مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة: “نساء يصنعن الحياة من الموت” في مدينة لا تنصاع للفناء

هو ذا موعدٌ آخر لمهرجان غزّة الدولي لسينما المرأة؛ موعدٌ يجيء من جهة الضوء، كأنّه يعرف أنّ العتمة، مهما أحكمت إغلاق نوافذها، لا تستطيع أن تمنع امرأةً من اختراع نافذةٍ أخرى. يجيء دون أن ينتظر من الموت أن يفسح له الطريق، أو من الضمير أن يستيقظ من سباته الطويل، ودون أن يطرق أبواب القلوب التي آثرت ألّا تسمع. يجيء حاملاً أحلام نساءٍ قرّرن أن يصنعن الحياة من الموت، وأن يمنحن الفنّ السابع ما يكفي من وجعهنّ ليصير مرآةً للعالم، وما يكفي من صمودهنّ ليصير نافذةً على ما تبقّى من إنسانيته.
وحين تفتح ستائر الدورة الثانية من المهرجان، في السادس والعشرين من تشرين الأول 2026، بالتزامن مع يوم المرأة الفلسطينية، وتستقبل صالة النخيل المدمّرة في مخيّم البريج أفلامه وحكاياته، لن تكون الشاشة مجرّد مساحةٍ لعرض الصور، بل أحلاماً تخرج من تحت الأنقاض، وقلوباً تستعيد نبضها، وأصواتاً تجرّب أن تقول ما عجز العالم عن الإصغاء إليه. هناك، في المكان الذي تهدّمت فيه الجدران، ستنهض حكايات نساءٍ كلّما سقط بيتٌ شيدن في صدورهنّ بيتاً آخر، وكلّما أطفأت الحرب فرحاً في المخيّم أشعلن في أرواحهنّ قنديلاً يربت على كتف النضال؛ لتبقى تعلّم الماء كيف ينهض من عطشه، وكيف تداري الأمّ اكتواءها بالخيبة، وهي تعرف أنّ أطفالها، مهما استبدّت نصال الحرب فأدمت آمالهم، سيعودون إلى الشدو، وسيظلون أغصاناً تتقن النهوض.
المهرجان، الذي أسّسه ويرأسه الدكتور عز الدين شلح، بدأت حكايته منذ العام الماضي، حين خرجت دورته التأسيسية الأولى من قلب مخيّم النزوح الجزائري في دير البلح، تحت شعار “نساء ماجدات في زمن الإبادة”. يومها، كان الركام المتكوّم ينصت إلى غناء الأرض التي تحاول تضميد جراح نسائها، فيما كانت النساء يواجهن ما خلّفته الحرب من فقدٍ ووحدةٍ وأعباء. ومع ذلك، وُلد المهرجان من قلب المأساة حلماً ثقافياً أراد أن يجمع النبض الإنساني تحت مظلّةٍ عربيةٍ واحدة، وأن يجعل من السينما يداً تمتدّ إلى الحكايات التي كادت تضيع، وإلى النساء اللواتي فقدن أزواجهنّ وأبناءهنّ، لكنهنّ احتفظن بالقدرة على مواصلة الحياة.
وهكذا، في مدينة لا تنصاع للفناء، امتدّ الضوء من دورةٍ إلى أخرى، وتبدّلت العبارة من “نساء ماجدات في زمن الإبادة” إلى “نساء يصنعن الحياة من الموت”، فيما ظلّ الجرح هو الجرح، وظلّت الحكاية تبحث عمّن يصغي إليها.
نعم، الضوء ممتدّ، والجرح باقٍ، لكنّه لم يعد جرحاً صامتاً؛ لقد وجد في السينما لساناً يتكلّم به، وفي النساء أصواتاً لا تتواطأ مع النسيان. وحين تنتهي العروض، وتُطوى الستائر، وتعود النساء إلى خيامهنّ وبيوتهنّ المهدّمة، ستظلّ الحكايات تمشي خارج الصالات، وتتسلّل إلى ضميرٍ بعيد، وتطرق أبواباً أُغلقت طويلاً. وربّما، حين يفتح أحدهم تلك الأبواب أخيراً، لن يجد في انتظاره سوى حمامةٍ بيضاء خرجت من ركام غزّة، تحمل في جناحيها أسماء الغائبين، وأحلام الباقين، ووصيّة النساء اللواتي تعلّمن من أغصان الأرض، حتى في أقسى لحظات الموت، كيف ينهضن بالضياء.
زهراء غريب



