“مرسل إلى” رسالة مسرحية لإنقاذ العالم من الحروب
المخرج المصري محمد فرج استعان بالشباب لطرح أسئلة العصر الشائكة

ملخص
قدم المخرج محمد فرج، على مسرح “السامر” في القاهرة، عرضه المسرحي “مرسل إلى” تأليف طه زغلول، وهو يدور حول المآسي التي تخلفها الحروب، وما تحدثه من دمار وخراب، ليس على مستوى المنشآت وحسب، ولكن على مستوى النفوس كذلك، وهو الأشد أثراً والأكثر إيلاماً.
ما الذي يدفع مجموعة من الشباب، الذين لم يخوضوا أي حرب، ولم تشهد بلادهم حرباً، منذ ولدوا وحتى الآن، إلى معالجة موضوعة الحرب، في عرض مسرحي، ألا يعد ذلك نوعاً من الترف؟
سؤال قد يبدو ساذجاً، بخاصة أن العالم كله يعيش أجواء الحرب، على اختلاف طبيعتها وأطراف الصراع فيها، والدوافع التي تؤدي إليها، وما من أحد لم يتأثر بالحروب الدائرة الآن، سواء اقتصادياً أو اجتماعياً أو نفسياً، كل بحسب علاقته بالحرب، فضلاً عن أن وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تعج، على مدى الساعة، بأخبار الحروب والصراعات هنا وهناك، لذا فمن الطبيعي أن ينشغل الجميع، وليس الشباب وحسب، بمثل هذه القضية التي تلقي بظلالها الثقيلة على العالم أجمع، ويظل الفيصل لطريقة المعالجة الفنية، وكيفية النفاذ إلى عمق المأساة الإنسانية وتجسيد آثارها على خشبة المسرح، وطبيعة السؤال الذي يطرحه هذا العرض أو ذاك.
اختار المخرج الشاب محمد فرج، نصاً لمؤلف شاب أيضاً (طه زغلول) عنوانه “مرسل إلى” وقدمه على مسرح السامر في لقاهرة، مع فرقة السنبلاوين (هيئة قصور الثقافة- وزارة الثقافة) والسنبلاوين مدينة صغيرة تنتمي إلى إحدى قراها، كوكب الشرق أم كلثوم، وتتبع محافظة الدقهلية (120 كيلومتراً شمال شرقي القاهرة).
طفلة وشاب
اللافت في نص العرض، الذي تناول الحرب الفرنسية الألمانية، تركيزه على مأساة صبية ألمانية وشاب فرنسي، وكأنه ذهب إلى موضوع يخص جيل كاتبه، فهذه الفئة العمرية هي أكثر من يتأثر بويلات الحروب ومآسيها، أو كما يقول المثل الشعبي “يعملوها الكبار ويقع فيها الصغار”.
في العرض خطان متوازيان، لكنهما ليسا منفصلين، إذ يكمل كل منهما الآخر، الأول يخص الطفلة الألمانية، التي تركها والدها، العامل في أحد مصانع النسيج، وذهب إلى الحرب، والآخر يخص ذلك الشاب الفرنسي، الذي تم تجنيده في جيش بلاده، من دون أن يعرف سبباً أو جدوى للحرب.
الطفلة يتيمة الأم، تضطر، بعد ذهاب والدها إلى الحرب، إلى العمل في المصنع مكانه، فالكل يجب أن يعمل وينتج، حسب أوامر السلطات العليا، وبعدما كان المصنع مخصصاً لإنتاج الأقمشة، يتحول إلى إنتاج الأسلحة ومعدات الحرب. تكتب الطفلة رسائل إلى والدها ولا تعرف عنواناً ترسلها إليه، فتحتفظ برسائلها لنفسها، يرفض الوالد إطاعة أمر قائده بقتل الأعداء، فينفذ فيه القائد الحكم بالإعدام رمياً بالرصاص.
أما الشاب الفرنسي، الذي تبحث عنه أمه في جميع مواقع القتال، معرضة نفسها لعديد الأخطار، فهو معذب بفكرة الحرب والقتل، ويتساءل دائماً لماذا أنا هنا، وكيف سأعود شخصاً طبيعياً لو خرجت سالماً بجسدي من الحرب، حتى أنه يلتقي جندياً ألمانياً، من رافضي الحرب هو الآخر، فتصير صداقة بينهما، إلا أن هذا الجندي يقتل برصاص الجنود الفرنسيين، فتتضاعف أزمة الشاب الفرنسي ويصاب بما يشبه الهذيان.
تشوهات نفسية
كل المدن مهدمة، وغارقة في الدماء، والمكان الذي كان يجب أن يلعب فيه طفل، تحول إلى ساحة قتال، والبيت الذي كان يجب أن يأوي عائلة، أصبح، أو ما تبقى منه، مأوى للجنود أو مخزناً للأسلحة، أما الدمار الأكبر فقد طال النفوس وأصابها بتشوهات لا علاج لها.
هكذا ركز العرض، لا على المعارك بين المتصارعين، ولكن على أثرها في الضحايا من المدنيين، الذين يدفعون ثمناً فادحاً، بخاصة الأطفال والصبية والعجائز.
يبدأ العرض بالدراما الحركية (تصميم محمد بحيري) تصور الجنود معاً في أجواء المعارك، كتمهيد أولي، على وقع موسيقى أقرب إلى المارشات العسكرية (تأليف زياد هجرس) وأغانٍ حماسية (أشعار محمد أحمد مصطفى) وهو استهلال موفق، بخاصة أن ممثلي العرض جميعهم من الشباب يتمتعون بمرونة عالية في الحركة وقدرة على تجسيد الاستعراض وهم يحملون بنادقهم، ويتصارعون معاً، وفق حركة مرسومة بعناية، وتنفيذ دقيق، من دون أي ارتباك يمكن أن تؤدي إليه كثرة الأعداد، وكونهم ممثلين لا راقصين.
ولأننا في أجواء حرب، مما يعني حركة لا تهدأ، فقد كان مصمم الديكور (محمد طلعت) واعياً إلى طبيعة العرض وما يتطلبه من مرونة في الديكور، فلجأ إلى الديكور المتحرك، مجموعة من البانوهات التي توحي ببيوت متهدمة وخربة، يتم تشكيلها، بواسطة الممثلين، لتجسد، في كل مرة، موقعاً بعينه، بيتاً، ساحة قتال، معسكراً للجنود، قرية، سجناً، سلالم، كل ذلك بواسطة القطع نفسها، التي يعاد تدويرها وتحريكها في ثوان معدودات، مما شكل تحدياً كبيراً وصعباً أمام الممثلين، لكن يبدو أنهم تدربوا طويلاً على تنفيذ الفكرة، شديدة الصعوبة، عاونتهم الإضاءة (تصميم عز حلمي) التي أدت، مع الديكور، الدور الأكبر في بناء دراما العرض وضبط إيقاعه، سواء من حيث مصادر الإسقاط، أو البؤر الضوئية، أو الألوان، التي تراوحت ما بين الأحمر، خلال المعارك، والأصفر، خلال لحظات الشحوب والأسى، والأزرق، خلال لحظات الصفاء والاحتفالات.
الجميع خاسر
ميز مصمم الأزياء (يويو حجازي) ملابس كل فريق بلون مختلف، للتفرقة بين الجنود الألمان والجنود الفرنسيين، وقد أنتج اختلاف الألوان دلالته، وأدى دوراً في صناعة المعنى، ففي بعض المشاهد، سواء الاستعراضات أو المعارك، يتداخل الجنود معاً، ولا نعرف من يقاتل من، بل إنهم يوجهون بنادقهم إلى الجمهور، وهي، في ظني، حيلة جيدة لتأكيد أن الضحية إنسان أولاً وأخيراً، بغض النظر عن جنسيته أو لونه أو ملابسه، فالجميع خاسر في النهاية.
في نهاية العرض يحصد الرصاص غالب الجنود من الجانبين، يبقى فقط الشاب الفرنسي وأمه، والطفلة الألمانية، التي تواصل كتابة رسائلها، وسط الدماء والجثث، لكنها، هذه المرة، تتوجه بها إلى الرب، وكأنه الملاذ الأخير، بعدما فقد البشر عقولهم وأعمتهم أطماعهم، طالبة منه أن يوقف الحرب، التي بسببها ذبلت شجرة عيد الميلاد، على رغم أنها مجرد شجرة مصنوعة من البلاستيك، فما بالنا بالإنسان.
العرض ضم مجموعة كبير من الممثلين، منهم محمود الحسيني وشموع وائل وطلعت حسين ومحمد صبح وعاصم الجوهري وأحمد علاء وطارق المصري ومحمد سليمان ومحمد هاشم وآية أشرف وياسمين عبدالعزيز ونيرة أشرف ومحمد عوض وإسلام عادل وحسين وحيد وجون رؤوف وكيرلس هاني وعمرو رضا وسيد نعمان ومحمد الحارث وعبدالله الحارث.
“مرسل إلى” عرض يعكس موقف الأجيال الجديدة، الرافض للحرب، والمؤمن بعبثيتها ولا جدواها، ويعكس أيضاً يأسهم من ألاعيب الكبار والنافذين وتجار الحروب، فلم يجدوا في النهاية سوى اللجوء إلى الرب، لعلهم ينعمون بسلام طال انتظاره، بعدما ذبلت نفوسهم وشاخت أرواحهم، جراء حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
يسري حسان – إندبندنت عربية



