أخبار مسرحية

أمين عيسى: المسرح بحاجة لـ”لغة الشارع” والتبسيط.. و”عبء النخبوية” والخطاب المعقد وراء العزوف

عاد النقاش حول واقع المسرح المغربي ليطفو من جديد داخل الأوساط الثقافية والفنية، وسط تزايد الأصوات التي تتحدث عن تراجع الإقبال على العروض المسرحية، وضعف الاستثمار في هذا القطاع، مقابل الصعود المتواصل للسينما والمنصات الرقمية.

وبين من يعتبر أن “أبو الفنون” يعيش أزمة حقيقية في المغرب، ومن يرى أن المشكل أعمق من مجرد عزوف الجمهور، تتواصل الأسئلة حول أسباب هذا الوضع، وحول الصورة التي بات المسرح يقدم بها نفسه للناس.

وفي خضم هذا الجدل، برزت مواقف تدعو إلى إعادة النظر في الطريقة التي يُخاطب بها الجمهور، معتبرة أن الأزمة لا ترتبط بالمسرح كفن، بقدر ما ترتبط بالتصورات والخطابات التي أحيط بها خلال السنوات الأخيرة، وهي مواقف ترى أن الخشبة لا تزال قادرة على استقطاب الجمهور وصناعة الفرجة، متى استطاعت استعادة علاقتها المباشرة مع الناس، بعيدا عن التعقيد والانغلاق.

وفي هذا السياق، اعتبر المنتج ومدير المحتوى الرقمي أمين عيسى، أن الحديث المتكرر عن “موت المسرح” أو فقدانه لجاذبيته، يحمل كثيرا من التبسيط، مؤكدا أن المشكل لا يكمن في المسرح نفسه، بل في الصورة التي تم تقديمه بها خلال فترات معينة.

وأوضح أن المسرح، في جوهره، لا يقل حيوية عن السينما، ولا تنقصه القدرة على خلق صناعة ثقافية حقيقية أو جذب الاستثمار، مشيرا إلى أن هذا الفن ظل عبر التاريخ قريبا من الناس، ويخاطب مختلف الفئات الاجتماعية، وليس حكرا على النخب أو المهتمين بالخطابات الفكرية المعقدة.

واستحضر المتحدث نماذج عالمية وتجارب مسرحية ناجحة استطاعت أن تبني علاقة قوية مع الجمهور، موضحا أن أعمال ويليام شكسبير لم تكن موجهة إلى نخبة مغلقة، بل كانت تخاطب عامة الناس والتجار والعمال وكل الباحثين عن المتعة والفكرة في الآن نفسه.

كما أشار أمين عيسى، إلى تجارب عربية ومغربية نجحت في ملء القاعات لأنها تحدثت بلغة الجمهور واقتربت من تفاصيله اليومية.

ومن بين النماذج التي توقف عندها، تجربة مسرحية “نوستالجيا” للمخرج أمين ناسور، معتبرا أنها قدمت مثالا واضحا على إمكانية إعادة بناء العلاقة بين الخشبة والجمهور، من خلال استحضار الذاكرة الجماعية والاشتغال على تفاصيل ومشاعر قريبة من الناس، بعيدًا عن التعقيد المبالغ فيه.

في المقابل، انتقد أمين عيسى ما وصفه بالنزعة التي تقدم المسرح أحيانا باعتباره “فنا فوقيا”، يعتمد على خطاب شديد التعقيد ومصطلحات يصعب على الجمهور العادي التفاعل معها، من قبيل “التفكيك” و”السيميولوجيا” و”الميتافيزيقا”، معتبرا أن الإشكال لا يكمن في العمق أو التجريب، بل في تحويل الغموض إلى معيار للقيمة الفنية.

وأضاف أن هذا التوجه ساهم، بشكل أو بآخر، في خلق صورة ذهنية تجعل المسرح يبدو فضاء مغلقا لا يخص سوى فئة محددة من “العارفين”، وهو ما أدى إلى ابتعاد جزء من الجمهور، خاصة الأجيال الجديدة عن القاعات والعروض المسرحية.

ويرى المتحدث أن هذه الصورة تنعكس أيضا على جانب الاستثمار، موضحا أن المستثمر حين يرى قاعات فارغة وجمهورا غائبا، فإنه لا يهتم كثيرا بالنقاشات الفكرية المرتبطة بالمسرح، بل ينظر إلى النتيجة النهائية، وهو ما يدفعه إلى التراجع عن ضخ الأموال داخل هذا القطاع، لتتشكل بذلك دائرة مغلقة تجمع بين غياب الجمهور وضعف الاستثمار.

كما شدد على أن التنوع الذي تعرفه السينما يجب أن يكون حاضرا أيضا داخل المسرح، موضحا أن وجود المسرح التجريبي أو الفكري لا يعني إقصاء الأشكال الأخرى القريبة من الجمهور، مثل المسرح الشعبي أو الكوميدي أو البصري، متسائلا عن سبب مطالبة المسرح وحده بحمل “عبء النخبوية”، في وقت تُترك فيه السينما مفتوحة على مختلف الأنماط والتجارب.

واعتبر عيسى، في تدوينة عبر حسابه على “فيسبوك”، أن بعض الأصوات التي تهاجم كل محاولة لتبسيط الخطاب المسرحي أو تقريب العروض من الجمهور، تساهم بشكل غير مباشر في تعميق الأزمة، لأنها تكرس فكرة أن المسرح فضاء مغلق لا يمكن دخوله إلا لمن يمتلك مفاتيح خاصة لفهمه.

وأكد أمين عيسى، أن المسرح لم يمت -كما يروج البعض- بل إن الناس ابتعدت عن الصورة التي قُدمت لهم عنه، مضيفا أن عودة الخشبة إلى هموم الناس اليومية وإلى لغتهم البسيطة والقريبة، كفيلة بإعادة الجمهور إلى القاعات من جديد.

وختم المتحدث كلامه بالتأكيد على أن المسرح يستحق أن يُنظر إليه باعتباره صناعة ثقافية حقيقية، وليس مجرد فن يعيش على الهامش أو يعتمد فقط على الإعانات، مشددا على أن الخشبة كانت دائما مرآة للمجتمع وفضاء لإنتاج الحلم والقيمة والجمهور.

زينب شكري – العمق المغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!