أخبار مسرحية

‘الحلم’ التونسي المؤجّل يُشرّح في ‘مطبخ’ الجعايبي

العرض المسرحي يقدّم تقويضا نقديا عميقا لهشاشة المجتمع التونسي وأزمات الهوية والذاكرة من خلال حكايات سكان عمارة تاريخية، مستخدما نبرة الكوميديا السوداء، داخل فضاء يرمز للصراع بين الأحلام الفردية الموءودة وسطوة السلطة المتربصة.

من خلال فضاء “المطبخ” في عمارة عتيقة متهالكة، تضعنا مسرحية “(الـ) حلم… كوميديا سوداء” أمام مواجهة مباشرة مع أسئلة الهوية والذاكرة المهددة، وسلطة الاختراق التي تحوّل الحلم من تطلع إنساني مشروع، إلى تجربة قلقة محاصرة بين قوسين من الشك.

العمل الذي صافح الجمهور لأول مرة في أيام قرطاج المسرحية (الدورة الـ26) ثم تعاقبت دورات العروض فوق خشبة ”قاعة الريو” بالعاصمة التونسية، هو إنتاج ضخم لشركة “فاميليا”، وبتوقيع الثنائي المسرحي الرائد جليلة بكار (تأليفا وأداء) والفاضل الجعايبي (إخراجا). 

على مدار ساعتين وعشرين دقيقة، يُقَدّم العمل تشريحاً سوسيولوجيا ونفسيا حادا لواقع المجتمع التونسي المعاصر، مستقطبا اهتمام الجمهور من مختلف المشارب والأعمار، وفيا للرؤية النقدية الصارمة التي تعوّدها الجمهور في بكار والجعايبي. 

لم يكن عنوان المسرحية مجرد تسمية إجرائية، بل هو المفتاح الفلسفي للعمل؛ فالقوسان المحيطان بألف ولام تعريف كلمة “حلم” قد يكونان ترميزا لهشاشة هذا المفهوم وعدم ثباته، وكأن ”الحلم” تجربة محاصرة بالشكوك وسابحة في عدم الاستقرار. أما النقاط الثلاث التي تليها، فتوحي بانفتاح الأسئلة واستحالة الوصول إلى خاتمة يقينية. ويأتي التوصيف “كوميديا سوداء” ليحدد النبرة الفنية حيث ينبع الضحك هنا من عمق المأساة، مهيئا المشاهد لتقلب مستمر بين السخرية والوجع، في دعوة صريحة للتأمل في انكسارات الفرد والوطن.

عمارة “المورو”: مائة عام من التآكل والصمود

تدور أحداث المسرحية في عمارة “المورو” الكائنة بنهج راضية حداد، وهي مبنى يعود لعام 1925، يختزل قرنا من مواجهة الاستعمار والتحوّلات السياسية. العمارة هنا ليست مجرّد ديكور أو إطار للأحداث، بل هي “استعارة” للوطن المنهك حيث تتقاطع حكايات سكانها لترسم فسيفساء من الإقصاء والهشاشة.

تتمثل العقدة الدرامية في محاولة شركة خاصة الاستحواذ على المبنى لهدمه وبناء عمارة عصرية، لتقف “جميلة” (جليلة بكار) حائط صدٍّ عنيد، معلنةً راديكاليتها في مواجهة سلب الذاكرة والهوية. وفي عمق هذا الصراع، يستفيق السكان على مقتل “جوليات”، اللاجئة من جنوب الصحراء التي كانت تعيش سرا في الطابق السفلي، مما يحول “المطبخ” من حيز يومي إلى فضاء مواجهة جماعية مع سلطة “المحقق” الذي يسعى إلى زرع الشك في الجميع، لا إلى كشف الحقيقة.

الكوميديا السوداء وسلطة المطبخ

اختار الجعايبي وبكار “المطبخ” مسرحاً للأحداث للاقتراب من “عظم المجتمع”؛ فعندما ينفصل اللحم عن الهيكل، تتبدى الحالة الفجة لأناس لم يبقَ لهم إلا القليل للتشبث به. يتحوّل الفضاء المسرحي بعناصره المتهالكة من أبواب ومصابيح متذبذبة إلى مرآة للتوتر الداخلي للشخصيات.

وتتجلى في العرض آليات اختراق السلطة للفضاء الخاص، حيث يصبح المتساكنون محل مراقبة دائمة، الصوت (صوت الرعود والأمطار في الخارج) والإضاءة المتقطعة ولغة الجسد المرتجف، كلها أدوات درامية استخدمها الجعايبي لتكثيف الإحساس بالغربة والانعزال، ولإثبات أن الخراب لم يعد خارجياً فحسب، بل صار بنيوياً يسكن الأفراد.

 

اعتمد نص جليلة بكار على الجمل القصيرة المشحونة رمزياً، كما هو درب نصوصها، تاركا مساحات من الصمت تعكس تردد الشخصيات ومواجهتها لذواتها المجروحة. وقد تجسد هذا النص عبر أداء تمثيلي رفيع:

جليلة بكار: في دوري “جميلة” و”نعيمة”، شكلت القلب النابض للعرض بصوتها المتحدي.

جمال المداني: في دور الحارس “جمال عبد الناصر البيدوني”، جسّد الانحراف الاجتماعي والنرجسية.

محمد شعبان: في دور “باديس” المصاب بالتوحّد، كان رمزاً للانعزال والصراع النفسي.

مريم بن حميدة: في دور الصحافية “بيّة”، جسّدت محاولات توثيق الظلم رغم هشاشة واقعها.

منير الخزري: في دور عامل النظافة “الخنادقي/طاهر”، راقب التفاصيل ليكشف هشاشة المكان.

الفاضل الجعايبي: مسرح النخبة للجميع

يأتي هذا العمل استكمالاً للمسيرة الحافلة للفاضل الجعايبي (مواليد 1945)، أحد أعمدة المسرح العربي المعاصر ومؤسس “المسرح الجديد” وشركة “فاميليا”. الجعايبي، الذي عُرف بتقديم “مسرح النخبة للجميع”، يواصل في “(الـ) حلم” نهجه النقدي الذي بدأه في ثلاثيته الشهيرة (العنف، الخوف، جنون)، حيث يلقي نظرة لا مهادنة فيها على الآمال الزائفة والواقع المنهار بعد عام 2011.

ختاما، ترسم المسرحية ملامح عالم خانق يصعب فيه الحلم، لكنها تقترح في الوقت ذاته أن الأحلام الكامنة تحت “جليز المطابخ” وفي الكتابات الحرة، لا يمكن أن تظل مكتومة للأبد. إنها صرخة فنية تعلي من قيمة الذاكرة الجماعية وحرية التعبير في وجه ماكينة السلطة التي تسعى لتنميط الأفراد وإخضاعهم.

أمل الهذيلي – ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!