“ماكبث” شكسبير… الإنسان الأولى أم الشر المطلق؟
النص الأكثر مأسوية عن الفرد الأكثر إجراماً على مر الزمنين الفني والبشري

ملخص
مسرحية “ماكبث” في نظر الباحثين هي “في سيكولوجيتها، أعمق مآسي شكسبير”. وتحديداً لأن الشخصية الرئيسة فيها هي ليدي ماكبث، تلك، التي بحسب يان كوت “تنتقم لهزيمتها في الحب وفي الأمومة”، جارة ماكبث إلى الجريمة، إلى الكابوس، بعيداً من النوم.
من المؤكد أننا لو تأملنا العدد الأكبر من الأعمال الإبداعية في تاريخ الفن وتساءلنا عن العمل الذي يمكن أن يكون من بينها كلها، الأكثر امتلاءً بالشر، وربما أيضاً الأكثر “احتفالاً” به حتى من دون أن يكون محبذاً له، سنجدنا أمام تلك المسرحية الشكسبيرية الرائعة التي لا تزال حتى اليوم بعد قرون طويلة من سنين مرت على تقديمها للمرة الأولى في حياة صاحبها، شاعر الإنجليز الأكبر، تعد واحدة من أكثر المسرحيات حداثة ومعاصرة وتعبيراً، إلى درجة أن فنانين كثراً من بعد شكسبير اقتبسوها لتتماشى مع أزمانهم فاجتازت الاختبار بنجاح مذهل: إنها مسرحية “ماكبث” من دون منازع، التي تحتل هذه المكانة.
صحيح أن “هاملت” بالنسبة إلى الكثيرين المسرحية الأهم التي كتبها ويليام شكسبير (1564-1616). ومع هذا يرى كثيرون أن “ماكبث” أكثر ارتباطاً بالإنسان ودلالة على نوازعه. بمعنى أن “ماكبث” هي المسرحية الإنسانية الأولى في تاريخ الكتابة المسرحية، أي المسرحية الأولى والأكبر التي جعلت من الشر موضوعاً لها. الشر كمسؤولية بشرية لا كمسؤولية آتية إلى الإنسان من خارجه.
من الصعب طبعاً، في مثل هذه العجالة، المقارنة بين شخصيتي هاملت وماكبث، ولكن يمكن، باختصار، القول إنه بينما تدور الصراعات بين الأهواء والنوازع في “هاملت” داخل روح الأمير الدنماركي الشاب، ما يخلق لديه ذلك التوتر والتردد اللذين صارا علامة أساسية من علامات الخلق البشري المعبر عنه في الفن، فإن ما يحرك ماكبث ليس تردده أو أية صراعات داخلية. ما يحركه هو نزعة الشر التي إذ تدفع الإنسان إلى القتل وإلى التعطش إلى الدم، تقتله في الوقت ذاته. لأن ما نشاهده أمامنا على المسرح في “ماكبث”، إنما هو سقوط ماكبث نحو الجريمة وفي الجريمة. غير أن هذا البعد، يبقى محملاً في الخلفية الفلسفية للعمل، أي إنه لا يلامس المجرى الحقيقي للأحداث التي ربما كان السينمائي أورسون ويلز، واحداً من قلة أخذتها من شكسبير كما ينبغي لها أن تكون.
الحكاية نفسها
إن لدينا، في كل الأحوال، الحكاية المعهودة نفسها عن القائدين العسكريين ماكبث وبانكو، عائدين من المعركة منتصرين إلى الوطن الاسكتلندي، حيث يلتقيان في طريقهما بالساحرات الثلاث، اللاتي يتنبأن لهما بالمجد والسلطة وإن على عرش من الدماء. وتقول النبوءة كما نعرف إن ماكبث سيعتلي بنفسه عما قريب عرش اسكتلندا، غير أن ورثة بانكو هم الذين سيتولون هذا العرش من بعده، لا ورثته هو.
ولاحقاً، حين يكون دانكان، الملك الحالي، في زيارة لماكبث في قلعة هذا الأخير، يندفع ماكبث بتحريض من زوجته، وبعد تردد طويل منه يتناقض مع طموحاته البينة، إلى ارتكاب تلك الجريمة الدامية التي تحقق الجزء الأول من النبوءة: إنه يقتل الملك في جريمة نكراء تسجل، على أي حال، أول هبوط له إلى جحيمه. مهما يكن، فإن ماكبث لن يبدو هنا غافلاً عن أن تحقق النبوءة الأولى سيعني – بالضرورة – تحقق ما يليها من نبوءات.



