أخبار مسرحية

“الوحش” مسرحية مصرية مقتبسة عن “فرانكنشتاين”

الصورة والسينوغرافيا في مشهدية متحركة تجسد واقع التحول

ملخص

قدم المخرج والدراماتورج المصري الشاب محمد عادل النجار مسرحية “الوحش”، المأخوذة عن نص المسرحي البريطاني نيك دير الذي اقتبسه من رواية “فرانكنشتاين” لمواطنته الروائية ماري شيلي، وراهن المخرج على السينوغرافيا واهتم بصناعة الصورة واختار ممثليه بعناية.

(للنشر السبت)اختار المخرج والدراماتورج الشاب محمد عادل النجار مشهداً افتتاحياً يبدو دالاً ومراوغاً في آنٍ، لعرضه المسرحي “الوحش” الذي قدمه مع طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية (أكاديمية الفنون المصرية- وزارة الثقافة) يعد بمثابة عتبة يمكن من خلالها تلقي العرض، ووضع اليد على أزمة الطبيب الشاب فيكتور فرانكنشتاين، إذ يبدأ بمشهد موت أمه على يديه، أثناء إشرافه على عملية ولادتها لأخيه الأصغر.

تموت الأم، لكن فيكتور الذي بدا رافضاً فكرة رحيلها لشدة تعلقه بها، يعدها بأنه سيعيدها إلى الحياة مرة أخرى، ومن هنا يبدأ في اختراع آلته التي تعيد الموتى إلى الحياة مجدداً، وكأنه يطلب من الرب أن يتقاعد ليلعب هو دوره، كما جاء على لسان المحقق في القضية التي اتهم فيها فيكتور بقتل 57 شخصاً.

 ينجح الطبيب الشاب فعلاً في اختراع آلة يمكنه من خلالها تجميع أجزاء الموتى، ليشكل منها إنساناً، لكن هذا الإنسان يخرج مشوهاً على غير ما توقع أو أراد فيعمد إلى حجبه عن الناس، مما يضطر الكائن المشوه إلى الهرب ومواجهة قسوة الحياة ونبذ الآخرين له ونفورهم منه، فيتحول من كائن مسالم وباحث عن الحب والدفء العائلي إلى قاتل.

نص العرض مأخوذ عن مسرحية “فرانكنشتاين” للكاتب البريطاني نيك دير (1955) التي اقتبسها عن الرواية التي تحمل الاسم نفسه، لمواطنته ماري شيلي (1797-1851) تلك الرواية الشهيرة التي تمت معالجتها في أكثر من 100 فيلم ومسرحية حول العالم، وحظيت باهتمام نقدي لافت وبخاصة من قبل النقاد والأكاديميين المعاصرين.

البيئة المصرية

ولعل القارئ للرواية وكذلك نص نيك دير المأخوذ عنها، يدرك أن المخرج الدراماتورج بذل جهداً واضحاً في جعل النص صالحاً للبيئة المصرية، مستبعداً عديد التفاصيل التي ربما لا تخدم رؤيته، حتى طبيعة العلاقات بين الأشخاص أجرى عليها كثيراً من التعديلات، وإن ظل الحدث الأساس موجوداً، وهو نجاح فيكتور فرانكنشتاين في اختراع إنسان، جُمعت أجزاؤه من جثث الموتى التي سرقها من المقابر لكنه جاء مشوهاً ينفر منه كل من يراه، ليتحول هذا الكائن الذي كان طيباً ومسالماً في البداية، إلى وحش يقتل أكثر من 57 شخصاً من بينهم الفتاة التي أحبها ليظل السؤال قائماً من الوحش، هل هو ذلك الكائن الذي تخلى عنه مخترعه وحاول إخفاءه حتى لا يراه أحد، مما اضطره إلى الهرب من مختبره ومواجهة الحياة بقسوتها ولا إنسانيتها بمفرده، أم أنه المخترع نفسه الذي حاول تحدي قوانين الطبيعة وسعى إلى إيقاف الموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية والأخلاقية التي يطرحها العرض.

لا يقدم العرض أية إجابات، وتلك واحدة من مآثره ومآثر الفن عموماً، تاركاً الأمر للمشاهد وبخاصة أن نص العرض يراوح، ولو من طرف خفي، ما بين إدانة الطبيب والتعاطف مع أزمته، ويتجنب بصورة دائمة تلك المونولوغات الوعظية أو الإرشادية التي يمكن أن يندفع إليها شباب ينتمون إلى مجتمع محافظ. كان المخرج واعياً إلى ذلك، مدركاً أنه بصدد عمل فني لا خطبة منبرية.

 بقع ضوئية

يمكن القول إن العرض اعتمد على فكرة البقع المشهدية، بمعنى الانتقالات السريعة الزمانية والمكانية وفقاً للأسلوب السينمائي، فمن غرفة توليد الأم إلى غرفة التحقيق ثم العودة إلى مختبر فرانكنشتاين، ومنها إلى الشارع وبيت الفتاة التي أحبها الكائن المشوه الذي لم يحمل اسماً، ودمج أكثر من لحظة في مشهد واحد، والانتقال من الآني إلى الماضي ثم العودة، وغيرها من المشاهد السريعة التي كانت الإضاءة (تصميم أحمد طارق) أهم عناصر تنفيذها مسرحياً، من خلال خطة محكمة نفذت بدقة تراعي طبيعة المشهد وتتحكم في درجات الألوان، وكذلك التدرج في السطوع والخفوت لتشكل عنصراً درامياً وجمالياً ينهار العرض من دونه، أو في الأقل تبهت صورته وتفقد تأثيرها الوظيفي والجمالي.

سينوغرافيا العرض اكتملت أيضاً من خلال الديكور (تصميم ياسمين هاني) الذي جمع بين الرمزية والتعبيرية، منضدة مستطيلة في منتصف الخشبة وبعض المقاعد وإطار خشبي بمثابة باب للدخول والخروج، وفي الخلفية مستوى على ارتفاع نحو مترين يمثل ما يشبه “سقالات” بناء غير مكتمل، أو حتى بناء مشوه ليحيل بصورة غير مباشرة إلى الكائن الذي اخترعه فيكتور، استخدم هذا المستوى كحديقة أو شارع أو ممرات في المدينة. ديكور ثابت طوال العرض، تتكفل الإضاءة وطبيعة المشهد بإخبارنا أين نحن ومتى.

وعي الممثلين

في مثل هذه العروض التي يقدمها طلاب المعاهد الفنية المتخصصة يكون الرهان الأكبر على الممثل، إذ يكون العرض بمثابة تطبيق عملي على ما اكتسبه الممثل من خبرات ومعارف أتاحتها له دراسته، فضلاً عن موهبته بالتأكيد، والتي من دونها لا يتاح له الالتحاق بمعهد نوعي، وهو ما برز في العرض بصورة واضحة، فعلى رغم بعض الأخطاء اللغوية التي لم يسلم منها غالب الممثلين، جاء التمثيل بصفة عامة كأحد العناصر المهمة والدالة على توفيق المخرج في اختيار عناصره. لعب الممثل سعيد سالمان شخصية الكائن المشوه المنبوذ من المجتمع بدرجة عالية من الوعي وبتدرج محسوب في تطور الشخصية، من كائن لا يعرف كيف يسير ولا كيف يستخدم جسده وجهاز نطقه إلى كائن طبيعي بعيداً من تشوهاته الجسدية، يتكلم ويقرأ ويحب ويقتل، كرد فعل لموقف مجتمعه ومخترعه، والقسوة التي تعرض لها أينما حل، وبذل جهداً بدنياً كبيراً ليبدو مقنعاً كشخص مركب من أجزاء شخوص آخرين، بكل ما يعكسه ذلك من تشوهات حركية وشكلية ونفسية، وكان للمكياج (تصميم نادين أشرف) دوره الواضح في إبراز مدى التشوهات التي يعانيها ذلك الكائن.

ولعب أحمد الرمادي دور المحقق ببنيانه الجسدي القوي وحركته الواثقة وانفعالاته المحسوبة، بصورة جيدة، وكذلك عبدالفتاح الدبركي في دور الرجل الأعمى والد الفتاة التي أحبها كائن فرانكنشتاين بحكمة وسخرية وخفة ظل مكفوفي البصر المعروفة عنهم، ومحمد حسن في دور الطبيب فرانكنشتاين، المتردد بينه ونفسه، هل هو الرب أم الشيطان، وزوجته التي لعبت دورها نادين حسام الدين تلك الزوجة التي كانت تلح عليه لإنجاز اختراعه، متطلعة إلى مكانة أعلى في المجتمع، ثم تخلت عنه أثناء المحاكمة، وحبيبة الكائن المشوه نيللي الشرقاوي الوحيدة التي لم تثنها التشوهات الشكلية عن اكتشاف الجمال الداخلي في ذلك الكائن.

عرض “الوحش” واحد من العروض الممتعة بصرياً وفكرياً، ربما لو اختُزل زمنه قليلاً (العرض استغرق 90 دقيقة) وحرص ممثلوه على العناية أكثر بضبط اللغة لتضاعفت المتعة، وبخاصة أن صناعه من الموهوبين الدارسين، وباستطاعتهم تجاوز مثل هذه المشكلات التي قد تبدو بسيطة وغير مؤثرة، لكنها ليست كذلك.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!