده على الخشبة حتى إنطلق إبنه بالصراخ، فزع الصغير من هول المشهد وكأن الخوف والحزن على والده قد إجتمعا في لحظة واحدة، لم يحتمل رؤية والده يموت أمامه ولو أنها موتة من صلب الفن، كانت الصرخة الطفولية البريئة كفيلة بأن تهز القاعة بأكملها لتحولها إلى لحظة لاتنسى.
“إكرام عزوز ” بعيدا عن الأضواء
ذاك الإنسان المتواضع يقف متأملا كأنه يصغي لصوت العالم لا ليجيب عن أسئلته بل ليفهم معانيه، وليتبع النغمة الخفية التي تخرج من أعماقه لا يسمعها إلا هو… يريد أن يفهم وكأن الفهم عنده أسمى من الكلام “إكرام عزوز ” حتى الكلمات تعجز عن وصف بساطته وتواضعه وهدوءه، هدوء ما قبل العاصفة لا خوفا منها بل استعدادا لها، يقف كالجبل صامدا لايتباهى بعلوه وشموخه بل ليعلن نصره الخفي، أن يبقى إنسانا صالحا رغم ما علمته الحياة من دروس وعبر، علمته كيف يقف دون ضجيج وينتصر دون استعراض لا يعرف بإنجازاته لأنه يعلم جيدا أن القوة الحقيقية لا تحتاج إعلانا. يحب الشعر كأن بكلماته يكتب قصائده، تلك الكلمات التي منحته الأمان الذي عجز الواقع عن منحه. يحب الشعر لأن الشعر يشبه روحه الحالمة، يجد نفسه تائها باحثا عن الحلم بعيدا، يقرأ قصائد تميم البرغوثي لا ليتذوقها فقط بل ليحتمي بها من قسوة الحياة، تعلق بالكتب منذ صغره لأنه وجد فيها الأمان حضن دافىء وحنون ورفقة أبدية لا تخون. حين خذله البشر، أنصفته السطور وحين أراد الهروب من ضوضاء الواقع، وجد في القراءة ملجأ لا ليختبأ بل ليعانق تلك الكلمات ويشاركها آلامه. يقول بنبرة هادئة : “لوكنت كتابا لإخترت أن أكون “الأيام لطه حسين “لا مجرد رواية إنما هي علمته أن الإنسان في هذا الوجود ليس مجرّد كائن عابر، بل هو مقاتل في ساحة الوغى، معركة بين ما هو عليه وما يجب أن يكون.

أحب إكرام عزوز الكتب لأنها لا تمنحه أجوبة جاهزة بل علمته كيف يحيا بالسؤال، ومن المسرح إلى الموسيقى يتبع أحاسيسه، على تلك الخشبة التي رافقته منذ صغره ،تعلم أن الفنان يصنعه جمهور راقي وواعي وجميل، ويتقدم بأسمى عبارات الشكر إلى كل من يعترضه ،ليعبر عن محبته الصادقة ، محبة الفنان تلك التي تخرج من الأعماق، وفي عالم الموسيقى، تلك النغمات والكلمات تتراقص وتتلألأ كالنجوم ، تأخذ “إكرام عزوز ” إلي مكان حيث لا نهاية فيسير تائها، ليدرك أن الخيال ليس هروبا بل متعة ،وتحررا من قبضة الواقع، كان يسمع “لوكان الزمان يرجعني لحضنك” للطفي بوشناق كأن تلك الكلمات كتبت لتقول ما عجز عن قوله ،تأخذه بعيدا عن ضجيج العالم إلى مكان يسترجع فيه الذكريات التي لا تمحى. كان “عزوز” يختار الصدق والوفاء ولا يتخلى عن الحب الحب عنده هو أصل الأشياء، تلك اللغة العاطفية التي لم تخنه بل علمته أن المحب يستحق أن يقاتل من أجل محبوبه الحب يشبه تلك الروايات التي قرأها… لا يطلب نهاية سعيدة بل يطلب الصدق والأمان إختزل الحياة في هذه المقولة “إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وإعمل لآخرتك كأنك تموت غدا “.
يعلن عزوز أن الحياة هي في النهاية إمتحان وأن مصير الإنسان الفناء… لقد أدرك أن المهم ليس كيف نعيش، بل أي أثر نتركه خلفنا… هكذا يرى الوجود… وكأنّ بتلك المقولة شاهدة على فهمه للحياة لم تكن مجرّد كلمات تقال بل هي وصية كتبها “إكرام عزوز” ودوّنها في دفتر ذكرياته. وتتواصل رحلة” إكرام عزوز ” بين المسرح والسينما لا سائرا في طريق الفن، بل متمسكا به، تاركا أثرا جميلا وبصمة خالدة في الساحة الفنية التونسية، أعماله فتحت له الأفق في أن يتجول في أنحاء العالم، لم يحصر صوته في لغته الأم بل حرر اللغة من قيودها، فقدم مسرحية “سلفي” في الهند باللغة الإنجليزية وتجول بين الكوت ديفوار وبوركينافاسو ناطقا باللغة الفرنسية…
وهكذا يمضي في طريق خط رحاله ورسم تعرجاته، هو ذاك الإنسان الذي يجمع بين الإصرار والطموح، متخذا من الحب فضيلة ورمزا للوجود، فنان لا يخاطب الجمهور فقط بل يكتب بالمسرح فلسفة الوجود.
إكرام عزوز في سطور
ولد سنة 1963 في قبلي ، هو ممثل مسرحي ومخرج سينمائي وتلفزي ومنتج تونسي شغل منصب مدير المسرح البلدي ومؤسس المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج. إكتسب الخبرة وتطور على يد المسرحي “حمادي المزي””وشوقي الماجري”…إلتحق بفرقة مدينة تونس للتمثيل، في سن الثانية والعشرين من عمره، أين كان أصغر عناصرها بعد فرحات الجديد، ومع بداية الإحتراف سنة 1985 بدأت حكاية هذا الفنان مع المسرح…
إعداد رنيم بولعراس – عربية realites



