أخبار مسرحية

مأساة التردّد بين سطوة التاريخ وعجز الإرادة في ‘فالنشتاين’

مسرحية فريدريش شيلر تمثّل تحوّلا جذريا في التراجيديا الحديثة، حيث يتشابك صراع النزعة الفردية مع إكراهات الحقبة والسلطة، لتكشف عن بطل تائه بين الحيرة والقدر

لم تأت قراءتي لمسرحية “فالنشتاين” Wallenstein نتيجة اهتمام سابق بالمسرح، لقد سبقتها إليه مصادفة ذات طابع شخصي. كانت تلك أول مسرحية أقرأها في حياتي، وقد جاءتني في لندن هدية يوم ميلادي من زوجتي؛ هي نفسها من اختارت النص، بدافع ميلها الواضح إلى هذا الفن، إذ كانت تقرأ المسرحيات وتحرص على مشاهدة عروضها كلما سنحت لها الفرصة. لم أتعامل مع الكتاب آنذاك بوصفه بداية واعية، لكن تلك اللحظة ظلت مرتبطة ببداية علاقتي بهذا النص تحديدا.

أذكر أنني عندما بدأت قراءته، شدني منذ الصفحات الأولى ذلك التوتر الغريب الذي يحيط بالشخصية الرئيسية؛ ليس توتر الأحداث بقدر ما هو توتر القرار نفسه. كان واضحا لي أنني أمام بطل لا يتحرك لأنه يريد، ولكن لأنه مضطر لأن يختار، أو لأنه عاجز عن الاختيار في اللحظة المناسبة.

يُعدّ هذا العمل المسرحي الذي ألّفه فريدريش شيلر في أواخر القرن الثامن عشر لحظة حاسمة في تاريخ الأدب الألماني، بل وفي مسار تطور التراجيديا الأوروبية ككل.

فعلى الرغم من أن ألمانيا عرفت أشكالا أدبية مهمة منذ العصور الوسطى، فإن الانفجار الحقيقي لعبقريتها لم يتحقق إلا عند تخوم الانتقال من القرن الثامن عشر إلى التاسع عشر، حين ظهر جيل أعاد تعريف وظيفة الأدب ومجاله، من أمثال يوهان فولفغانغ غوته، وهاينريش فون كلايست، ونوفاليس. غير أن شيلر، بخلاف غوته الذي مال إلى العوالم الداخلية والتأملات الوجودية، اختار أن يشتغل على المادة التاريخية الخام، فيحولها شعريا إلى أسئلة تتجاوز حدود زمنها.

ضمن هذا الإطار، لا يمكن قراءة “فالنشتاين” بوصفها مجرد مسرحية تاريخية؛ إنها، في جوهرها، تفكير عميق في معنى السلطة، والخيانة، والقدر، وحدود الإرادة الإنسانية.

غير أن فهم هذا العمل يقتضي استحضار الشخصية التاريخية التي استلهمها شيلر: ألبرخت فون فالنشتاين، القائد البوهيمي الذي وُلد في بيئة بروتستانتية أواخر القرن السادس عشر، قبل أن يتحول إلى الكاثوليكية في زمن كانت فيه أوروبا على شفا انفجار ديني وسياسي كبير.

وقد تجسد هذا الانفجار في حرب الثلاثين عاما، الحرب التي مزقت وسط القارة وأعادت تشكيل توازناتها.

برز فالنشتاين خلال تلك الحرب بوصفه قائدا عسكريا فذا، إذ استخدم ثروته الخاصة لتجهيز جيش يخدم الإمبراطور، وحقق انتصارات لافتة، خصوصا في مواجهته للقائد السويدي غوستاف أدولف. غير أن هذا الصعود حمل في داخله عناصر توتره وسقوطه؛ فالقوة التي راكمها جعلته مثار شك لدى السلطة الإمبراطورية، كما أن اعتماده على النهب في تمويل جيشه أضعف موقعه بين الحلفاء والخصوم معا.

تفتتح المسرحية عند لحظة تردد حاسمة في حياة هذا القائد. فالنشتاين، كما يقدمه شيلر، ليس بطلا تراجيديا تقليديا تسوقه رغبة عمياء في السلطة، إنه شخصية تعيش صراعا داخليا مركبا: هل يبقى وفيا للإمبراطور؟ أم ينقلب عليه؟ هل يتحالف مع السويديين؟ أم ينسحب من المشهد؟ لا يعكس هذا التردد ضعفا بقدر ما يعكس وعيا بواقع تاريخي معقد، لم تعد فيه القرارات تُتخذ بمعزل عن شبكة كثيفة من الضغوط.

هنا تتجلى إحدى أهم إضافات شيلر: نقل التراجيديا من صراع داخلي محض إلى صراع بين الفرد وقوى التاريخ. فالنشتاين لا يتحرك بدافع شر متأصل، وإنما هو أسير ظروفه. لا ينبع طموحه من طبيعة شيطانية، وإنما من إدراكه لإمكانية تاريخية لم تكتمل؛ إنه يرى فراغا في السلطة، لكنه يعجز عن حسم موقفه تجاهه.

في الجزء الأول من المسرحية، يأخذنا شيلر إلى داخل المعسكر، حيث تتكشف بنية الجيش لا ككتلة صماء، ولكن كجماعة بشرية معقدة. الجنود ليسوا مجرد منفذين للأوامر، إنهم أفراد تتنازعهم ولاءات متعددة: للدين، للإمبراطور، وللقائد الذي منحهم موقعا ومعنى. من هنا، تظهر فكرة أساسية: السلطة لا تمارس فقط عبر الأمر، وإنما عبر الإقناع والتأثير في الرأي.

يتأكد هذا المسار في الجزء الثاني، حيث تتصاعد الأزمة. يظهر أوتافيو بيكولوميني وابنه ماكس، وتتشابك العلاقات الشخصية مع الحسابات السياسية. أوتافيو، الذي يبدو حليفا، يتبين أنه يعمل لصالح الإمبراطور، ويتحرك بوعي سياسي حاد، في مقابل تردد فالنشتاين. ومن خلال عمله على كسب ولاء الضباط، ينجح في تقويض سلطة قائده من الداخل.

يكشف هذا التباين عن تصورين للسلطة: أحدهما يقوم على الثقة والولاء، والآخر على الحساب والتدبير. والمفارقة أن من يُنظر إليه كخائن محتمل ليس بالضرورة الأكثر خطورة، وإنما قد يكون الخطر فيمن يتحرك بصمت ويحسن توظيف اللحظة.

أما الجزء الثالث، فهو مسار متسارع نحو النهاية. بعد أن يحسم فالنشتاين خياره متأخرا، يجد نفسه معزولا، وقد فقد جزءا كبيرا من قوته. ومع أنه يحاول النجاة، إلا أن الأحداث تتسارع خارج إرادته، لينتهي مقتولا على يد رجال تابعين لوتر بتلر. لا يأتي موته نتيجة خطأ واحد، وإنما نتيجة تراكم من التردد وسوء التقدير.

غير أن المأساة تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فالنصر الذي يحققه أوتافيو يأتي بثمن شخصي قاس: موت ابنه ماكس، الذي يجسد البعد الإنساني في العمل. وهنا تتحول المسرحية إلى تأمل في الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما تتصادم القيم الشخصية مع ضرورات السياسة.

تقدم “فالنشتاين” في عمقها تصورا حديثا للتراجيديا، حيث لم يعد البطل مركز العالم، وإنما عنصرا ضمن شبكة من القوى الأكبر. وستجد هذه الرؤية صداها لاحقا في شخصيات تاريخية مثل نابليون بونابرت، الذي سيبدو وكأنه يحقق ما كان فالنشتاين يتردد فيه: السيطرة على مجرى التاريخ.

غير أن شيلر لا يمنحنا إجابة نهائية. فهو يترك السؤال مفتوحا: إلى أي حد يملك الإنسان زمام مصيره؟ فالنشتاين، وأوتافيو، وماكس، كلهم يتحركون وفق منطقهم الخاص، وكلهم يدفعون الثمن.

وهكذا، لا تنتهي المسرحية بسقوط رجل، ولكن بسقوط فكرة: فكرة البطل المطلق القادر على التحكم في مصيره. في عالم شيلر، يحل الإنسان المحدود محل البطل الأسطوري، إنسان يتأرجح بين إرادته وضغوط عصره، في زمن لم يعد فيه المجد نتيجة قوة فردية خالصة، وإنما ثمرة توازن هش بين الصدفة والتاريخ والقوى الجماعية.

وليد الأسطل – MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!