أخبار مسرحية

“هوما”.. رجل يواجه ماضيه بعد سقوط الأقنعة

سيرين قنون تضع الذكورة والذاكرة والعلاقات الإنسانية في مواجهة مفتوحة، وتحول فضاء العرض إلى مرآة لأزمة رجل يبحث عن نفسه

في فضاء مسرح الهواء الطلق بالحمامات، المنفتح على البحر، كان يمكن لعرض «هوما / Testostérone» أن يتخذ منحى أكثر اتساعًا، غير أن سيرين قنون اختارت أن تنقل إلى الخشبة المفتوحة أجواء الفضاء المغلق، واضعة شخصيتين داخل إطار يضيق تدريجيًا كلما اتسعت مساحة الكلام.

في سهرة الاثنين 10 أغسطس 2026، وضمن الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، وجد المتفرج نفسه أمام رجلين في مواجهة متواصلة، تتلاحق بينهما الأسئلة والاتهامات والذكريات والصمت وانفجارات الغضب، داخل فضاء لا يقدم نفسه منذ البداية بشكل واضح. ومع تقدم أحداث العرض، تتكسر الحدود بين الماضي والحاضر، وتتلاشى الحدود بين ما يحدث فعلًا وما تستحضره الذاكرة.

مواجهة متوترة

تدور أحداث المسرحية، التي تمتد على مدى 60 دقيقة، في فضاء مغلق، حيث يجد رجل نفسه في مواجهة شخص آخر يطرح عليه أسئلة تبدو في البداية عادية، قبل أن تقوده تدريجيًا إلى مناطق أكثر اضطرابًا في ذاكرته.

وتتوالى استعادة الماضي وتتداخل صوره بالحاضر، لتتجلى تباعًا علاقات وأحداث تركت آثارها في حياته.

الرجل لا يظهر في المسرحية باعتباره صورة مكتملة للقوة، وإنما باعتباره كائنًا يتعب من الدور الذي طُلب منه أن يؤديه

ومسرحية «هوما»، من إنتاج مسرح الحمراء، هي عمل تجريبي من إخراج سيرين قنون، وقد شاركها حمدي حدة كتابة النص، فيما يؤديه الثنائي بحري الرحالي وعبدالمنعم شويات. وتتنزل هذه التجربة المسرحية الجديدة ضمن مسار اشتغلت فيه المخرجة، على امتداد أكثر من 27 سنة في المسرح التونسي، على قضايا الإنسان والعلاقات الاجتماعية والأسئلة الجندرية، وهي التي تدير مسرح الحمراء والمركز العربي الإفريقي للتكوين والبحوث المسرحية بعد وفاة والدها عز الدين قنون سنة 2015.

تضع المسرحية الذكورية في مركز البحث، لكن الرجل هنا لا يظهر باعتباره صورة مكتملة للقوة، وإنما باعتباره كائنًا يتعب من الدور الذي طُلب منه أن يؤديه. تعود الشخصية إلى علاقاتها بأم متسلطة، وأب غائب أو مستسلم، وإلى زوجة وامرأة اسمها فريدة ارتبطت بحكاية حمل وهروب وذنب. وتتراكم هذه الوقائع حتى يبدو الحاضر نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات المؤجلة والمخاوف التي لم تجد طريقها إلى المواجهة.

ولهذا تبدو المرأة غائبة جسديًا عن الركح، وحاضرة في كل مكان آخر، ممثلة في الأم والزوجة وفريدة والمجتمع الذي يشكل صورة الرجل، وهي كلها عناصر تحرك الصراع.

وتعتمد الرؤية الإخراجية على اقتصاد في الديكور، لكنه جاء متعدد الدلالات والمقاصد، فالفضاء يتحول تدريجيًا إلى مساحة نفسية، فيما ترسم العناصر الهندسية والأثاث حدودًا لحركة الشخصيتين. وتكتسب هذه السينوغرافيا معنى خاصًا في مسرح الحمامات، بما أن العرض صُمم أصلًا للقاعات المغلقة. وقد تطلب تقديمه في الهواء الطلق إعادة معالجة الإضاءة والصوت والمؤثرات، مع مراعاة طبيعة المكان. ورغم ذلك، لم يبدد الفضاء المفتوح فكرة الاختناق التي تعيشها شخصية الرجل.

ومن أكثر المشاهد دلالة في العرض ذلك الذي تستحضر فيه المخرجة عالم الـ«ويسترن» و«الكوبوي»، ولعل هذه الرؤية الإخراجية تنطلق بالأساس من صورة «الكوبوي» بوصفه نموذجًا للرجولة والقوة والفتوة في المخيال الجماعي. كما تظهر لوحة زيتية تحمل ملامح هذا العالم، ثم تتوسع الصورة عبر الإسقاطات الضوئية والفيديو، فتبدو كأنها تخرج من إطارها وتتحول إلى فضاء حي.

ويبلغ هذا المشهد ذروته في لحظة تبلغ فيها المواجهة بين المريض والمعالج أقصى درجات التوتر، أثناء التنويم المغناطيسي، حيث يوظف المريض هذا العالم المتخيل للهروب من أسئلة تنبش علاقاته وماضيه. ومع اشتداد الضغط، تتحول الرغبة المكبوتة في التخلص من المعالج إلى مبارزة على طريقة أفلام «الويسترن». ولعل المخرجة أرادت توظيف هذا المشهد للتعبير عن صورة الرجل الذي يحل مشاكله بالقوة، فيما تكشف المسرحية أن الشخصية عاجزة عن حل أزماتها الداخلية بالطريقة نفسها.

نوع آخر من الذاكرة

تتلاعب مسرحية «هوما» بالزمن، ذلك أنها لا تسير في خط زمني مستقيم، إذ يتسلل الماضي إلى الحاضر، ويتداخل الواقع مع الوهم، فيما يتحول الحوار إلى مواجهة مع الذاكرة. وقد منحت السخرية السوداء هذه المواجهة إيقاعًا مختلفًا، حيث تحولت بعض لحظات العجز والخوف إلى مواقف مثيرة للضحك، مثل مقارنة الشخصية نفسها بعباقرة حققوا إنجازات في سن مبكرة، أو استعادة رغبات طفولية بسيطة ظلت مؤجلة.

وفي النهاية، يعيد العرض ترتيب اللعبة كلها. ويتضح أن المواجهة التي بدت وكأنها امتدت لسنوات لم تستغرق في الواقع سوى ساعة واحدة، من الرابعة إلى الخامسة مساء، داخل عيادة، خلال جلسة تنويم مغناطيسي لمساعدة المريض على الإقلاع عن التدخين.

وفي الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، تحت شعار «ذاكرة تعيش»، جاءت المسرحية لتشتغل على نوع آخر من الذاكرة، هي ذاكرة الرجل التي تحمل آثار الأسرة والطفولة والعلاقات الأسرية والعاطفية والخيارات المؤجلة. ولذلك تترك «هوما» جمهورها أمام سؤال بسيط في ظاهره: ماذا يحدث للرجل عندما تسقط عنه الصورة التي اعتاد أن يقدمها للآخرين؟ لتأتي الإجابة على امتداد العرض، إلى أن يجد الرجل نفسه وحيدًا أمام القناع الذي صنعه لنفسه.

خشبة مسرح الحمامات

في الندوة الصحفية التي تلت العرض، اعتبرت سيرين قنون أن تقديم «هوما» في مهرجان الحمامات يمثل محطة مهمة في مسار العمل، خاصة أن مسرح الحمراء يقوم على فكرة تكييف العروض مع الفضاءات المختلفة. وبينت أن نقل المسرحية من القاعة المغلقة إلى خشبة الحمامات المفتوحة فرض تحديات تقنية وفنية تتعلق بالإضاءة والسينوغرافيا والصوت ورطوبة البحر وحرارة الطقس.

وأشارت إلى أن العرض مر بمرحلة طويلة من التمارين والاستكشاف، وأن فريق العمل كان حريصًا على بلوغ أكبر قدر من الدقة في الأداء.

من جانبه، تحدث بحري الرحالي عن خصوصية مسرح الحمامات بالنسبة إلى الممثل، معتبرًا أن المرور بهذه الخشبة يمثل محطة مهمة في مسيرة أي فنان مسرحي. وأشار إلى العلاقة الخاصة التي تتشكل بين الممثل والجمهور في هذا الفضاء، حيث يشعر الفنان بقرب المتفرجين وتفاعلهم المباشر معه. كما اعتبر أن مسرح الحمامات يمنح الممثل إحساسًا مختلفًا بالطاقة المسرحية، لافتًا إلى أن تجربته في العرض كانت مختلفة عن تجاربه السابقة على نفس الخشبة.

أما الممثل عبدالمنعم شويات، فقد ركز في مداخلته على الجانب الإنساني والتقني في تجربة العرض، مشيدًا خصوصًا بالجهود التي تبذل في الكواليس، وبالشباب العامل في مهرجان الحمامات، وبالفريق التقني الذي وفر ظروفًا ساعدت الفنانين على التركيز في عملهم وتقديم العرض.

واتفق الممثلان، في حديثهما عن الوقوف على خشبة الحمامات، على أن الفضاء يفرض طاقة تمثيلية مختلفة بسبب طبيعته المفتوحة، وحجم الجمهور، وعلاقة الممثل المباشرة بالمتفرجين.

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!