ترجمات| «هاملت».. كيف صاغ شكسبير مأساة الوجود الإنسانى فى أعظم دراما انتقامية؟

نما تطوى صفحات التاريخ وتندثر أسماء، يظل «ويليام شكسبير» الاستثناء الذى يرفض الغياب، فبعد أربعة قرون من رحيله، لا يزال صوته يتردد بقوة، ليس فقط فوق خشبات المسارح العالمية، بل فى صميم المناهج الجامعية وفى أدق تحليلات النقاد والمبدعين. هو ليس مجرد «كاتب مسرحى»، بل هو تلك «المعجزة الإبداعية» التى انبثقت من قلب الريف الإنجليزى لتعيد صياغة الوجدان البشرى.

اتفق كبار النقاد والباحثين على تصنيف وليم شكسبير «جراحاً للروح الإنسانية» قبل أن يكون مجرد أديب؛ إذ استطاع على سبر أغوار القلوب واستنطاق مسكوتها فمن صرخات «الملك لير» إلى وسواس «ماكبث»، ومن حيرة «هاملت» إلى غيرة «عطيل» القاتلة، استطاع أن يفك شفرات النفس البشرية بكل تعقيداتها. واليوم، نفتح ملف «الخبير الأول» بالروح الإنسانية، لنكتشف كيف لا يزال إنتاجه الغزير قادراً على إبهار عالمنا المعاصر.
إذا كان شكسبير قد فك شفرات النفس البشرية، فإن تاريخه الشخصى ظل شفرة يصعب حلها، فالحياة التى بدأت قبل أكثر من 400 عام تركت للمؤرخين أوراقاً ناقصة وسجلات مفقودة. نحن لا نعرف يقيناً متى ولد شكسبير، لكن سجلات التعميد فى «ستراتفورد أبون آفون» تخبرنا أنه عمد فى 26 أبريل 1564. هذا الغموض دفع الباحثين لتبنى «فرضية اليوم الثالث»، ليصبح الثالث والعشرون من أبريل هو التاريخ الرمزى لميلاد طفل كان الناجى الأول من بين أشقائه، والموعود بمجد لم تدركه عائلته حينها. كان لديه ثلاثة إخوة أصغر منه: جيلبرت، وريتشارد، وإدموند، وأختان: آن، التى توفيت فى السابعة من عمرها. ليبقى هو الاستثناء الذى صمد فى وجه عاديات الزمن، محولاً غموض بداياته إلى إرث أدبى لا يغيب عنه الضوء.
لم يكن «ويليام» مجرد صدفة عبقرية، بل نشأ فى كنف والد طموح، «جون شكسبير» الذى اقتحم عالم السياسة والأعمال فى ستراتفورد حتى اعتلى كرسى رئاسة البلدية. ورغم العواصف المالية التى ضربت تجارته لاحقاً وأجبرته على الانزواء، إلا أن نجاح ابنه فى لندن كان «طوق النجاة» الذى أعاد للعائلة بريقها. وبفضل مثابرة ويليام، استعادت الأسرة مكانتها الاجتماعية.
بين ضجيج المسارح اللندنية وسكينة الجذور فى «ستراتفورد»، صاغ ويليام شكسبير أسطورته التى لم تنته فصولها بعد. ففى مطلع تسعينيات القرن السادس عشر، شهدت العاصمة البريطانية ميلاد «ماكينة إبداعية» لا تهدأ، حيث بزغ نجمه كأحد مؤسسى فرقة «رجال اللورد تشامبرلين»، مكرساً عبقريته بإنتاج مسرحى غزير بلغ متوسطه عملين سنوياً، ومدشناً مسيرته الشعرية بروائع مثل «فينوس وأدونيس».
بحلول عام 1592، تحول شكسبير إلى القوة المهيمنة على خشبة المسرح فى لندن، وهو النجاح الذى جعله مرمى لنيران النقد والتهجم من قبل منافسه «روبرت جرين». ورغم أن «سيد الكلمة» ظل لسنوات ظلاً خلف فرقته المسرحية، إلا أن عام 1597 شكل نقطة التحول التاريخية، إذ ظهر اسمه صريحاً لأول مرة على أغلفة أعماله، مع صدور «ريتشارد الثانى» والنسخة المنقحة من الأيقونة الخالدة «روميو وجولييت».
لكن خلف الستار، كانت حياة شكسبير الإنسانية مسرحاً لمآسٍ فاقت خياله الدرامى. فبينما كان يراكم الثروة والعقارات فى مسقط رأسه، فُجع فى عام 1596 بوفاة ابنه الوحيد «هامنت» عن عمر ناهز 11 عاماً، هذا الفقد الذى ترك ندبةً لا تُمحى فى وجدانه، جاء ليتوج حياة أسرية بدأت مبكراً بزواجه من آن هاثاواى، التى أنجب منها ابنته الكبرى سوزانا، ثم التوأم هامنت وجوديث، ليظل رحيل الابن جرحاً غائراً خلف ستار عبقريته.
عاش شكسبير ذروة مجده بين العصرين الإليزابيثى واليعقوبى، مانحاً البشرية ذخائر أدبية مثل «تاجر البندقية»، «عطيل»، و«الملك لير». وفى عام 1613، وضع لمساته الأخيرة على مسرحية «النبيلان القريبان»، قبل أن يسدل الستار نهائياً على حياته فى 23 أبريل 1616 بعد صراع مع المرض.
تظل مأساة «هاملت، أمير الدنمارك» هى الرائعة بين الروائع التى ولدتها قريحة شكسبيرالتى خطها بين عامى 1599 و1602، العمل الأطول والأكثر إثارة للجدل فى تاريخ المسرح العالمى. فمن قلب البلاط الدنماركى، نسج شكسبير دراما انتقامية عابرة للعصور، جعلت من «أمير الحزن» رمزاً للصراع الوجودى بين الفعل والتردد، والجنون والتعقل.
لم تكن وفاة ملك الدنمارك المفاجئة مجرد رحيل عابر، بل كانت الشرارة التى أشعلت فتيل واحدة من أعقد المؤامرات فى البلاط الملكى، فبينما كان الأمير «هاملت» يلملم جراح فقد والده، صدم بزواج والدته «جيرترود» من عمه «كلوديوس» الذى اعتلى العرش فى خطوة أثارت الريبة. لكن نقطة التحول الدرامية تجلت فى ظهور «شبح الملك الراحل»، الذى فجر مفاجأة مدوية بكشفه عن تعرضه للاغتيال على يد أخيه، مطالباً ابنه بالثأر وتطهير العرش.
تتجسد الحبكة فى رحلة الأمير «هاملت» الموحشة نحو الثأر من عمه «كلوديوس»، وهى رحلة لم تكن مجرد ملاحقة لقاتل، بل غوصاً فى أعماق النفس البشرية. فمع ظهور «الشبح» منادياً بالعدالة، انفجرت سلسلة من التساؤلات الفلسفية التى رفعت العمل إلى سدة أعظم المسرحيات عالمياً، هل استسلم هاملت لجنونٍ حقيقى، أم تذرع به كستارٍ يحيك من ورائه خيوط انتقامه؟ وهل كان تردده القاتل فى حسم المعركة نتاج عجزٍ فى الإرادة أم إغراقاً فى الحكمة والتدبر؟ هذا الغموض الملحمى هو ما منح المسرحية خلوداً وقابليةً للتأويل فى كل زمان، وصولاً إلى خاتمتها الجنائزية التى أسدلت الستار على ساحة لم ينج فيها أحد من قبضة الموت.
وفى خضم التحقيقات غير المعلنة التى أجراها الأمير، اختلطت الأوراق حينما أبلغت «أوفيليا» والدها المستشار «بولونيوس» عن تصرفات هاملت المريبة، مما دفع الأخير للاعتقاد بأن الأمير سقط فى «جنون الحب»، ناصباً له فخاً باستخدام ابنته كطعم. إلا أن هاملت، بذكاء المناور، استبق الجميع بتدبير «مسرحية داخل المسرحية» تحاكى جريمة القتل، ليرصد رد فعل عمه الذى بدا عليه الارتباك والإدانة، مؤكداً صحة رواية الشبح.
تصاعدت وتيرة الأحداث حين قتل هاملت «بولونيوس» بالخطأ خلف الستار ظناً منه أنه الملك، ليقرر الأخير نفى الأمير فى رحلة كانت تخفى مؤامرة لتصفيته. ومع انتحار «أوفيليا» حزناً، انفجر الموقف بعودة هاملت ومواجهته لـ «ليرتيس» فى مباراة مبارزة مفخخة؛ حيث سمم السيف والنبيذ بإحكام. وفى مشهد ختامى جنائزى، شربت الملكة السم بالخطأ، وقبل أن يلفظ هاملت أنفاسه الأخيرة متأثراً بطعنة السيف المسموم، أجهز على الملك القاتل، ويُسدل الستار على بلاطٍ ملكى غارق فى الدماء،لم يبق فيه ملك ولا وارث، بل صمت يضج بالمأساة.
لوسي عوض – المصري اليوم



