الابنة تنتحر بمسدس الأب في مسرحية “عمت مساء يا أمي”
نص الكاتبة الأميركية مارشا نورمان في اقتباس مصري يميل إلى النسوية

ملخص
قدمت المخرجة المصرية الشابة نور إسماعيل، العرض المسرحي “تصبحين على خير يا أمي” المأخوذ عن نص الكاتبة الأميركية مارشا نورمان “عمت مساء يا أمي” على مسرح الجزويت في القاهرة. وهو عرض يتناول فكرة الانتحار التي كثر تناولها في المسرح المصري خلال الفترة الأخيرة.
لم تكن مسرحية ” تصبحين على خير يا أمي” الذي قدمته المخرجة الشابة نور إسماعيل على مسرح مركز الجزويت في القاهرة، الوحيد الذي يتناول فكرة الانتحار، فثمة عروض أخرى كثيرة، قدمها الشباب تحديداً، خلال الفترة الأخيرة، تناولت الفكرة نفسها.
صحيح أن الأمر لا يمكن اعتباره ظاهرة في المسرح المصري، ولكن يبدو أنه في سبيله إلى ذلك، ولعله في حاجة ماسة إلى نظرة فاحصة من المتخصصين في الشؤون النفسية والاجتماعية للوقوف على أسبابه، إذ إن ثمة حوادث انتحار عدة شهدها المجتمع المصري خلال الأعوام الأخيرة، بعضها يعود لأسباب اقتصادية، وبعضها الآخر ربما لأسباب نفسية، لا أحد اهتم ببحثها أو تفسيرها حتى الآن، بخاصة على المستوى الرسمي الذي يرى كل شيء جميلاً.
وبعيداً من شيوع الفكرة في المسرح المصري الآن، اعتمدت المخرجة على نص الكاتبة الأميركية مارشا نورمان (1947-) “عمت مساء يا أمي” وهو واحد من أشهر نصوصها، كتبته عام 1983 وعرض في برودواي العام نفسه، ونالت عنه الكاتبة “جائزة بوليتزر”، وتحول إلى فيلم سينمائي عام 1987 سيناريو مارشا نورمان، بطولة سيسي سبايك وآن بانكروفت.
ومارشا نورمان روائية ومسرحية أميركية، لها عدد من المسرحيات المعروفة، من بينها “الحذاء الأحمر” و”اللون البنفسجي” و”جسور مقاطعة ماديسون” و”الحديقة السرية” التي فازت عنها بـ”جائزة توني”، وكذلك “جائزة مكتب الدراما” لأفضل نص مسرحي غنائي.
حوار ثنائي
النص عبارة عن “ديالوغ” مطول بين الأم وابنتها، يدور في غرفة المعيشة ذات مساء، حيث قررت الابنة الانتحار، وحددت منتصف الليل موعداً لذلك. سألت الأم عن مسدس أبيها الراحل، فأرشدتها إليه من دون أن تعرف السبب. ومن خلال الحوار نتعرف إلى ماضي الابنة التي عانت معاملة أبيها القاسية، ولم تكُن علاقتها بأمها في أفضل أحوالها، وأصيبت بالصرع في طفولتها ولم يهتم أحد بعلاجها. وبعد أن تزوجت وأنجبت، أصبح ابنها لصاً، وتم طلاقها من زوجها وعادت لتعيش مضطرة مع أمها. وعندما اكتشفت أنها فشلت في كل مراحل حياتها، تقرر الانتحار بإطلاق النار على رأسها.
تفاصيل كثيرة تتكشف خلال الحوار، فنتعرف من خلالها إلى معاناة الابنة والأم معاً، والدوافع التي أدت بالابنة إلى الانتحار في النهاية، على رغم محاولات الأم المستميتة إثناءها عن فعلتها.
النص، على هذا النحو، ربما يبدو جافاً ومملاً، وهو أمر طبيعي في كثير من النصوص التي تقوم على حوار ثنائي فقط. لكن المسرحة هي التي تكسو هذه العظام لحماً، وتمنحها تلك الجاذبية التي تدفع إلى مشاهدتها والتفاعل معها. هذاعندما يكون الكاتب مدركاً أنه يكتب نصاً للتجسيد على خشبة المسرح، لا نصاً أدبياً للقراءة، ويكون المخرج كذلك بالتبعية.
المخرجة كانت واعية هذا الأمر، فتعاملت مع النص “دراماتورجياً”، وسعت إلى صناعة صورة، سواء من خلال الدراما الحركية (تصميم أحمد مرعي) التي اختزلت كثيراً من الحوار، وكانت معادلاً بصرياً في بعض الأحيان للحدث الدائر، أو من خلال تقديم البطلة بواسطة ثلاث ممثلات، واحدة ناطقة وفاعلة، واثنتان اكتفتا بالتعبير الحركي والإيمائي، كأنهما تجسدان مراحل من سيرة الأولى، كأنهما ظلاها المستتران، وربما عقلها الباطن، وكل التفسيرات مفتوحة ومقبولة.
منظر واحد
استغلت المخرجة طبيعة مسرح الجزويت، وهو قاعة وليس مسرح علبة، بناء قديم رُمم بعد حريق أصابه. وتركته على حاله، ليبدو المنظر المسرحي كئيباً وموحشاً، فلا شيء سوى مقعد للأم ومنضدة صغيرة تُستخدم في أحد المشاهد كمنصة. وسلم خشبي ومجموعة أكياس بلاستيكية سوداء ملقاة في الخلفية، تشير إلى أنها تحمل أغراض السيدتين، وإلى جوارها غسالة مهملة ولا تعمل.
منظر واحد كئيب وموحش، كتعبير دال وواضح على الحال النفسية والاجتماعية للسيدتين، وهناك الإضاءة (تصميم أحمد طارق) التي تقوم بدورها النفسي هي الأخرى، وتعكس التوترات الشديدة للشخصيات أمامنا، إضافة الى الصراع القائم بينها الذي يكشف، بالتدريج، عن حجم المآسي التي مرت بها الأم وابنتها، من خلال البؤر الضوئية و”الكلوزات”، ومصادر الضوء الجانبية وغيرها.
الأم (عالية الحقباني) جسدت هذه الشخصية بوعي شديد وانفعالات محسوبة، وعلى الشعرة، كما يقولون. أم مجروحة، كما يشير تاريخها الشخصي، عانت هي الأخرى قسوة الزوج واضطهاده، مستجيبة لكل مطالبه، نافية ذاتها في مقابل أنانيته وغطرسته. وفي الوقت نفسه تفاجأ بابنتها التي تحملت من أجلها الكثير، على رغم العلاقة المتوترة بينهما، تصر على الانتحار لتتركها وحيدة تتجرع أحزانها وخذلانها.
كانت واعية لطبيعة الشخصية وأزمتها، على مستوى الصوت والحركة واستخدام جسدها، كممثلة محترفة تقبض على الشخصية ببراعة. فكأنها الذات والشخصية، مما بدا واضحاً في أدائها.
كذلك كانت منار عيد، في دور الابنة، وإن احتاجت إلى ترشيد انفعالاتها قليلاً، لكنها ممثلة موهوبة وتتمتع بحضور طيب، وقدرة على الانتقال من حال إلى أخرى بيسر وسهولة.
أما ظلاها (هيام سراج ودميانة مجدي) فهما خامتان طيبتان، اكتفتا بالتعبير الحركي والإيمائي بتوازن دقيق وحركة لينة ورشيقة وتوافق منضبط مع حالات الابنة وتحولاتها.
مشاهد مقحمة
أدخلت المخرجة بعض المشاهد المحلية التي بدت خارجة عن السياق، كمشهد رجل الدين (أدته بصورة كوميدية جيدة عالية الحقباني) الذي يدعو المرأة، بغلاظة، إلى ضرورة طاعة زوجها وتلبية حاجاته الزوجية في أي وقت يطلبها. وهو مشهد قد يكون مجلوباً من العروض النسوية، أو بمعنى أدق، متجاوباً معها في إلحاق كل مشكلة، تتعرض لها المرأة، برجال الدين. نعم هذه النوعية موجودة، وبكثرة، وتمارس غلظتها على النساء صباح مساء. لكن السياق، هنا تحديداً، لا علاقة له برجال الدين، فجذور المشكلة تبدو اجتماعية، لا دينية.
واستعانت المخرجة بشاشة عرض إلى يسار الجمهور، تقدم بعض المشاهد التي لا ترتبط بصورة وثيقة أو واضحة بالأحداث، ربما رغبة منها في تخفيف وطأة العرض وكآبته. ولكن ربما كان من الأفضل، ما دامت هناك شاشة عرض، أن تُستغل في ما يعمق أكثر من موضوع العرض، ويثري صورته، بخاصة أننا لو استغنينا عن الشاشة، فلن نشعر بأي خلل في دراما العرض، أي إنها كانت هنا مجرد حلية لم تؤدِ وظيفة تجعل وجودها مبرراً.
أفصح العرض إجمالاً عن مخرجة شابة تمتلك وعياً وقدرة على إدارة الممثلين وتوظيفهم بصورة جيدة، وقدرة كذلك على قراءة النص بعمق وتجسيده على المسرح في مجموعة من الصور الدالة والمعبرة، واستطاعت أن تبوح على المسرح بما لم تستطِع البوح به خارجه.
وليتها تخلت قليلاً عن “هوس النسوية” الذي ينتاب غالبية المخرجات بسبب أو من دون سبب، فالأزمات في مصر الآن، يعيشها الجميع ولا تفرق بين رجل وامرأة، وقد يقع عبئها الأكبر على الرجل وحده.
يسري حسان – إندبندنت عربية



