دراما وفنون

مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة… أصداء حكاية تنهض من بين الركام

تنهض حكاية المرأة الفلسطينية من قلب التجربة الإنسانية التي تعيشها غزة، حاملةً ذاكرة البيوت والأحياء والعائلات، وما تركته الحرب من تحولات عميقة في تفاصيل الحياة. وبين الفقد والنزوح وانتظار الغد، تواصل المرأة الغزّية أداء أدوارها في حماية الأسرة وصون الذاكرة والتشبث بالأرض، لتغدو تجربتها مادة إنسانية وثقافية تستحق أن تصل إلى العالم بمختلف أشكال التعبير الفني.

وتأتي السينما في مقدمة الفنون القادرة على احتضان هذه الحكايات، بما تمتلكه من أدوات بصرية وسردية تتيح توثيق التجربة الإنسانية، واستعادة تفاصيلها، ونقلها إلى جمهور يتجاوز حدود المكان واللغة. ومن هذا المنطلق، يكتسب مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة أهمية خاصة، باعتباره مساحة لدعم السينما الفلسطينية، وإبراز إبداعات المرأة الفلسطينية، وإتاحة المجال أمامها لتقديم تجربتها ورؤيتها للعالم.

وفي باب “أصداء” من النشرة الثانية، نستطلع آراء عدد من المثقفين والفنانين العرب حول أهمية المهرجان ودوره في دعم السينما الفلسطينية، وتسليط الضوء على قضايا المرأة الغزّية، وحفظ ذاكرتها الإنسانية عبر الفن السابع. وتتنوع هذه القراءات بين التوثيق السينمائي، ودور الفن في مواجهة النسيان، وأهمية تمكين المخرجات الفلسطينيات، وصولًا إلى آفاق التعاون والانتشار العربي والدولي.

الدكتور سعيد بن محمد السيابي (كاتب وأكاديمي عُماني)

زيتونات فلسطينية في السينما العالمية

يرى الدكتور سعيد بن محمد السيابي أن السينما تمثل إحدى الصناعات الثقافية والفكرية والفنية المؤثرة في حياة الشعوب، لما تتيحه من تناول قضايا الإنسان وتجارب المجتمعات، وتقديم قراءات متعددة للواقع من خلال الصورة والحكاية.

وأشار إلى أن السينما العالمية قدمت عبر تاريخها أعمالًا تناولت الحروب والعنصرية والتهجير، وقضايا الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وأسهمت في فتح نقاشات واسعة حول مصائر الشعوب وما تواجهه من تحديات.

وأوضح السيابي أن متابعته لمهرجان غزة الدولي لسينما المرأة تنطلق من اهتمامه بما يقدمه من مساحة للتعبير عن حياة المرأة الفلسطينية، خصوصًا المرأة الغزّية التي عاشت سنوات من الحصار والحرب، وواجهت ظروفًا قاسية اتسمت بالفقد والنزوح والخوف على الأسرة والأبناء.

ولفت إلى أن النساء في غزة تحملن مسؤوليات كبيرة في رعاية أسرهن والمحافظة على تفاصيل الحياة اليومية، مشيرًا إلى أن شهاداتهن وتجاربهن تزخر بموضوعات إنسانية قادرة على الوصول إلى الجمهور العالمي من خلال السينما.

المرأة الفلسطينية صاحبة حكايتها

وفي حديثه عن دور المهرجان، شدد السيابي على أهمية إتاحة الفرصة أمام المرأة الفلسطينية للمشاركة في صناعة الأفلام وكتابة السيناريو والإخراج والتصوير والتمثيل، بما يمنحها القدرة على تقديم تجربتها من موقع المشاركة والفاعلية.

وأكد ضرورة توفير فرص إنتاج وعرض للمخرجات الفلسطينيات، إلى جانب تنظيم برامج تدريبية تسهم في تطوير المهارات الفنية لدى الأجيال الشابة، وتعزز حضور المرأة في مختلف مراحل العمل السينمائي.

واستحضر عددًا من التجارب السينمائية الفلسطينية التي وصلت إلى مهرجانات عالمية، وتناولت موضوعات الهوية والأرض والذاكرة والعلاقات الاجتماعية والحياة تحت الاحتلال. ورأى أن استمرار هذه التجارب يمثل رافدًا مهمًا للثقافة الفلسطينية، خصوصًا عندما تنقل الأفلام تفاصيل الحياة اليومية للناس، وتقدم وجوهًا إنسانية تتجاوز الصورة الإخبارية.

وأضاف أن خلف كل خبر عن الحرب عائلات وأطفال ونساء وشيوخ، ولكل منهم تجربة تستحق أن تُروى وتُوثق، وهو ما يمنح السينما دورًا مهمًا في حفظ الذاكرة الإنسانية.

السينما والتجربة النفسية في زمن الحرب

وتوقف السيابي عند العلاقة بين السينما والتجربة النفسية للإنسان خلال الحروب، معتبرًا أن هذا الجانب يستحق اهتمامًا خاصًا ضمن برامج المهرجان.

واستحضر مفهوم التطهير النفسي الذي تناوله أرسطو في حديثه عن التراجيديا، موضحًا إمكانية الإفادة منه في فهم الأثر الذي تتركه التجربة الفنية لدى المتلقي، خصوصًا عندما تتناول مشاعر الخوف والحزن والفقد.

وأشار إلى أن المشاركة في صناعة الأفلام ومشاهدتها ومناقشتها قد تفتح مساحات للتعبير عن المشاعر والتجارب الصعبة، إلى جانب الأنشطة الفنية التي يمكن أن تسهم في تقديم دعم نفسي واجتماعي، ضمن برامج تراعي طبيعة الاحتياجات والإشراف المتخصص.

السينما مساحة للمتعة واستعادة تفاصيل الحياة

وأكد السيابي أهمية الجانب الترفيهي للسينما، خصوصًا في المجتمعات التي تعيش تحت ضغوط الحرب والنزوح، حيث يحتاج الناس إلى أعمال تمنحهم مساحة من المتعة والراحة، وتعيد إليهم شيئًا من تفاصيل الحياة المعتادة.

وأشار إلى أن السينما الفلسطينية عرفت تجارب جمعت بين القضايا الجادة والكوميديا والسخرية، وقدمت من خلالها جوانب متنوعة من حياة الفلسطينيين. وأعرب عن أمله في أن يحتضن المهرجان مثل هذه الأعمال، وأن يقدم صورة واسعة عن المرأة الفلسطينية في أدوارها الأسرية والاجتماعية والثقافية، وفي أحلامها وتطلعاتها.

“نساء يصنعن الحياة من الموت”… حكايات تتجاوز المحنة

وعن شعار الدورة الثانية من المهرجان “نساء يصنعن الحياة من الموت”، أوضح السيابي أنه يعكس جانبًا من التجربة التي تعيشها النساء الفلسطينيات في مواجهة تداعيات الحرب.

وأشار إلى أن المرأة الغزّية التي فقدت بيتها أو أحد أفراد أسرتها، أو اضطرت إلى النزوح مرات عديدة، تواصل تحمل مسؤولياتها اليومية ورعاية أسرتها وسط ظروف بالغة الصعوبة.

وتتجلى هذه التجربة في حكايات الأمهات والبنات والجدات والمعلمات والطبيبات والفنانات، وفي قصص نساء يسعين إلى مواصلة الحياة وحماية أسرهن رغم ما يحيط بهن من تحديات.

توثيق الحياة اليومية في غزة

ودعا السيابي صانعات الأفلام الفلسطينيات إلى الاهتمام بتوثيق الحياة اليومية في غزة قبل الحرب وخلالها، بما تحمله من تفاصيل البيوت والأحياء والأسواق والمدارس والجامعات والمناسبات الاجتماعية.

ولفت إلى أن غزة تمتلك تاريخًا ثقافيًا وفنيًا وتعليميًا غنيًا، وقد عرفت أجيالًا من المبدعين والمثقفين والفنانين الذين تركوا بصماتهم في مجالات متعددة.

وأكد أهمية تحويل هذه الذاكرة إلى أعمال سينمائية تستفيد منها الأجيال المقبلة، وتقدم صورة عن المجتمع الفلسطيني وتاريخه وتحولاته، من خلال شهادات الناس وذكرياتهم وتجاربهم.

آفاق التعاون والانتشار السينمائي

وفيما يتعلق بفرص انتشار السينما الفلسطينية، رأى السيابي أن نجاح المهرجان يرتبط بتوسيع علاقاته مع المؤسسات والمهرجانات السينمائية العربية والدولية، بما يفتح آفاقًا للإنتاج المشترك، وتبادل الخبرات، وتوفير برامج تدريبية في الكتابة والإخراج والتصوير والمونتاج.

كما دعا إلى تعزيز حضور الأفلام الفلسطينية في الجامعات والمراكز الثقافية والمؤسسات الفنية، وتنظيم ندوات ولقاءات مع صانعات الأفلام لمناقشة تجاربهن وموضوعات أعمالهن.

وأشار إلى أهمية الاستفادة من تاريخ السينما الفلسطينية وتجارب مخرجيها ومخرجاتها، وفتح حوارات تجمع الأجيال المختلفة، بما يتيح للمواهب الشابة التعرف إلى مسيرة السينما في بلادهم والاستفادة من خبرات السابقين.

زيتونات فلسطين… ذاكرة الأرض في السينما العالمية

وعن عنوان مداخلته “زيتونات فلسطينية في السينما العالمية”، أوضح السيابي أن شجرة الزيتون ارتبطت بحياة الفلسطينيين وأرضهم وذاكرتهم، وحضرت في أعمال أدبية وفنية تناولت القضية الفلسطينية، حتى أصبحت من أبرز الرموز التي يستحضرها العالم عند الحديث عن فلسطين.

وأضاف أن حكايات النساء الفلسطينيات تستحق حضورًا أوسع في السينما العالمية، فلكل امرأة تجربتها وذكرياتها وأحلامها التي يمكن أن تتحول إلى فيلم يصل إلى جمهور بعيد عن غزة، ويعرّفه إلى حياة أهلها وتفاصيل مجتمعها.

وفي ختام حديثه، أعرب عن تطلعه إلى أن يواصل مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة دوره في دعم المبدعات الفلسطينيات، وتوفير فرص حقيقية لصناعة الأفلام وعرضها وتبادل الخبرات. كما تمنى أن تشهد الدورات المقبلة أعمالًا توثق تجارب النساء في غزة، وحياتهن قبل الحرب وخلالها، وما يتطلعن إليه من مستقبل لأبنائهن وأسرهن.

وأشاد بالقائمين على المهرجان والسينمائيات الفلسطينيات اللواتي يواصلن العمل في ظروف صعبة، مؤكدًا أهمية حصول تجاربهن على الدعم والاهتمام والانتشار الدولي. وأعرب عن أمله في أن يأتي اليوم الذي تشاهد فيه نساء غزة أفلامهن مع أطفالهن وأسرهن في دور سينما آمنة داخل مدينتهن.

واختتم بالتأكيد على أن زيتونات فلسطين ستظل حاضرة في حكايات أهلها، وفي الصور التي تحملها السينما إلى العالم.

وليد القصوري (كاتب تونسي)

مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة… حين تصبح الكاميرا ذاكرة للمقاومة وصوتًا للإنسانية

يقرأ الكاتب التونسي وليد القصوري تجربة مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة من زاوية ثقافية وإنسانية، معتبرًا أن المهرجان يمثل مساحة لحماية الذاكرة الفلسطينية، ومنح المرأة الغزّية فرصة رواية حكايتها بصوتها، وتقديم تجربتها بعيدًا عن الصور النمطية والخطابات العابرة.

وأشار القصوري إلى أن المرأة الغزّية خلال الحرب تحمل ذاكرة المكان وتفاصيل الفقد، وتواصل صناعة الحياة وسط الدمار. فخلف كل وجه حكاية أم تبحث عن أبنائها، وامرأة تتمسك ببيتها، وطفلة تتطلع إلى طفولة آمنة، وإنسانة تحاول حماية هويتها وحقها في الحياة.

وأكد أن السينما الفلسطينية تكتسب أهميتها من قدرتها على تحويل الألم إلى شهادة بصرية، والذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية، والحكايات المحلية إلى رسائل إنسانية تتجاوز الحدود.

ولفت إلى أن المهرجان يتيح للسينمائيات الفلسطينيات مساحة للإبداع والتعبير، ويفتح أمام العالم نافذة للاستماع إلى أصوات النساء اللواتي تختزل معاناتهن أحيانًا في أرقام الأخبار وصور الدمار.

وشدد على أن الرهان الحقيقي للمهرجان يتمثل في إيصال الحكاية الفلسطينية إلى ضمير العالم، والتأكيد على أن المرأة الغزّية صاحبة اسم وذاكرة وحقوق وأحلام، وأن تجربتها الإنسانية تستحق الحضور والإنصات.

وأضاف أن السينما في هذا السياق تتحول إلى شهادة تحفظ الذاكرة وتواجه النسيان، وتؤكد أن الحكاية الفلسطينية تظل حية ما دام هناك من يرويها، ومن يؤمن بحق الإنسان في الحياة والكرامة والحرية.

ماجد لفته العابد (فنان وإعلامي من بغداد)

السينما ذاكرةٌ تحفظ وجع الإنسان وتصون حكاية المرأة الغزّية

أكد الفنان والإعلامي ماجد لفته العابد أهمية مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة في دعم السينما الفلسطينية، وتوفير مساحة للمرأة الفلسطينية تروي من خلالها حكايتها وتوثق معاناتها وتجربتها خلال الحرب.

وأشار إلى أن السينما تمثل ذاكرة تحفظ وجع الإنسان، وتسجل تفاصيل الحياة التي قد تغيب عن المشهد الإعلامي، موضحًا أن توثيق حكايات المرأة الغزّية يعني حفظ مرحلة إنسانية تختزن قصص الأمهات والزوجات والفتيات اللواتي واجهن الحرب بما حملته من فقد وألم وأمل.

وأوضح العابد أن أهمية المهرجان تتجلى في إيصال صوت المرأة الفلسطينية إلى العالم، وتقديم حكاياتها بوصفها شهادات إنسانية تتجاوز الحدود، وتعزز حضور الفن في الدفاع عن الحياة والذاكرة والكرامة الإنسانية.

الأستاذ المعتمد اليافعي ( فنان مسرحي عُماني ورئيس فرقة أوفير المسرحية الأهلية)

الفن جسر تعبر من خلاله الحقيقة إلى ضمير العالم

يرى الفنان المسرحي العُماني المعتمد اليافعي أن الفن يحتفظ بدور مهم في زمن الحروب، باعتباره وسيلة قادرة على نقل الحقيقة إلى العالم، ومخاطبة الضمير الإنساني بلغة تتجاوز الحدود.

واستهل حديثه بالقول: “في زمنٍ تتساقط فيه الجدران، وتُهدم فيه البيوت، وتُثقل فيه الحروب أرواح البشر، يبقى الفن أحد آخر الجسور التي تعبر من خلالها الحقيقة إلى ضمير العالم”.

ووصف مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة بأنه تظاهرة ثقافية وإنسانية تعبر عن إرادة الحياة، وتمنح الحكايات الفلسطينية مساحة للحضور والتعبير، بما تحمله من ذاكرة وتجارب إنسانية.

المرأة الفلسطينية… ذاكرة وطن وحكاية حياة

وفي حديثه عن المرأة الفلسطينية، أشار اليافعي إلى أنها تمثل ذاكرة وطن وحكاية مجتمع؛ فهي الأم التي تسعى إلى منح أطفالها الطمأنينة وسط الخوف، والمرأة التي تحمل وجع فقدان البيت وتواصل التمسك بالحلم، والإنسانة التي تختزن من التجارب ما يكفي لكتابة حكايات عن الصمود والبقاء.

ولفت إلى أن أهمية المهرجان تكمن في منح المرأة الفلسطينية فرصة رواية تجربتها بصوتها، وتقديمها بوصفها صاحبة الحكاية وذاكرتها وهويتها وأحلامها.

وأكد أن السينما في مثل هذه الظروف تتحول إلى شهادة للتاريخ، ووسيلة لحفظ الذاكرة، ورسالة إنسانية تصل إلى جمهور من ثقافات ولغات مختلفة.

السينما تعيد الإنسان إلى مركز الحكاية

وشدد اليافعي على أن من أبرز أدوار الفن في خدمة القضية الفلسطينية إعادة الإنسان إلى مركز الحكاية، ودعوة العالم إلى رؤية الوجوه والتجارب والحيوات الكامنة خلف الأرقام والصور.

وأضاف أن الحكاية تكتسب قدرتها على الاستمرار من وجود من يرويها ويحفظ تفاصيلها، وأن الفن يمنح الحقيقة وسيلة للوصول إلى الآخرين، ويجعل الثقافة جزءًا أساسيًا من الجهود الإنسانية الرامية إلى الدفاع عن الحياة والذاكرة.

ورأى أن مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة يؤدي دورًا يتجاوز حدود العروض السينمائية، من خلال حماية الذاكرة من الغياب، وإتاحة المجال أمام المرأة للتعبير عن تجربتها، وتقديم الثقافة بوصفها ضرورة إنسانية في زمن الحرب.

الفن والذاكرة في مواجهة النسيان

وفي ختام مداخلته، أعرب اليافعي عن تقديره للقائمين على المهرجان، وللمرأة الفلسطينية التي تواصل كتابة فصول الحياة رغم قسوة الظروف.

وأكد أن غزة ستبقى حاضرة في الذاكرة والوجدان، وأن حكايات نسائها ستظل شاهدًا على قدرة الإنسان على التمسك بالحلم رغم الحصار والمحنة.

واختتم بتمنياته بالتوفيق والنجاح للدورة الثانية من مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، تحت شعار “نساء يصنعن الحياة من الموت”.

زهراء غريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!