أخبار مسرحية

مهرجان كلباء.. منجم الذهب

في إطار تسليط الضوء على واقع المسرح القصير، جمعت «الخليج» آراء مجموعة من المسرحيين الذين شاركوا برؤاهم حول التحديات والآفاق التي يرونها لهذا النوع المسرحي في المشهد الثقافي.
وبحسب رؤية المخرج والممثل الدكتور حبيب غلوم العطار، فإن مسألة طول أو قصر المسرحية زمنياً لا تحدد بالضرورة قيمتها الإبداعية، وأكد أن هناك عروضاً مسرحية طويلة تتجاوز الساعتين وتحمل قيمة فنية عالية، قادرة على جذب انتباه الجمهور وإبقائه مشدوداً طوال الوقت، دون أن يشعر بمرور الزمن، في المقابل، هناك أعمال قصيرة أو طويلة قد لا تحقق التأثير المطلوب أو ترتقي بالذائقة الفنية المتوقعة، ومن وجهة نظره، فإن جودة العمل المسرحي تتحدد أساساً بمحتواه وأسلوبه، لا بطول مدته.
ويشير العطار إلى أن بعض المسرحيين قد يلجؤون إلى كتابة مسرحيات قصيرة عندما يفتقرون إلى القدرة على تقديم مادة درامية طويلة، حيث يقومون باختصار الفكرة وتكثيفها لتتناسب مع مدة زمنية قصيرة.
ومع ذلك، يرى أن هذا لا يقلل من قيمة المسرحيات القصيرة، بل يراها شكلاً مهماً وضرورياً في عالم المسرح، ويوضح أن كتابة المسرحيات القصيرة يجب أن تكون مدروسة بعناية، بحيث تتناسب النصوص مع الفكرة المراد إيصالها، ولا تكون مجرد اختصار غير مُقنع أو عشوائي.
كما ثمّن الدكتور حبيب غلوم مشروع الشارقة الثقافي باعتباره مشروعاً حضارياً متكاملاً يسهم في تطوير المشهد المسرحي المحلي والعربي، مشيداً بتنوع المهرجانات التي تقيمها الشارقة والتي تستوعب جميع أشكال الأعمال المسرحية الإبداعية، ما يعزز مكانة المسرح ويشجع المواهب الشابة على الابتكار والتطور. ويشير إلى أن جيل المؤسسين قد وضع خبراته وإمكاناته في خدمة هذا المشروع الوطني، ليضمن استدامة الدعم للمواهب المسرحية، وتعزيز دور المسرح في المجتمع الإماراتي والعربي على حدٍ سواء.

خصوصية

بدوره يؤكد الكاتب والمخرج المسرحي صالح كرامة أن الحديث عن المسرحيات القصيرة يبدأ بتحديد ماهيتها وفهم خصوصيتها، فهي لا تسمى قصيرة لأنها تفتقد إلى مقومات المسرح، بل لأن بنيتها الدرامية تقوم على التكثيف والاختزال الزمني والمكاني دون المساس بالجوهر الفني والفكري. فهذه العروض، كما يوضح، تحمل كامل الصفات الإبداعية التي تميز المسرح الكبير من حيث تطور الذهنية وتشكيل الوعي، إذ تمتلك قدرة على رسم العقدة وتصعيد الصراع وتوليد الدهشة بنفس عمق المسرحيات الطويلة.
ويرى كرامة أن التسمية المتداولة «قصيرة» قد توحي أحيانا بأنها شكل مخفف أو أدنى من المسرحيات الأخرى، بينما في الحقيقة هي جزء متين من المنجز المسرحي الإنساني، والسر في نجاحها يكمن في النص المتقن والبنية الحكائية المحكمة.
ويشير إلى أن أعمال أنطون تشيخوف خير مثال، إذ حتى لو قطعت أو جُزئت فإنها تظل تحمل نفس الروح الدرامية الكاملة، لأن العقدة والصراع وسحر الكلمة يحافظان على حضور المسرح مهما تغير شكله أو مدته.
ويضيف كرامة أن قوة المسرح القصير تنبع من طاقة الكلمة وصياغتها الفنية، ومن الأداء التمثيلي المتمكن الذي يحلق بالعرض ويمنحه بعداً إنسانياً وجمالياً قادراً على أسر الجمهور.
ويرى أن النص المتين يبقى مسرحاً على الدوام، حتى إن تعرض للاختزال أو التلخيص، طالما أنه يستند إلى بناء فني راسخ وروح إبداعية ناضجة. فالمسرحيات القصيرة، في جوهرها، ليست «قصيرة» بالمعنى الذي يختزلها أو يقلل من قيمتها، بل هي نتاج مسرح مكتوب بعناية، يقوده فعل تمثيلي خلاق يضخ الحيوية في النص ويمنحه القدرة على التأثير. ولا يمكن لأي عامل مساعد أو تقني أن يطغى على النص الحقيقي المتقن، لأن النص الملهم، المتجسد عبر ممثل موهوب، يظل قادراً على جعل فضاء الخشبة مليئاً بالتوهج، مثبتاً أن المسرحيات القصيرة في حقيقتها مسرحيات كاملة، مكتملة الفن والجمال والإبداع.

مساحة

من جانبه يرى المخرج المسرحي سعيد الهرش، أن المسرحيات القصيرة تمثل مساحة فنية غنية وعميقة قادرة على إعادة قراءة النصوص العالمية بذكاء وجرأة، وهو ما يشكل أبرز ملامحها وميزتها الأهم، ويشير إلى أن أعمالا مسرحية لشكسبير، التي لطالما عدت من النصوص المعقدة والتي تدرس في أرقى المعاهد الفنية العالمية، نجدها اليوم تقدم في مهرجانات عربية بإتقان واقتدار، لتبرهن أن المسرحية القصيرة ليست مجرد شكل مخفف من الدراما، بل منصة فاعلة لإعادة إنتاج التراث المسرحي العالمي بأسلوب عصري ومكثف يحاكي الجمهور المعاصر.
ويؤكد الهرش أن مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة يمثل نموذجاً رائداً على المستوى العربي، إذ تأسس منذ بداياته على فكرة تقديم نصوص عالمية، ما جعله مدرسة حقيقية لتعليم فنيات وتقنيات العمل المسرحي الحديث، فهو كرنفال مسرحي متكامل أسهم في تطوير الطاقات الشبابية الإماراتية والعربية، ومنح جيلاً جديداً من الفنانين والمخرجين فرصة لصقل مهاراتهم وتقديم تجارب إبداعية متقدمة، ويرى أن المهرجان أسهم في بناء حركة مسرحية عربية متجددة تتسم بالابتكار والانفتاح على المدارس العالمية.
كما يولي سعيد الهرش أهمية خاصة للندوات الفكرية التي تصاحب العروض، حيث يعتبرها بمثابة ورش معرفية دسمة تغني الفنانين والمخرجين وكتاب النصوص، بما توفره من اطلاع على تقنيات حديثة وأفكار متطورة في المجال المسرحي. وهذه اللقاءات الفكرية، برأيه، تشكل جزءاً أساسياً من العملية الإبداعية لأنها تمنح التجربة المسرحية بعداً نقدياً ومعرفيا يزيد من جودة العروض. ويختم الهرش بأن مهرجان كلباء أثبت أنه بالفعل «منجم من ذهب»، لما يقدمه من أعمال مسرحية إبداعية راقية تستقطب جمهوراً واسعاً ينتظر هذه الفعاليات سنويا، مؤكدا أن مثل هذه المبادرات تمثل جسراً بين التراث المسرحي العالمي وواقع المسرح العربي المعاصر.

طاقات

بدوره يبين الكاتب المسرحي أحمد عبدالله راشد، أن المسرحيات القصيرة تشكل اليوم بوابة حقيقية لانطلاق الطاقات الشبابية في المجال المسرحي، فهي تمنح المبدعين فسحة للتجريب السريع والتعبير المكثف دون الحاجة إلى إنتاج ضخم أو وقت طويل، وفي زمن السرعة وتعدد الوسائط، يجد الجمهور، وخاصة الشباب، في هذه العروض صيغة أكثر قرباً وتفاعلاً، لأنها تقدم محتوى فنياً عميقاً ومباشراً.
ويؤكد راشد أن المسرحية القصيرة ليست فقط تمريناً أو مقدمة لعوالم الدراما الطويلة، بل هي شكل فني مستقل بذاته، قادر على أن يحمل رسالة واضحة ويحدث تأثيراً ممتداً ويقدم تجربة جمالية متكاملة. ولذا فهو يراها نموذجاً واعداً لمستقبل المسرح، لكونها متناغمة مع إيقاع العصر ومنفتحة على رؤى ومقاربات جديدة.
وبالانتقال إلى تحديات هذا الفن، يوضح راشد أن أبرز العقبات تكمن في ضرورة التكثيف والوضوح، فالمسرحية القصيرة لا تحتمل التكرار أو الإطالة، بل تستوجب صياغة دقيقة لكل كلمة وحركة، لكن هذه التحديات سرعان ما تتبدد أمام الشغف الحقيقي لدى الشباب الحالم بتقديم عرض يعكس فكرته ورؤيته، إذ تمكنه القراءة الواسعة والنهل المتواصل من النصوص المتنوعة من توسيع آفاق خياله وتسهيل مهمة صياغة نص واضح ومكثف قادر على مهارة التعبير وضبط الإيقاع الدرامي.
ويصف أحمد راشد مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، بأنه من أهم المنصات الثقافية العربية اليوم، لأنه مشروع متكامل يستقطب المبدعين الشباب ويمنحهم فرصة عرض أعمالهم أمام جمهور واسع ونقاد متخصصين. ويشير إلى أن المهرجان ساهم في رفد الساحة بأسماء جديدة من كتاب ومخرجين، الكثير منهم باتوا حاضرين في مهرجانات كبرى مثل أيام الشارقة المسرحية.
ويضيف أن انفتاح المهرجان على المكتبة العالمية شجع المخرجين على إعادة قراءة النصوص الكلاسيكية برؤى عصرية، فرأينا هاملت يعزف على الجيتار، والملك لير يمارس النحت، والمملوك جابر يبحث عن حبيبة، في تجديد إبداعي يثبت أن المسرحية القصيرة قادرة على إعادة صياغة الموروث العالمي بما يتناسب مع الواقع المعاصر. كما أن الورش والدورات التدريبية التي تسبق العروض خلقت بيئة تفاعلية خصبة دفعت نحو أعمال أكثر ابتكاراً وجرأة، وهو ما يجعل المهرجان رافعة ثقافية حقيقية، ليس فقط على الصعيد المحلي، بل أيضاً على المستويين العربي والدولي.

نشأة وتطور

 

كتاب «المسرح القصير» للدكتور منتجب صقر، يمثل دراسة نقدية معمقة تسلط الضوء على المسرحية القصيرة، بوصفها أحد أهم أشكال التعبير المسرحي في العصر الحديث. فالكتاب لا يقتصر على تقديم تعريف تقني لهذا الفن، وإنما يستعرض نشأته وتطوره عبر التاريخ مع تحليل خصائصه الفنية والجمالية، وصولاً إلى تأثيره الثقافي والاجتماعي. ويرى المؤلف أن ازدهار هذا النوع من المسرح ارتبط بالتحولات العميقة التي شهدها القرن العشرون، سواء على مستوى الظروف السياسية أو الاجتماعية، حيث فرضت تلك التحولات حاجة ملحة إلى التعبير المكثف والواعي في زمن قصير، يتلاءم مع إيقاع العصر السريع، ومن هنا تبلورت خصوصية المسرحية القصيرة.

يعرّف الدكتور صقر المسرحية القصيرة، بأنها عرض مسرحي يقدم فكرة أو قضية محددة في فترة زمنية لا تتجاوز عادة ثلاثين دقيقة، معتمداً على الإيجاز الدرامي الشديد والاقتصاد في العناصر التعبيرية، ورغم قصر مدتها، فإنها تتمتع بقدرة على إثارة أفكار وأسئلة كبيرة. ويرى المؤلف أن هذا الشكل المسرحي يمنح الكتاب مساحة خصبة لاختبار مهاراتهم في صياغة الفكرة المركزية وبناء الصراع الدرامي داخل إطار محدود، ما يتطلب مهارة بارزة في إدارة النص وتكثيف الأحداث. ويؤكد أن عنصر الإيجاز هنا ليس ضعفاً، بل جوهر يضفي على المسرحية القصيرة قوة وتأثيراً خاصاً.

كما يتعرض الكتاب لتأثير هذا الفن في الأدب المسرحي الغربي، محللاً نماذج مهمة من أعمال كتاب مثل صموئيل بيكيت وإدوارد ألبي، اللذين استطاعا أن يبتكرا من خلال القالب القصير صوراً إنسانية مركزة، مستخدمين لغة مقتصدة وأحداثاً محدودة تشحن النص بكثافة درامية عالية. ويشير الدكتور صقر إلى أن هذه الخاصية تمنح الجمهور تجربة سريعة وفعالة، حيث يختزل الزمن والمكان بما يسمح بتحقيق تفاعل مباشر دون إطالة أو تعقيد.

أساليب فعالة

 

كتاب «Writing the 10-Minute Play»، للكاتب غلن ألتيرمان، يعتبر دليلاً مفصلاً للمسرحيين الذين يرغبون في كتابة مسرحية قصيرة مدتها عشر دقائق، سواء كانوا مبتدئين في هذا المجال أو محترفين. يغطي الكتاب كافة جوانب كتابة المسرحية القصيرة بداية من كيفية توليد الفكرة الأولية للنص، مروراً بكيفية بناء وتطوير الشخصيات، وحتى الوصول إلى مرحلة الصياغة النهائية. يركز ألتيرمان على كيفية كتابة نص درامي قصير يحقق تأثيراً كبيراً في وقت محدود، كما يعرض أساليب فعالة لإعادة الكتابة وتحسين النصوص من خلال قراءتها بصوت عالٍ، ما يسهم في تقوية العمل المسرحي.

يتميز الكتاب أيضاً بتضمينه مقابلات معمقة مع كتاب مسرحيين ناجحين على مستوى دولي، إضافة إلى لقاءات مع ناشرين ومنتجين، ما يمنح القارئ رؤية واضحة عن عملية الكتابة المسرحية من الداخل. من خلال هذه المقابلات، يتعرف القراء إلى التحديات التي يواجهها الكتاب في سوق المسرح، إضافة إلى نصائحهم بشأن ما يجب أن يتجنبه الكاتب، وما يجب أن يركز عليه. كما يشمل الكتاب نصوصاً حائزة على جوائز، حيث يقوم المؤلفون بشرح تقنياتهم وعملياتهم الإبداعية التي استخدموها لإنجاز أعمالهم القصيرة.

يركز غلن ألتيرمان على ضرورة الالتزام بالمدة الزمنية المحددة وهي عشر دقائق، فيشدد على ضرورة بناء قصة متماسكة ذات قوس درامي واضح، ما يعزز تأثير النص ويجعل العرض مؤثراً، يبرز الكتاب أهمية إدخال الصراع سريعاً، وتجنب المشاهد التمهيدية الطويلة التي قد تؤثر في تركيز الجمهور، ويحث الكتاب على تطوير شخصيات محورية وجذابة يمكن للجمهور التعاطف معها بسرعة، ما يضمن التفاعل المطلوب في الوقت القصير.

الميكرو دراما

 

«Microdramas: Crucibles for Theater and Time» هو كتاب نقدي أكاديمي من تأليف جون هـ. موز، يركز على دراسة المسرحيات القصيرة جداً والمعروفة بـ«الميكرو دراما»، يستعرض الكتاب بشكل معمق كيف أن المسرحيات التي تتميز بالقصرة الزمنية (تراوح بين 5 و20 دقيقة) تمثل شكلاً فنياً مميزاً يتطلب مهارات فنية عالية في بناء النصوص والشخصيات. وفقاً للمؤلف، تعد الميكرو دراما أداة مثالية لاستكشاف فكرة أو موضوع معقد ضمن إطار زمني ضيق، ما يجبر الكاتب والمخرج على اختصار الأحداث وتكثيف العاطفة والدراما في وقت محدود.

كما يركز الكتاب على كيفية استخدام الميكرو دراما كأداة لتحفيز التفاعل بين الجمهور والفنان في لحظات مكثفة. ويشير موز إلى أن المسرحيات القصيرة هي وسيلة لاستكشاف أبعاد الزمن والمكان بطريقة مكثفة. ويبرز الكتاب قدرة هذه الأعمال على تقديم لحظات إنسانية محورية، حيث يمكن للمشاهد أن يعيش تجربة مشهد درامي غني دون الحاجة إلى بناء طويل ومعقد.

أحد المواضيع الرئيسية في الكتاب هو الزمن، وكيف يمكن للمسرحيين استغلال اللحظة بشكل حاسم. وهنا يشرح موز كيف أن المسرحية القصيرة تعتبر «مصفاة» لعرض الأفكار الإنسانية الكبرى في وقت قصير، موضحاً أن الميكرو دراما تضطر الكتاب إلى اختيار الأفكار بعناية شديدة بحيث تكون فعالة وقوية. كما يناقش الكتاب أيضاً كيف أن الزمن القصير لا يعني بالضرورة سطحية، بل قد يفتح الباب لعمق أكبر، حيث يمكن تقديم فكرتين أو أكثر في الوقت نفسه باستخدام أساليب سردية مبتكرة.

الكتاب يتناول التقنيات الخاصة التي يستخدمها الكتاب المسرحيون لكتابة نصوص قصيرة، مثل استخدام الصراع المكثف والشخصيات ذات الطابع القوي، كما يشجع الكتاب على الابتكار في الأسلوب، مثل استخدام الرمزية أو الأساليب الميتا-مسرحية، التي تهدف إلى تحفيز التفكير النقدي لدى الجمهور.

 

alkhaleej.ae

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!