أخبار مسرحية

“أنت منذ الأمس” يستوحي انتحار الروائي تيسير سبول

انتصارات مزيفة جرى دمجها مع خاتمة المواطن "عربي"

ملخص

شخصية تنتحر على المسرح فيموت كاتبها، عبارة تلخص حكاية عرض “أنت منذ الأمس” الذي أعده وأخرجه الفنان الأردني عبدالسلام قبيلات عن رواية “أنت منذ اليوم” لمواطنه الأديب تيسير سبول (1939-1973).

يلتقي زمن بطل الرواية مع قصة انتحار كاتبها في الـ 15 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1973، فبعد 20 يوماً على اندلاع حرب أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أطلق الروائي الأردني تيسير سبول النار على رأسه من مسدس.

خاتمة الكاتب الدموية (بكر الزعبي) جاءت احتجاجاً على تزييف انتصارات جرى دمجها ببراعة مع خاتمة بطلها المواطن عربي (ثامر خوالدة)، وكما في العرض مثله في الرواية، جعل الكاتب من شخصيته الرئيسة شاهداً على هزائم متتالية، دافعاً إياها إلى مستويات رمزية لتجسيد خيبات جيل لا يخرج من هزيمة حتى يُمنى بأخرى أشد فتكاً وتدميراً.

وتروي مسرحية “أنت منذ الأمس” أحداثها في مناخ نفسي كثيف للغاية، فمن المقهى الذي تسري فيه شائعة تأليف المواطن عربي لرواية جديدة إلى طاولة الحانة واجتماعات الحزب وبيت العائلة، ومنها إلى الغرف المستأجرة ومكاتب التحقيق ودوائر الاستخبارات، أماكن يتنقل عبرها بطل العرض (مسرح الشمس-عمّان) مجسداً الأيام التي تلت هزيمة حزيران عام 1967، وما أعقبها من محاولات اختراع نصر زائف على الأعداء.

هذا في الإطار العام لسردية العرض، أما إذا دخلنا أكثر إلى عوالم شخصياته فنحن أمام ما يشبه لعبة مونتاج زمنية عالية البراعة، سواء في مواجهة الكاتب مع بطل روايته أو حتى عبر الأدوار النسائية التي أدتها جميعها الفنانة حياة جابر بصورة لافتة، فالأم والعشيقة والمرأة التي تعبر الجسر عند نهر الأردن، كلهن جسدتهن جابر بأسلوب جسدي منه ما هو راقص أيضاً، ولا سيما مع بداية المسرحية التي تتخذ فيه الممثلة دور الراوي الملحمي.

الأب والمحقق

يمر عربي على أحداث عدة، فالأب الذي يسوط نساءه بحزامه الجلدي (مصطفى أبو هنود) هو ذاته المحقق الذي يمثل أمامه بطل العرض في استجواب عن صديقه الشعوبي، وكذلك هو الجنرال الأعور المترع بأوسمة الدم والموت والجماجم، ولا يترك المخرج عبدالسلام قبيلات فراغات تذكر بين لحظة وأخرى من اندلاع الأحداث، فصحيح أن الرواية لا تركن للسرد الخطي وتتخذ من المناخ العام للحروب والهزائم إطاراً عاماً، لكن المعالجة المسرحية أتت أبعد بكثير مما رمت الرواية إليه، فالعنف الممارس على الزوجة هو ذاته الممارس على القطة التي يجري انتزاع رأسها، وهو أيضاً العصفور الذي دلف من أنابيب المدفأة لتجرشه القطة بين أسنانها، وهذا العنف نراه مجسداً في بنية اجتماعية استمرأت الهزائم مثلما استمرأت العنف الأسري، بل قل هو انعكاس صريح ومباشر للمأساة العامة.

يتنقل مخرج “أنت منذ الأمس” بين الأزمنة المختلفة وفق معالجة خفية للضوء، فالأجواء الرمادية تسيطر على مزاج العرض وتدفع الشخصيات بأزيائها الكالحة إلى حتفها وفق حتمية تراجيدية لا فكاك منها، وليس سرداً أدبياً هنا ما يحدث، بل هو المسرحة بكامل لحظاتها الحسية، إذ تعمل الذاكرة الانفعالية للشخصيات على مكاشفة عميقة مع الذات العربية، وتقول حياة جابر ملوحة برواية تيسير سبول بين يديها “أنت منذ اليوم” هي ذاتها “أنت منذ الأمس”، فما أشبه اليوم بالأمس”.

هي ليست محاكمة بقدر ما هي مراجعة لجيل الهزيمة وما كرسته من انكسارات في النفوس، في تداعيات تسوق الكاتب إلى مواجهة حتى مع بطل روايته، فكل شيء يحدث وفق إيحائية عالية لزمن مسرحي يود لو أنه يلخص التاريخ في 90 دقيقة هي زمن العرض، وهذا التكثيف نشاهد عبره شخصية عائشة وهي تصعد إلى غرفة المواطن عربي لمطارحة الغرام، لكن لا شيء يُذهب الكدر من النفس، لا المرأة ولا أنخاب الحانة ولا ثرثرة رفاق الحزب، لتبقى صورة العصفور بين أسنان القطة ماثلة في الذهن، ويبقى العنف متسيداً على أدق تفاصيل الحياة.

الرجولة المهزومة

الأخت والأم والزوجة تحت سوط الرجولة المهزومة، مثلما الكاتب يقع فريسة الإحساس باللاجدوى من الكتابة والحياة والرفقة، وحتى قطع الشوكولاتة التي يقدمها عربون محبة لفتاته لم تعد مرضية، فلقد دخل رجل آخر إلى مخدع المرأة اللعوب وانتزع ذلك الإعجاب بالأديب المنعزل في غرفته العالية، وصور العربات العسكرية المحترقة والجنود العائدين من الحرب صامتين كأن على رؤوسهم الطير، وحتى الأم تظهر في هيئة شبح في مقعد الحافلة، والأب العائد بستة ثقوب من جراء الرصاصات التي تلقاها في جسده، يركن إلى سريره لنقاهة طويلة.

أخيلة ترتسم في صورة كاتب يطبع كلمات نصه إيمائياً على آلة كاتبة، ومجابهات مع محقق يتلوها الإعلان عن انقلاب عسكري في الجوار، وأصوات الطائرات الحربية وصورها المنعكسة على شاشة في عمق المسرح، كل هذا التداعي الحر مع كاتب وبطل رواية يتدفق بسلاسة مع موسيقى (موسى قبيلات) التي لعبت دوراً حاسماً في مساندة درامية عميقة، وكأن الموسيقى هنا لم تكن سوى الممثل الخامس في العرض، فكل نقلة بين المناظر والأزمنة كانت الموسيقى حاضرة في الخلفية، وأحياناً تسود الخشبة وتسوس الشخصيات نحو مصائرها بتلقائية واضحة، وليس تلك النوعية من التعليق الموسيقي على الحدث، بل الموسيقى كانت هنا في صميم البنية الدرامية التي أرادها مخرج “أنت منذ الأمس” معادلة للصراع الدائر بين الشخصيات والظروف المضادة لها.

العنف مُمثلاً في كرباج الأب هو ذاته التأفف من الانتماء لكراسات الحياة الحزبية، وهو أيضاً الهرب من الأيديولوجيات المعلبة كافة، وهكذا تصبح الموسيقى في العرض مادة زمنية بكل معنى الكلمة، فلا مسافة بين ضربات البيانو وتصاعد جوقة من آلات التشيللو المعالجة صوتياً مع مؤثرات أصوات القصف الحربي العنيف وصراخ مذيعي نشرات الأخبار، ويمكننا أيضاً التقاط المهارة في رسم حركة الممثلين في مثل هذه العروض التي تكون ممهورة بقوة بتوقيع الإخراج، فمن الواضح أن هذا الرسم الدقيق للحركة جاء متماهياً مع الموسيقى في لعبة تبادل أدوار صارمة.

ثنائية الكاتب وبطل الرواية وحدها تُحسب لهذا اللعب الحر لكن المدروس مع الممثل، في مواربة صورة الجنرال الدموي مع نماذج واقعية، وإعادة توليف المكان وفق “سينوغرافيا” أرادها المخرج متقشفة إلى أبعد حد في مجسم لجسر احتل عمق الفضاء مع طاولة وكرسيين وسرير، وأغراض من مثل غطاء وحمالة وتمثال لجمجمة تُجر على دواليب، وأشياء الديكور لم تصادر على مساحة الحركة ولم تغلق الفضاء، بل جاء التنويع مع المادة الفيلمية في العمق ليضفي مستويات جمالية تألق عبرها جسد الممثل وحضوره كأبرز علامة من علامات الـ “سينوغراف”، وهذا الفضاء النظيف الذي رويداً رويداً ما سيزدحم بمزق خرائط وقصاصات أوراق وحبات البطاطا المنثورة على أرضية الخشبة، هو ذاته اختيار دقيق لأزياء الممثلين بميلها إلى ألوان ترابية محايدة.

هذه المعادلة البصرية لسردية الرواية “جائزة ‘صحيفة النهار’ عام 1968” تلاقت عناصرها مع درمتة (من الدراما) مقاطع كاملة من الرواية وصولاً إلى خاتمة يقوم بطل الرواية بالانتحار مصوباً مسدساً حربياً إلى رأسه، وطبعاً لا يموت البطل بل كاتب الرواية، وهذه معالجة تكشف كيف أمسى الراوي العليم في النص الروائي بمثابة تنبؤ لمصير تيسير سبول، فالبطل في الرواية لا ينتحر وإنما في العرض المسرحي نشاهده ينتحر، لكن الرصاصة لا تقتل الشخصية بل تردي الكاتب صريعاً في لحظة يجمع فيها عبدالسلام قبيلات بين المصير الحقيقي للكاتب، وبين المواطن عربي الذي يظل يشاهد الأحداث من دون قدرة على التدخل، إذ لا قِبل للروائي بإيقاف بطل الرواية، ولا حتى إنقاذه من فداحة خطأ تراجيدي كان سبباً رئيساً في مصرعه.

سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!