أخبار مسرحية

مسرحية “ضيف الليل” لمحمد زيطان: بين الواقعية الشعرية والكوميديا السوداء

قدمت فرقة “لمسة فن” المغربية عملها المسرحي الجديد ” ضيف الليل ” بدعم من وزارة الشباب والثقافة و التواصل – قطاع الثقافة – في المركز الثقافي سلا تابريكت، وهو العمل الذي وقعه محمد زيطان تأليفا وإخراجا بعد عمله المسرحي السابق في الفرقة نفسها “عرس القمر”.

وتأتي هذه التجربة الجديدة بخيارات جمالية متميزة، وباشتغال دراماتورجي واعٍٍ ومتمكن، ورّط الجمهور في أسئلة كبرى حول الهوية والآخر والخوف من المجهول والذاكر؛ إذ لم يقف محمد زيطان عند حدود الحكاية بمفهومها التقليدي، بل اتخذ من “الضيف” رمزاً لتحولات عميقة تعيد ترتيب الأوراق الداخلية للشخصيات، كاشفةً عن تناقضاتها وهواجسها الدفينة في قالب درامي محكم، يمزج بين الواقعية الشعرية والكوميديا السوداء.

تعرض المسرحية حكاية ثلاث أخوات يقطعن مسافات طويلة هربا من ماضيهن/ أرضهن، بعد وفاة والدهن (سليمان) وهو يحفر بئرا لأهل القرية؛ لكل واحدة حكاية، لكن الهدف واحد هو عبور البحر للوصول إلى “ألميريا” حيث تسكن والدتهن “مانويلا”. تتكاثف الأحداث من مشهد لآخر لتكشف عن ملامح صراع (صبيرة، سليمة، ياقوت )؛ فصبيرة وهي الأخت الكبرى تضطر إلى تقمص شخصية ذكورية  “فريد” لتحمي أخواتها، وإن كان ذلك على حساب أنوثتها وحريتها، والوسطى “سليمة” تعيش على ذكرى سحر السينما بعدما غرس فيها والدها الراحل الشغف بالفن السابع، أما الصغرى “ياقوت” فقد أربكها موت الأب، لتفقد توازنها النفسي ويتم استغلالها جنسيا، فتحمل من شاب تدّعي أنه سيجدها ولن يتركها أبدا . وتتوالى التقاطعات الدرامية كاشفة عن مفاجآت أخرى.

إن طابع النص المكثف دراميا، الذي تم الاشتغال عليه بخلفية دراماتورجية منذ البداية، ليقدم مشاهد حركية قصيرة ومركزة، فرض إبداعيا نوعا من الاشتغال المركزي على الممثل وعلى فضاء اللعب، فالممثلون (آية جبران، رجاء بوحامي، نهيلة نايت أولحيان، أمين التليدي) نجحوا في إبراز طباع الشخصيات، على الرغم من أنها شخصيات مركبة  ذات طباع ونزعات مختلفة، حاول المخرج عرضها وجعلها منفلتة ومعقدة تماشيا مع أطروحة النص الدرامية (الرغبة في الهروب مقابل الرغبة في الثأر، الحس الرجولي مقابل الحس الأنثوي)، خصوصا ونحن أمام تجربة إبداعية تعكس ـ إلى جانب المرجعية التاريخية ـ واقعا سياسيا وثقافیا واجتماعیا ونفسیا له امتداد ملموس في المحيط العام. لذلك، أولى المخرج الأولوية للممثل لا كمؤدٍ فقط، بل باعتباره حاملاً للعلامات الأخرى التي تسقطها عليه مكونات السينوغرافيا، وهي علامات تنتمي إلى الإطار المرجعي للنص وإلى العوالم التي يمكن أن تتمفصل عنه.

فكل حركة هي مفردة مدروسة، وكل نمط في الإلقاء هو بحث مكثف، وكل استغلال لفضاء اللعب هو خطة مدروسة، انسجاما مع “واقعية نفسية” تدعمها وتجسدها السینوغرافيا الوظيفية التي تفننت في تصميمها مريم يغمور، حيث وضعت الجمهور أمام حالة التشظي في فضاء مغلق (بيت منعزل)، جدرانه خضراء غامقة في وسطه أريكة حمراء وخلفية هي عبارة عن ركح ثان مبهم ومعتم في كثير من الأحيان؛ ممعنة في استغلال الألوان الغامقة والمعمار السيميتري والكتل القريبة، بل حتى النافذة الوحيدة للبيت جعلتها تطل على الداخل أكثر من الخارج، مستحضرة في ذلك مكون الإنارة الذي من شأنه أن يكمل الخطاب السينوغرافي جماليا و دراميا (توظيف الممرات والبؤر الضوئية مع إنارة عامة خافتة ) ومنسجمة حتى مع طبيعة الزي المسرحي الذي حاولت من خلاله استنطاق الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات والاستناد إلى ألوان منسجمة مع الخلفيات التي تشكلها جدران البيت، مع احترام التفاوت من حيث العمر والمرجعية لكل شخصية على حدة.

لقد أثبت محمد زيطان، من خلال عمله المسرحي الجديد، أنه مُصِر على ترسيخ تقاليد فرجوية خاصة، تزاوج بحرفية عالية بين عمق التأليف المسرحي ورهانات التجريب الإخراجي. لذلك حظي عرض “ضيف الليل” بحضور جماهيري لافت ونوعي، ضم ثلة من المهتمين بالشأن المسرحي والنقاد وعشاق الفن الرابع. وتنتظره جولة فنية في مجموعة من المدن المغربية.

تبقى الإشارة إلى أن مسرحية “ضيف الليل” هي حلقة أخرى في مشروع محمد زيطان المسرحي الذي بدأه بنصه “بلا ما تسول” ثم نص “مقال افتتاحي”، حيث يقع التركيز على تعرية الواقع الهامشي وتموقعات الذات في ظلّ التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم سياسيا و اجتماعيا وثقافيا.

الطاهر الطويل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!