مسرحية «سباحة بالهوا» تُحوّل معاناة المرأة إلى درس في الصمود
تُضيء على أهمية المساندة في العلاقات الإنسانية

قد يصعب على متابع مسرحية «سباحة بالهوا» أن يلتقط منذ لحظاتها الأولى الخيط الذي يقوده إلى فكّ شيفرة أحداثها. فالمخرجة كارلا بربارة اختارت أن تروي الحكاية عبر طبقات درامية تتصاعد تدريجياً، لتثير فضول الجمهور وتدفعه إلى إعادة تركيب المَشاهد، قبل أن تنكشف الصورة تباعاً، ويدرك الرسالة التي يحملها العمل.
تُعرض المسرحية على خشبة «المونو» في بيروت، وتستمر حتى 2 أغسطس (آب) الحالي، وهي مقتبسة عن قصة حقيقية صاغتها الكاتبة البريطانية شارلوت جونز، وقدّمتها على الخشبة. تدور أحداثها في عشرينات القرن الماضي، وتروي مأساة شابتين طُردتا من منزل العائلة وأودعتا ديراً معزولاً، حيث عاشتا عقاباً قاسياً امتد أكثر من 50 عاماً داخل غرفة واحدة.
ولم يكن ذنبهما سوى تحدّي الأعراف الاجتماعية التي كانت تحصر أدوار المرأة ضمن قوالب صارمة. فقد حملت إحداهما السلاح وأبدت رغبة في الالتحاق بالجيش، في حين لم تتردّد الأخرى في التعبير عن إعجابها برجل. وهي تصرّفات عُدَّت آنذاك خروجاً فاضحاً عن التقاليد السائدة، فكان العقاب سلبهما حريتهما ونفيهما عن العالم لعقود طويلة.

تتقاسم جنى أبي غصن وسالي جابر بطولة «سباحة بالهوا»، وتخوضان مواجهة تمثيلية دقيقة نجحتا من خلالها في أسر انتباه الجمهور منذ اللحظة الأولى. وبأداء احترافي متوازن، رسمتا ملامح صداقة إنسانية نابضة لامست وجدان الحاضرين. ولم تكن الكوميديا التي نسجتاها بين حين وآخر مجرّد استراحة عابرة، بل جاءت متنفَّساً درامياً أضاء عتمة الحكاية، ومنحها نبضاً أكثر دفئاً وإنسانية.
وتكشف مخرجة العمل كارلا بربارة أنّ «سباحة بالهوا» كانت مشروع تخرجها الجامعي، مشيرة إلى أنّ اختيار جنى أبي غصن وسالي جابر لم يكن صدفة، بل جاء عن قناعة بقدرتهما على تقمُّص شخصيتي «ديدي» و«سيسي» بعفوية وصدق، بعيداً عن أي افتعال أو مبالغة. وعن سرّ انجذابها إلى نصّ الكاتبة شارلوت جونز، تقول: «المنتجة المنفّذة لين مبارك هي مَن اقترحت عليّ النص، وما إن قرأته حتى استوقفتني لغته الجميلة وعمقه الإنساني، فوجدت فيه مادة مسرحية تستحق أن تُقدَّم».
ويمتد العرض نحو 75 دقيقة، وهي مدة كان يمكن اختصارها قليلاً بما يمنح العمل إيقاعاً أكثر تماسكاً. وتعلّق بربارة: «بذلنا جهداً كبيراً لاختصار الأحداث، لكن تشعُّب الموضوعات وكثافة التفاصيل حالا دون ذلك. حتى إنّ بطلتَي العمل فضّلتا الحفاظ على هذا البناء السردي، كي لا تفقد المسرحية نبضها الداخلي وما تختزنه من أبعاد إنسانية».
وتستند «سباحة بالهوا» إلى عالم فانتازي يبتعد عن القوالب التقليدية للمسرح الواقعي، فتنسج حبكة تتعمد إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يراه على الخشبة. وفي محطات عدّة، يختلط الواقع بالخيال، فيتهيأ للمُشاهد أنّ الفتاتين تعانيان اضطراباً نفسياً، قبل أن يجد نفسه منقاداً إلى عالمهما الخيالي، فينسجم مع تفاصيله، في لعبة مسرحية ذكية تترك أبواب التأويل مشرعة حتى المشهد الأخير.

ويضيء العمل، في جوهره، على أشكال الظلم التي لا تزال المرأة ترزح تحت وطأتها، كاشفاً أنّ الزمن لم ينجح في محوها بقدر ما غيَّر ملامحها. وتوضح كارلا بربارة: «هذه النقطة تحديداً استوقفتني، رغم أنّ أحداث النص تعود إلى عشرينات القرن الماضي. فكثير من أشكال الظلم التي كانت تعانيها المرأة لا تزال قائمة، لكنها تتخذ أساليب أكثر حداثة وخفاءً». وتضيف: «كما تتناول المسرحية قضية الأحكام المُسبقة التي يطلقها البعض على الآخرين بسهولة، من دون معرفة حقيقتهم. وهي ظاهرة لا تزال حاضرة بقوة في مجتمعاتنا».
لم تكتفِ بربارة بإخراج النص، بل أعادت صياغة زمنه الدرامي بما يتلاءم مع رؤيتها الإخراجية. فبدلاً من أن تمتد أحداثه من العشرينات حتى السبعينات، نقلت خطه الزمني ليواكب مرحلة تمتد حتى عام 2010، في محاولة لردم المسافة بين الحكاية والمتلقي المعاصر. كما اعتمدت معالجة بصرية ذكية في الانتقال بين المحطات الزمنية، فجاءت التحولات سلسة، وتمكن الجمهور من مواكبتها بسهولة.
وتوضح بربارة: «شكّل هذا الجانب تحدّياً حقيقياً، لأنّ الشابتين تمضيان سنوات طويلة في المنفى. ولم أكن أرغب في أن يشعر الجمهور بالرتابة، لذلك لجأت إلى لعبة إضاءة تختصر تلك المراحل. وبموازاتها، لجأت إلى تطوير حركة الممثلتين وأدائهما الجسدي، وهو ما يعكس مرور السنوات وتقدّمهما في العمر، من دون الحاجة إلى شروح مباشرة أو انتقالات تقليدية».
وفي النسخة البريطانية من المسرحية، تستحضر الكاتبة شارلوت جونز الفنانة الراحلة دوريس داي بوصفها رمزاً للنجومية والحلم الذي تتوق إحدى الفتاتين إلى بلوغه. أما في النسخة المحلّية، فقد استبدلت كارلا بربارة هذه المرجعية بالفنانة الراحلة سعاد حسني، لتصبح الصورة التي تتشبث بها «سيسي» وتتمنّى أن تشبهها. وتوضح كارلا بربارة في سياق حديثها: «هذا الخيار يعكس الشعبية الكبيرة التي كانت تحظى بها سعاد حسني في بلادنا العربية. لم أكن أعرفها شخصياً، ولكن عندما اطلعت على سيرتها ومشوارها الفني وجدتها مناسبة كثيراً للعمل. فهي نجمة لا تزال محبوبة من جميع الأجيال، رغم رحيلها عام 2001».
وتُسدل الستارة على مشهد يبرز دفء علاقة الصداقة بين الشابتين، فهي وحدها استطاعت أن تمدّهما بالقوة للصمود طوال هذه السنوات.
فيفيان حداد – الشرق الأوسط



