أخبار مسرحية

نرمين الحوطي: اللغة تصنع المعنى.. ومسرحية «حفلة على الخازوق» الدليل

خلال مشاركتها بحلقة نقاشية نظّمها مركز الترجمة التابع للأمانة العامة لدول مجلس التعاون

في إطار الاهتمام المتنامي بقضايا اللغة العربية وعلاقتها بالفنون، نظم مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغة العربية التابع للأمانة العامة لدول مجلس التعاون، ومقره في سلطنة عمان، حلقة نقاشية بعنوان «المسرح الخليجي واللغة العربية»، عقدت عبر منصة «زووم» بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمسرحيين من دول الخليج، في جلسة اتسمت بالعمق وتعدد زوايا الطرح.

وافتتحت الحلقة بكلمة ترحيبية ألقاها مدير المركز أ.د.عبدالله بن سيف التوبي، شدد فيها على ضرورة إعادة النظر في موقع اللغة داخل الفعل المسرحي، بوصفها أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية الخليجية، مؤكدا أن هذا النوع من الحوارات يسهم في بناء جسور معرفية بين الممارسة الفنية ومرجعياتها اللغوية، ويعزز من تكاملها.

وشهدت الجلسة مشاركة د. نرمين يوسف الحوطي من الكويت، أستاذ مشارك في قسم النقد والأدب المسرحي بالمعهد العالي للفنون المسرحية، إلى جانب د.محمد بن سيف الحبسي من سلطنة عمان، والكاتب المسرحي د. سمير بن خليفة العريمي، ومن الإمارات خبيرة المسرح المدرسي أ. شريفة موسى المازومي، فيما أدارت النقاش د.سمية بنت سليمان السليماني، في حوار اتسم بتنوع المقاربات وتكامل الرؤى.


في مداخلتها المعنونة «تجليات اللغة العربية في الفضاء المسرحي الخليجي – المسرح الكويتي نموذجا»، قدمت د.نرمين الحوطي قراءة نقدية تتجاوز الطرح الوصفي، لتفكك العلاقة بين اللغة وبنية العرض المسرحي.

وانطلقت من رؤية تعتبر اللغة عنصرا منتجا للمعنى، لا مجرد أداة لنقله، حيث تتحول الكلمة إلى مكون درامي فاعل يسهم في تشكيل الإيقاع، وبناء الشخصيات، وتوجيه عملية التلقي.

وأوضحت أن التعامل مع اللغة في المسرح يجب أن يفهم ضمن سياق جمالي ووظيفي، لا بوصفه خيارا ثنائيا جامدا بين الفصحى والعامية، بل كطيف تعبيري يختار وفق مقتضيات النص والعرض.

وتوقفت الحوطي عند مسألة التعدد اللغوي، معتبرة أن الجمع بين الفصحى والعامية لا ينبغي أن يقرأ بوصفه ساحة صراع، بل بوصفه خيارا جماليا تحكمه وظيفة الخطاب، فالفصحى تمنح النص بعده الرمزي والثقافي، بينما تتيح العامية مساحة أوسع للتواصل المباشر وتعزيز واقعية الشخصيات، غير أن القيمة الحقيقية، بحسب طرحها، تكمن في وعي التوظيف، لا في نوع اللغة بحد ذاته، هذا التوازن، كما تشير، يمكن المسرح من مخاطبة جمهور متنوع دون التفريط في عمقه الثقافي، ويمنح النص قدرة أكبر على التحرك بين مستويات دلالية متعددة.

وفي سياق آخر، تناولت د. نرمين الحوطي ما وصفته بـ«اللغة المراوغة»، مشيرة إلى حضورها اللافت في الأعمال التي تتناول قضايا اجتماعية وسياسية حساسة، حيث يتحول الخطاب المسرحي في هذا النمط إلى بنية دلالية مزدوجة، قائمة على الرمز والتلميح، بما يسمح بتمرير المضامين العميقة دون الوقوع في المباشرة، وترى أن هذا الأسلوب لا يقتصر على كونه حيلة فنية، بل يمثل خيارا جماليا يعزز من ثراء النص، ويفتح المجال أمام تعدد القراءات والتأويلات، بما يمنح المتلقي دورا أكثر فاعلية في إنتاج المعنى.

ومن أبرز ما طرحته الورقة مفهوم «السينوغرافيا اللفظية»، حيث أكدت الحوطي قدرة اللغة على أداء وظيفة بصرية داخل العرض المسرحي، فالكلمة، وفق هذا التصور، لا تكتفي بنقل الحدث، بل تسهم في تشكيل الفضاء المسرحي ذهنيا لدى المتلقي، لتغدو جزءا أصيلا من البنية السينوغرافية، لا عنصرا مكملا لها، مؤكدة أن هذا الطرح يفتح أفقا جديدا لفهم العلاقة بين النص والعرض، ويعيد الاعتبار للغة كأداة تشكيل بصري مواز للعناصر التقليدية كالديكور والإضاءة.

وعلى المستوى التطبيقي، استحضرت الحوطي مسرحية «حفلة على الخازوق» التي عرضت عام ١٩٧٥ بوصفها نموذجا دالا على هذا التوظيف اللغوي. وأوضحت كيف أسهمت العامية في إنتاج خطاب ساخر قائم على المفارقة، يجمع بين بساطة التعبير وعمق الدلالة، فيما حضرت الفصحى في لحظات مفصلية لإضفاء بعد رمزي، بما يعكس توازنا لغويا يخدم البناء الدرامي ويعزز من تأثيره.

وخلصت الورقة إلى أن المسرح الخليجي يواجه تحديا حقيقيا يتمثل في تحقيق توازن لغوي واع، في ظل تعدد اللهجات وتسارع التحولات الثقافية. إلا أن هذا التحدي، في المقابل، يفتح المجال أمام تطوير لغة مسرحية مرنة، قادرة على الجمع بين الخصوصية المحلية والامتداد العربي.

بهذا الطرح، تعيد د.نرمين الحوطي تموضع اللغة في صميم المشروع المسرحي الخليجي، بوصفها رهانا جماليا وفكريا لا يحدد فقط شكل النص، بل يعيد صياغة العلاقة بين المسرح وجمهوره. وتؤكد الحلقة النقاشية، في مجملها، أن مستقبل المسرح الخليجي مرهون بقدرته على ابتكار لغته الخاصة، لغة تنبع من واقعه، وتنفتح في الوقت ذاته على أفق عربي أوسع.

مفرح الشمري – الأنباء الكويتية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!