أخبار مسرحية

“معجم المسرح السيري” يرصد تجليات التقاليد الشعبية

ملخص

لا شك في أن كتاب “معجم المسرح السيري: ببليوغرافيا شارحة لتجليات السير الشعبية في المسرح” للباحث المصري عبدالكريم الحجراوي، يعد إضافة للمكتبة العربية، ليس في دراسات المسرح فحسب، بل وكذلك في دراسات الأدب الشعبي والبحوث الببليوغرافية.

المعجم الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يغطي فترة 175 عاماً، تبدأ من عام 1847، وهو العام الذي يرى الحجراوي أنه شهد تأسيس المسرح بخصوصيته العربية على يد مارون النقاش. ومنذ ذلك الحين، ظل يبحث عن تفرده وما يميزه ويجعله مناسباً للذوق العربي، عبر الاعتماد على ثيمات رئيسة يمكن حصرها في ثلاثة محاور.

المحور الأول: النهل من حكايات ألف ليلة وليلة، والسير الشعبية، وحكايات الأراجوز وخيال الظل… . المحور الثاني: الاعتماد على التاريخ، عبر الاتكاء مثلاً على نصوص تناولت سيرة أخناتون وأحمس ورمسيس وغيرهم من رموز الحضارة المصرية، وكذلك نصوص امتدت لحضارات العراق القديمة الأشورية والأكادية والبابلية وملحمة غلغامش وغيرها. المحور الثالث: التعريب بالاقتباس من النصوص الغربية، لكن مع صبغها بنكهة عربية، كما فعل مارون النقاش في نصه الأول “البخيل” الذي استوحاه من نص موليير، وما فعله محمد عثمان جلال مع مسرحيات موليير وراسين التي نقلها بالزجل المصري.

ولاحظ الحجراوي أن كل النصوص المأخوذة من المسرحيات الغربية مع بداية نشأة المسرح العربي، حرص مؤلفوها على تضمينها ما يقربها إلى الجمهور العربي، “وظل هذا هو لشغل الشاغل للمسرحيين العرب الأوائل ومن ساروا على الدرب من بعدهم وحتى الآن”.

استلهام السير الشعبية

يقول الحجراوي إنه حاول خلال خمس سنوات من الجهد البحثي، جمع كل شاردة وواردة عن النصوص المسرحية التي استلهمت شخوص السير الشعبية. وهو اتبع في ذلك منهجاً خاصاً في طريقة تدوين هذه النصوص، بداية بذكر اسم المؤلف مقروناً بقائمة أعماله في التأليف المسرحي. وهنا يفضل الحجراوي أن ينسب النص إلى جنسية المؤلف. فعلى سبيل المثال، ما قدمه أبو خليل القباني، “يعتبر نصوصاً مسرحية سورية”، بغض النظر عن أنها تحولت إلى عروض مسرحية في مصر، أو غيرها.

وما قدمه المصريان منصور مكاوي في سلطنة عمان والسيد حافظ في الكويت، ينطبق عليه المنهج نفسه. وراعى الحجراوي ذكر نوع النص: هل هو من المسرح الشعري، وهل شعره كتب بالفصحى أم بالعامية، وهل النص مونودراما، أم مسرح دمى وأطفال، وهل قدم كعرض مسرحي أم لا. وعادة عندما يضيف كلمة عرض مسرحي في العنوان الرئيس، فإن ذلك يعني أن النص الذي أعدت عنه المسرحية لم ينشر، أو أن المسرحية معدة عن أعمال لم يهتم أصحابها بنشرها كنصوص واكتفوا فقط بها كعرض مسرحي، أو حتى كمخطوطة، تعذر لسبب أو لآخر نشرها.

ويلاحظ هنا أن غالبية النصوص التي تناولتها الببليوغرافيا الشارحة، تحولت إلى عروض مسرحية. ويرى الحجراوي أن ذلك يتسق مع حقيقة أن الكتاب والمخرجين لم يتكئوا على السير الشعبية، “سوى لإرسال ما يريدونه من مضامين إلى الناس من خلال أبطال يعرفونهم”، إضافة إلى أن استعانة المؤلف بأبطال هذه السير يكون عاملاً مساعداً في توصيل ما يريد قوله، عبر خشبات المسرح في أزمنة وبلدان مختلفة. وهي أيضاً عامل جذب للجمهور إلى قاعات العرض لرؤية أبطال تلك السير متجسدين، بعدما كانوا مجرد صور في المخيلة الجمعية تشكلت من واقع ما يسرده رواة السير الشعبية، في هذا البلد العربي أو ذاك.

4 فئات

واشتمل المعجم على جدول لكل سيرة على حدة يتضمن النصوص المأخوذة عنها وأسماء مؤلفيها وسنة النشر (في حال طباعة النص) أو سنة كتابة النص غير المطبوع. وأضاف الحجراوي جدولاً منفصلاً للنصوص التي لم يصل فيها البحث إلى رأي قاطع. وقسم الحجراوي النصوص التي جمعها إلى أربع فئات، جمعت تلك الببليوغرافيا ثلاثاً منها فقط. الفئة الأولى: فئة النقل، ويكون فيها التأثر صريحاً ومباشراً بالسيرة الشعبية المحول عنها النص، فكل ما يفعله المؤلف هو مسرحة السرد السيري وتحويله إلى حوار.

الفئة الثانية: فئة التحوير أو التعديل حيث يعتمد المؤلفين على شخوص السير الشعبية، لكنهم يعدلون في الأحداث التي جاءت في السيرة من أجل الإسقاط على الواقع. الفئة الثالثة: فئة التبديل، والتأثر فيها بالسير يكون أقل مباشرة من الفئتين الأولى والثانية، حيث يقوم المؤلفون بإدماج بطل السيرة في الحياة المعاصرة. وفي هذه الفئات الثلاث يظل هناك خيط واضح يربط بين السير الشعبية والعمل المسرحي المتحول عنها أياً كانت درجة التأثر بالسيرة.

الفئة الرابعة: التمثيل أو المماثلة. وفي هذه الفئة لا يشير المؤلف إلى السيرة الشعبية التي يأخذ منها ولا تحضر شخوصها بصورة مباشرة، لكن يظهر التشابه مع حدث في حكايات السير الشعبية. فعلى سبيل المثال يقوم المؤلف باستحضار شخص أسود البشرة في مجتمع معاصر ويجعله يحب فتاة بيضاء من عليه القوم فيحاول هذا البطل أن يثبت أنه جدير بحب هذه المرأة. فنحن هنا أمام استعادة لقصة عنترة وعبلة. إلا أن هذا النوع من التأثر بالسير الشعبية يظل في جانب كبير منه احتمالياً ويختلف رصده من باحث لآخر، “لذا استبعدت هذه الفئة من النصوص المجموعة في هذه الدراسة لصعوبة حصرها”.

نصوص من 16 دولة

جمع الحجراوي 250 نصاً مسرحياً من مصر، ولبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين، والعراق، واليمن، والكويت، والسعودية، والبحرين، وسلطنة عمان، والإمارات، وقطر، وتونس، والجزائر، والمغرب. وكان الهدف من هذا الكتاب في البدء شخصياً، كما يقول الحجراوي، فهو حين اختار موضوع “تحولات الخطاب الدرامي من السير الشعبية إلى المسرح العربي 1967: 2011 دراسة تداولية،” كعنوان لأطروحته لنيل الدكتوراه، حرص على جمع أكبر قدر من النصوص التي اتكأت على السير الشعبية، لينشئ قاعدة بيانات تعينه على اختيار العينات التي سيجري عليها عملية التحليل وفقاً للمنهج التداولي.

وما إن انتهى من جمع النصوص، حتى وجد أنها تشكل ما يمكن اعتباره خريطة تحولات السير الشعبية مسرحياً. ولاحظ أن هذه التحولات أخذت أشكالاً عدة بما يتناسب مع كل حقبة تاريخية كتبت فيها هذه النصوص المسرحية. وخلص في السياق ذاته إلى أن بعض السير الشعبية، ما زال يعيش عصره الذهبي، حيث لا يخلو عام في العقدين الأولين من القرن الـ21، إلا وكانت هناك مجموعة من النصوص والعروض قد تولدت عنها. ومن هنا عمد إلى إخراجها في كتاب مستقل بدلاً من أن تكون ببليوغرافيا مجدولة فقط تذكر النص ومؤلفه وسنة نشره أو عرضه.

وهكذا تبلورت ببليوغرافيا شارحة، ترصد كيف تغير تناول الكتاب للسير الشعبية عبر 175 عاماً من تاريخ المسرح العربي، ومن ثم يستطيع غيره من الباحثين أن ينهلوا منها في دراساتهم ويوفروا عناء جمع النص فقط في التحليل والدرس والمقارنة. وهذه الببليوغرافيا تكشف للقارئ العام، “إلى أي مدى كان الإبداع الشعبي فاعلاً في حياتنا بشكل لم يكن يتصوره حتى المثقفون أنفسهم”.

ويعتبر هذا المعجم وما تضمنه من ببليوغرافيا شارحة، حلقة مهمة في مشروع الحجراوي، بعد أطروحتيه للماجستير والدكتوراه، المجازتين من قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة. فقد تجاور عطاؤه النقدي مع مشروعه الإبداعي المبشر، والذي حظي بتكريم نوعي من المجلس الأعلى للثقافة في مصر عبر منحه جائزة الدولة التشجيعية لعام 2026 عن روايته “سيرة هشة ليوم عادي”.

 

علي عطا – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!