أخبار مسرحية

“الإنسان الرابع”: مسرح توفيق الجبالي في مواجهة العدم

رؤية جمالية تفكك الإنسان والآلة وتستعيد أسئلة الوجود عبر السخرية والشعر والخيال.

توفيق الجبالي تجربة مسرحية تونسية متفردة تستنطق أسئلة الوجود والعدم عبر رؤية جمالية مركبة، يمزج فيها المسرح بالشعر والفلسفة. وها هو يعود إلى الخشبة ليقدم “الإنسان الرابع”، وهو عمل جديد يشتغل فيه على تفكيك الواقع وإعادة تركيبه من خلال السخرية والتخييل، ليقارب تحولات الإنسان المعاصر في مواجهة الآلة والعنف وفقدان المعنى في عالم متغير ومتسارع الإيقاع.

لا تزال التجربة المسرحية للفنان توفيق الجبالي تعانق فرادتها الحيّة، ومتأصلة في طرافة نبوغها. فهو يقتص من التاريخ ثنايا يراها على ركحه، تمتد من نور تفكيره في الإنسان والأشياء نحو أزقة حادة، تُشكّك في بداهة الشر والتطبيع مع أنظمة الجهل وأشكالها المتلونة والمتعددة. فيكون أثره الإبداعي كمطرقة نيتشوية تفجّر كل ممكن، يخلق له إشكالاته، وينحت صورًا غريبة بضوء يحمل شوقه لموسيقى متفردة، لترمم اغتراب الإنسان عن الخير الممكن.

كل فكرة يمتلكها، يقوم برجّها، يزلزل أطياف المسرح ويفككها، ثم يعيد ترتيبها بإيقاعه الذي يستبطنه من روح البلد، ليدعوها إليه في كل مرة بدعوة أنيقة، ملتزمة ببوصلة الفوضى التي تأتي بعد أن ينتهي كل شيء: كل فعل، كل زمن، كل حدث، كل سحابة مرّت على ركام جثث قام بقتلها الإنسان كشكل من أشكال الانتصار على نفسه المعدمة.

مسرح الجبالي من جديد، وفي كل أثر، يحمل من داخله جدله المحض مع التاريخ الخاص جغرافيًا إلى حركة التاريخ من مكانه الركحي المدني إلى مساحات شاسعة يخلقها، رغم عنف التجربة وغربان الطريق والحكاية.

السخرية وكيان الإنسان

يواجه الجبالي من خلال مسرحه كآبة الوجود عن طريق السخرية من العدم. يخلق لها عوالم بديلة بنزعة دون كيشوت وخيال سرفانتاس، حتى يتحصل على لذّة داخلية لطفل في الوجود يريد أن يثأر لفكرة استحالة اللعب بالغيوم، وما يحدث بعد أن ينتهي الجسد وتظل الروح ساكنة حذو أرواح الآخرين: الأبرياء منهم والمهزومون من الأنبياء والشعراء والصعاليك. تمتثل هذه السخرية، التي تحمل في أواصرها المتصوفة، لحالة جدلية لا تلين ولا تهدأ، تشبه حركة أصابعه وهي تتخلل المعنى من أجل امتلاك الهواء الذي يمر دون أن نراه.

تأتي به السخرية كحالة سكينة بعد الجحيم والحرب، لتلمع نجومه أمام الظلمة التي اجتاحت العالم بقدوم الإنسان الأول والثاني والثالث والرابع، مثل تحولات شخصية كافكا إلى حشرة، ومثل سخرية بريشت من الفاشية والنازية، ومثل شارلي شابلن بردائه الواحد وبصمته الغامض. لكنهم يشتركون في السخرية التي تأتي بعد أن ينهار كل شيء، وتتراكم الجثث مرة أخرى تحت ضوء قمر يتوسط سماء رمادية.

هي سخرية من مجانية السفاحين، ومن غيبوبة الجماعة، ومن ظلمة الكهف، ومن تواطؤ فاوست مع الشيطان بغاية الخلود الذي يبتغيه، مثل كل بطل تراجيدي يصارع العدم والحقيقة، إلا وقد خسر بؤبؤ عينيه ونور ثنيته والممكن من فطنته، حتى يتعلم درس القسوة. لتأتي السخرية كحالة فهم تنتهي بالحزن على مدينة فقدت، ولا تزال تفقد في كل يوم، معنى ما حدث وما سيحدث، فيلقى الكل حتفه نحو النهايات الخاطئة.

شاهدت الأثر المسرحي للجبالي “الإنسان الرابع”، بعد اكتساب مرارة في الحلق والمهجة جرّاء الإبادة التي قامت من الإنسان الثالث صحبة الإنسان الرابع، وقيامة السفاحين الجدد التي جعلت من فكرة الفرجة فكرة مقاومة لطعم الملح الذي ينزل من الدموع. لكن فكرة فرجة مسرحية “الإنسان الرابع” غيّرت شيئًا ما في ذلك المذاق.

يحاور الجبالي في هذا الأثر كيانات الإنسان الثابتة في الشر والمتحولة في البداهة، فيغلق الباب منذ البداية ليعلن في كل مرة أنها مسرحية لا تستوعب فصول الإنسان والمسرح والطبيعة، بل هي قيامة فصل واحد يعيد نفسه، يبعثر نفسه، يحاكي نفسه حتى يتغلب على فكرة نهاية الروح.

في مواجهة الإنسان الرابع

بقناع شيخ استحالت عنه الطرق، فحولته الصدفة السياسية داخل المدينة المقفرة إلى سلطان يلقي خطابًا في أول المسرحية، يلقيه الجبالي على المتفرج بصوت غريب ومختلف، ليعلن من خلاله أن الأقدار الخاطئة هي من تختار من يكون ملكًا، وأن المسرح يختار مريديه ببوصلة الجدل الساخر من فكرة الخطاب في حد ذاته. ليحمل الممثل في مسرح الجبالي وفاءه الخاص للحقيقة بمهجة سقراطية أمام سموم السلطة المتوحشة.

نساء أربع، بأقنعة تسمح لهن بتحولات تشبه مسافة القيامة، ليحملن ضوءهن الخاص من خلاص الوجود النسوي داخل الشوارع المظلمة في النهار، في مدينة تسخر وتعبث وتدمر وتقتل فكرة أن توجد امرأة في هذا الكون. لتصبح هذه الأقنعة المسرحية، على وجوههن، القناع المتوحش لأنظمة فاشية، تسخر من حقيقة وجوه النساء حتى لا يتسنى لها أن ترى أرقها ورفضها لطبيعة جسد الإشهار والعلبة الجاهزة، مثلما حدده هربرت ماركوز عندما تحدث عن جسد الإشهار. لكن مسرحية “الإنسان الرابع” هنا واليوم تواجه هذا الخلل باستدعاء أقنعة المسرح ليتم تحويلها إلى لغة تبني رؤية جسد أنهكته جاهزية التصورات التي أقرت أنها حديثة ومعاصرة.

توفيق الجبالي، كحالة مسرحية – شعرية تونسية، يمكن أن نفكر معها، تجعل المتفرج يدور داخل بنية ترتج مقاييسها

تقدم مسرحية “الإنسان الرابع” القناع المسرحي باشتغال جمالي خاص، يمتهن في نفس اللحظة الركحية الدقيقة تحولات الجسد عند كل ممثل مع الأثر الموسيقي، ليس عن طريق المسايرة للمحاكاة على مستوى الإيقاع، بل كانفتاح بوابة للضوء تلتقي فيه الموسيقى كإيقاع نابض لشظايا الفكرة، فيرممها الركح عبر أرواح الممثلين والممثلات.

تقدم الممثلات، حاملات الحقائب (Les porteuses des sacs)، ما حدث داخل لغة المدينة من لعنة الموت المصاحبة لفعل الفقر والجهل المدقع في دائرة العنف الدائرية، ليأتي الوصم الثقافي في وصف المرأة وهي تعبر الشوارع، فتبيح قوانين المدينة اغتصابها ونحرها وغيبتها. ليواجهن في كل مرة، وككل مرة، عبث الحدث بجوار ما أنتجه الإنسان من قدرة خارقة في اكتشاف الآلة الجديدة “الإنسان الرابع”.

على حوض مريح ومتحرك، وفي أفضية ضوئية دقيقة، تتحول الأجساد لتنير عتمة ما حدث، ولتوقظ أطياف الشر القاسية، ولتواجه أجساد الممثلات، حاملات الحقائب، ذكريات مرّت وعبرت المهجة التي اغتالها الذكاء الاصطناعي الجديد. حتى نشهد على الركح حالات قصص الحب بحرارتها الحقيقية وقد تحولت إلى سجون متلاصقة، استوطنت داخلها الآلة وبترت جوانية القلب وهو يستريح من تعب سفر الرحلة. لتسخر مسرحية “الإنسان الرابع” من الحب وقد حمل رداء الآلة الجافة والجارفة التي لا تحمل نبض الحب كأول الحب.

يأتي جحا من مخيلة الطفولة الأولى بردائه وفطنته ليقارع الإنسان الرابع حول ما بقي من مرح في العالم يمكن أن نسترده معه. يتشكل الإنسان الرابع أمامه وأمامنا، لتنزع الخرافة المسرحية إلى شيء من النوستالجيا وهي تواجه عقدة ذنب إنسانية تخلت عن دفء الإنسان ولطفه الخام الذي صاحب تكشفه على مكنونات الغيب بالفن والقصص.

يتساءل معه حول الذاكرة عبر المسرح، باعتباره خزانًا متهاويًا للذاكرة، فيحاول جحا أن يظفر بالخرافة وروحها، لكنه في مواجهة الإنسان الرابع يتحول إلى شظية تائهة، مثل شظايا الرصاص التي سكنت أجساد الأبرياء وذكريات بيوتهم القديمة التي تحمل الدليل عن أوطانهم وأنهم مروا من هناك، مثل مرور مغامرات جحا المرحة ليسكن الذاكرة. فيتحول جحا أمام صناع الآلة وقتلتها وأصحاب قرارها إلى شخصية تراجيدية تناضل من أجل ذكرى وجودها داخل ذاكرتنا الحاضرة الهجينة والفاقدة لآثار التذكر.

أوليس من شأن مأساة جحا أن تُذكي في متفرجها المسرحي حب التصدي لقوى الدمار؟ وإلا كان وجوده كروح للذاكرة عبثًا، ومجهوده باطلًا، فقد صارت القضية قضيته، والمأساة إن صحت مأساته، وعليه أن يقاوم العدم بالفعل الخلاق، مبتكرًا أسئلة خاصة، يبتدعها الجبالي طيلة سنوات وآثار مسرحية حول ماهية اللغة ونهاياتها القصية والقصوية.

بفانوس ديوجين الصغير ونظارات سوداء ورداء أحمر، يواجه الجبالي، في مراوحة بين تاريخه المسرحي والذاتي ومسافة الضوء بينهما، الحكاية التي خلقها خياله من منطلق لقاء بين الآلة والخرافة، بين الزمن القديم وإرثه من الخرافة واللغة والفعل السياسي، ليواجه آلة في شكل إنسان لا تحمل حزنًا أو ابتسامة أو لغة أو قبيلة أو عنوانًا أو ثأرًا، بل برمجة جاهزة تمد كل شيء في أشكال متعددة ومتطورة، تحارب الزمن في نجاعة السرعة والاستهلاك، حتى تبيح للإنسان الكسل القاتم وحالة التوحد الخالصة مع الآلة كل نهار وكل ليل.

ما يميز الأثر المسرحي “الإنسان الرابع”” أنه لا ينضبط لقياس جمالي يحدد هوية الانتماء الهندسي للتصور الإخراجي

كيف تحولت السعادة داخل سوق العرض والطلب إلى برمجة خوارزميات لا تملك روحًا تشكل الحيرة والدهشة كلذة خالصة تخص الإنسان، يغرسها في جلباب زمنه مثلما يغرس الأشجار وينتظر ثمارها وفصولها وفواصلها؟ كيف يستغني الإنسان للإنسان الرابع وله الانتظار ومتعة المجيء عند كل غياب؟

بدأ الإنسان خائفًا، يراقب النجوم وحركة الكواكب والحيوانات المفترسة وآثار أقدام الديناصورات، فازداد خوفه، وحتى يتجاوزه اخترع التعبير في اللغة والفن، فبدأ من الخوف حتى استطاع اختراع الرصاص السريع إلى الجسد والقنابل والمسيرات وأشياء أخرى سيبتكرها من خلال الآلة التي ألبسها ذكاءه، فتحول من فطنة النجوم إلى قيامة القتل الغريب والاغتصاب بعلة البقاء ضد الفناء.

ما يميز الأثر المسرحي “الإنسان الرابع” أنه لا ينضبط لقياس جمالي يحدد هوية الانتماء الهندسي للتصور الإخراجي، بل ينضبط لفكرة قياس السؤال الذي تليه الدهشة من العالم وتحولاته التي راكمها مسرح الجبالي مع جيله من معرفة وبلاغة تتطور من داخل لغتها الخاصة والمبتكرة إلى جيل حديث استبطن هذه المراكمة التي تحمل شكوكها الشعرية المزمنة عند صناعة الأثر.

رغم أن الجبالي تحول في شخصه الإبداعي إلى حالة خلق ركحية مستقلة بذاتها التراجيدية الأخيرة، القلقة والمرحة والمرهقة واللاعبة، في الصور الشاعرة بكل ما يحيطه وما يستقبله وما يرفضه وما يسخر منه كحركة تاريخية استطاعت أن تقطف زهور التجربة رغم خريف العالم الدائم وتخريف الدولة والبلد، لكن ما تراه في “الإنسان الرابع” من مريدين لهذا المسرح-الأثر، ممثلين استطاعوا استيعاب الهواء والنفس والضوء اللامع في أعينهم وهم يواجهون جماد الطاقة الكنائسي داخل المسرح بجغرافيا أجساد مقامرة تلتقي مع الموسيقى كلقاء البحر بالقمر في صيف جنائزي.

حالة شعرية

“ليس الشعر في أن نقول كل شيء، بل هو في أن تحلم النفس بكل شيء” (Sainte-Beuve)

الجبالي، كحالة مسرحية-شعرية تونسية، يمكن أن نفكر معها، تجعل المتفرج يدور داخل بنية ترتج مقاييسها ومعاول تقييمها أمام أسئلته الخاصة به، فلا يمكن أن تحدد مكانًا حذو تجربته، فلا أحد يعرف أسرار نشوئها ولا نكساتها ولا ارتداداتها القصرية في وجه الظلم الذي يعرفه وامتهنه ثم خبره وعرف كيف يبعثره في شكل أشلاء متناثرة، يربطها ويجعلها محاكاة تناسب معيشه المعقد والمتعدد في أكثر من بوابة مفتوحة. فالجبالي ليس متحدثًا باسم المسرح وآثاره ومدارسه فقط، بل ينهل من روح اللحظة التاريخية عندما تكون مجانية إذا ارتبطت بسلطة غاشمة وبهيمة.

“كل ما بالشر يبدأ إنما بالشر ينتهي”، هكذا تحدثت اللايدي مكبث وهي تحدث مكبث، وقد أصبح ملكًا عن طريق تعاويذ الساحرات، وما بينهما يحاكي شكسبير أهوال السلاطين والقصور، ليتحدث الجبالي في أثره “الإنسان الرابع” عن العلة الأولى التي تحاور معها أرسطو وهو يخيط إنشائية الفعل الشعري داخل المدينة، دون أن ينسى ذكر هذه المدينة التي ينتمي إليها الفعل المسرحي كفعل شعري يلهم الجماعة بضرورة التفكير في المسرح من خلال المدينة السياسية والسياسة من خلال الشعر في كتابه “الأخلاق”.

بنزعة دون كيشوت وخيال سرفانتاس طفل في الوجود يريد أن يثأر لفكرة استحالة اللعب بالغيوم

نجد حضور السلطان في “الإنسان الرابع” عندما يرتدي الجبالي قناع الخطاب ويحول صوته إلى أفق جمالي قادم منه ويتحول إليه، ثم ترتدي الشخوص المتشظية أقنعة لتواجه بها صقيع العالم، ليمنح الجبالي مسرحيته ضرورة الحديث عن الإبادة كحالة فاجعة تراجيدية قديمة جديدة، فيواجه بها الإنسان الحالي ويبني اللقاء الجميل والمبتكر بين جحا، صاحب القصة والخرافة والدليل والثنية، وبين من يرتدي شكل الإنسان دون أن تحلم النفس بشيء من الشعر.

“نحب نضحّك النجوم” (أريد أن أضحك النجوم). يلمع الركح وفضاء الفرجة بنجوم مضيئة، ويأتي الجبالي في رداء الرسول المسرحي ليخبرنا ما الذي حدث بعد أن غادر جسده “المنية”، ليرى كروح أخرى ما الذي يمكن فعله وأنت بين النجوم والغيوم بعد غيبة ليست بقصيرة ولا بطويلة، أو ربما مثل الدهر.

حسنًا المسرح ثابت مثل الأشجار والنحل والهواء، اللعبة لم تنتهِ بعد، الحرب لن تنتهي، الإنسان يسقط، والآلة الجديدة ستقتحم أفئدة العالم وتؤذنه بالخراب القادم والشعر لن ينتهي، والموسيقى ستخلد ما حدث بعد أن ينتهي كل شيء كصوت جميل، من عصفور أو من غراب.

ستظل المقاومة تقاوم جليد القادم والعدم وركام جثث من قُتلوا على الهامش الكبير، لا يهم…

سهام عقيل – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!