دراما وفنون

رشيدة السعدي.. صوت نسائي قوي في السينما المغربية

سينمائية تتميّز بقدرتها على إدارة المشاريع الفنية بكفاءة، مع الحفاظ على حسّها الإبداعي بصفتها مخرجة وسيناريست.

تعرف الساحة السينمائية المغربية وجود عدد محدود من النساء اللواتي انتقلن من العمل الإنتاجي إلى مقاعد الإخراج، بعد مسارات طويلة في صناعة الأفلام، تعرفن خلالها على تفاصيل العمل الفني والتقني، وتعاونّ مع أبرز رواد السينما في البلاد.

يشكل هذا التحول خطوة نادرة ومتميزة، إذ يمنح هؤلاء القلائل القدرة على تقديم رؤى فنية وشخصية متعمقة، تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي بعمق ووعي. ومن بين هؤلاء الاستثنائيين، تبرز المخرجة والمنتجة المغربية رشيدة السعدي، التي يمتد تاريخها المهني على مدار سنوات طويلة، وجمعت بين مهارات الإنتاج والإخراج، وساهمت بشكل فعال في تطوير الصناعة السينمائية الوطنية ودعم المواهب الشابة.

تجربة جامعة

تجربة رشيدة السعدي تمثل نموذجًا للتكامل بين الإبداع الفني والإدارة المهنية، وتؤكد قدرة المرأة المغربية على تقديم أعمال سينمائية تجمع بين الرؤية الجمالية والبعد الثقافي، وتترك أثرًا ملموسًا على مستوى الصناعة الوطنية والدولية.

تُعَد رشيدة السعدي إحدى الأسماء البارزة في المشهد السينمائي المغربي، حيث نجحت منذ بداياتها في الجمع بين مهارات الإخراج وحرفية الإنتاج، ما جعل حضورها يمتد عبر أجيال من المبدعين، استطاعت أن تفرض مكانتها عبر مسار حافل بالأعمال السينمائية، سواء داخل شركتها “جنات برود” أو من خلال تعاونها مع مؤسسات إنتاجية مختلفة.

وتتميّز سعدي بقدرتها على إدارة المشاريع الفنية بكفاءة، مع الحفاظ على حسّها الإبداعي بصفتها مخرجة وسيناريست.

آخر اختيار

طرحت المخرجة رشيدة السعدي فيلمها “آخر اختيار” الذي يناقش إدمان السيدات للقمار، وهي ظاهرة كانت لفترة طويلة مرتبطة بالرجال في السينما والمجتمع، وأثار الفيلم اهتمام النقاد والجمهور رغم عدم حصوله على جوائز خلال المهرجان، بسبب تناوله موضوعًا حساسًا ومعقدًا بأسلوب يجمع بين الواقعية والرمزية، ليمنح الفيلم ثراء بصريًا وعمقًا إنسانيًا.

وحكت المخرجة رشيدة السعدي قصة امرأة مغربية تقع في إدمان لعبة البوكر للهروب من واقعها، بعد تجربة زواج مع صيدلي لم يمنحها السعادة، لتعود بعد ذلك إلى القمار، ويقودها ذلك إلى دوامة نفسية تؤثر على حياتها الشخصية والعائلية، وأضافت أن “آخر اختيار” يشكل تحذيرًا للسيدات من مخاطر القمار والدمار النفسي والعائلي الناتج عنه.

وشارك في بطولة الفيلم الفنانة فرح الفاسي إلى جانب مجموعة من الممثلين المغاربة، ورغم انشغالها بتصوير مسلسل آخر، فقد لعبت دورًا محوريًا في إيصال رسالة الفيلم إلى الجمهور، ونال الفيلم مؤخرًا الجائزة الكبرى في المهرجان الدولي للسينما في كوبا خلال دورته الثامنة عشرة، ما يعكس تميز العمل على مستوى عالمي، رغم عدم فوزه في مهرجان الفيلم الوطني المغربي.

ويبرز “آخر اختيار” نموذجًا للسينما المغربية الجريئة التي تسعى للتركيز على القضايا الاجتماعية المعقدة من منظور جديد ومؤثر، مقدمًا تجربة سينمائية تجمع بين العمق النفسي والجمال البصري.

الشغف بالسينما

بدأت رحلة السعدي الفنية بشكل فعلي سنة 2005 عندما أخرجت أول أفلامها القصيرة “La mer-e“، وقد شكّل هذا العمل نقطة تحول في مسارها، حيث كشف عن اهتمامها بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، وقدرتها على التعبير السينمائي الدقيق. ومن خلال هذه التجربة الأولى، رسّخت السعدي مكانتها كمخرجة تمتلك رؤية واضحة ولغة بصرية خاصة، ما مهّد الطريق أمامها لخوض تجارب إنتاجية وإخراجية أكثر جرأة ونضجًا.

أسست رشيدة السعدي سنة 2007 شركة الإنتاج “جنات برود”، مُحدِثةً نقلة نوعية في مسارها المهني. فبفضل هذه الخطوة، أصبحت جزءًا من صناعة الفيلم المغربي من زاوية مختلفة، حيث انخرطت في إنتاج أعمال ذات قيمة فنية، ومن أبرز ما أنتجته عبر شركتها الفيلم الروائي الطويل “La 5ème corde” للمخرجة سلمى بركاش، وهو عمل لاقى إشادة واسعة.

كما ساهمت شركتها في دعم الطاقات الشابة من خلال إنتاج مجموعة من الأفلام القصيرة التي حملت توقيع مخرجين واعدين، ما يدل على إيمانها بالدور التشاركي للسينما وبقدرتها على الدفع بالمواهب الجديدة نحو الواجهة.

ساهمت رشيدة السعدي على نحو واسع في تطوير الصناعة السينمائية المغربية عبر تولّيها الإنتاج التنفيذي لما يقارب عشرين فيلمًا طويلًا. وتُعرَف في الوسط السينمائي بدقتها في إدارة الإنتاج، وقدرتها على خلق بيئة عمل احترافية تُمكّن المخرجين من تنفيذ رؤاهم الفنية. ويعكس هذا الجانب من مسارها مدى مرونتها بين المهام الفنية والإدارية، كما يُبرهن على عمق فهمها لمتطلبات الصناعة السينمائية في المغرب، سواء من حيث التنظيم أو التمويل أو إدارة الطواقم التقنية.

تعود رشيدة السعدي إلى الكاميرا سنة 2022 لتؤكّد من جديد حضورها كمخرجة، حيث أنجزت فيلمها القصير “أميرة”، وهو عمل يبرز تطور رؤيتها السينمائية ونضج أدواتها الفنية، وتدور أحداثه حول أميرة وكرم يعيشان مع ابنتهما سونيا حياة هادئة، لكنها رتيبة بالنسبة لأميرة التي ترغب في العمل لمساعدة زوجها من أجل شراء شقة. على وشك توقيع عقد البيع، يكتشف كرم أن زوجته تخفي عليه أموالا، فيقرر الوقوف عليها متلبسة بتهمة الزنا.

كما خاضت تجربة جديدة من خلال الفيلم الطويل “آخر اختيار”، وهو إنتاج مشترك بين شركات مغربية وفرنسية، ما يُظهر انفتاحها على التعاون الدولي وقدرتها على توسيع مساحات اشتغالها خارج الحدود الوطنية. وتُبرهن عودتها إلى الإخراج بعد سنوات من الاشتغال الإنتاجي أن الشغف بالسينما ظل حيًا داخلها، وأنها قادرة على الموازنة بين الإبداع الفني والعمل المهني.

إنتاجات متنوعة

تُواصِل السعدي تعزيز حضور السينما المغربية دوليًا من خلال مشاريع جديدة، من بينها أفلام سنة 2025 التي تحمل بصمتها الإنتاجية. ويبرز ضمن هذه الأعمال فيلم “عزيزي الصغير” للمخرجة كريمة كنونني، وهو عمل يستكشف العلاقات الإنسانية بمنظور بصري حساس ودقيق.

وفيلم “عزيزي الصغير” هو العمل الروائي الطويل الأول للمخرجة المغربية كريمة كنوني، ويقدّم قصة مستوحاة من تجربتها العائلية الحميمة مع أخها المصاب بالتوحّد، حيث يركّز الفيلم على العلاقة العميقة بين الأخت وأخيها، ويبرز الحب والحنان والتضحيات دون المبالغة في الدراما أو الشفقة.

وقد قامت رشيدة السعدي بإنتاج الفيلم، لتضفي بدورها خبرتها المهنية على المشروع، مما ساعد في ترجمة رؤية كنوني الفنية إلى تجربة سينمائية واقعية ومؤثرة، تجمع بين النفَس الشعري والحس الواقعي، وتصوّر رحلة بطلة الفيلم سارة في تهريب أخيها من مستشفى للأمراض النفسية، في مغامرة مليئة بالفوضى والضحك والحرية عبر المغرب، لتعكس القوة والمحبة التي توجد داخل الأسرة.

كما تشارك في إنتاج فيلم “وارث أسرار” للمخرج محمد نضيف، الذي يُعدّ أحد الأصوات المميزة في السينما المغربية الحديثة. وتُجسّد هذه الأعمال التزامها الدائم بدعم سينما تحترم الإنسان، وتغوص في تفاصيل الواقع دون أن تفقد بعدها العالمي.

وأطلق المخرج المغربي محمد نظيف فيلمه الجديد “وارث الأسرار”، وهو من إنتاج رشيدة السعدي، ليأخذ المشاهد في رحلة فريدة بين الأدب والسينما، مستوحاة من رواية “انعتاق الرغبة” للكاتبة فاتحة مرشد.

السعدي جمعت بين مهارات الإنتاج والإخراج، وساهمت بشكل فعال في تطوير الصناعة السينمائية المغربية ودعم المواهب

يركز الفيلم على شخصية فريد، الذي تتكشف أمامه أسرار عائلية بعد أربعين سنة من الغموض، فيقوده ذلك إلى مواجهة هويته الحقيقية والبحث عن ذاته. اعتمد نظيف في هذا العمل على أسلوب بصري وجمالي يجمع بين الواقع واللاوعي، مسلطًا الضوء على القيم الإنسانية والتوترات العائلية.

صوّر جزء من أحداث الفيلم في مونتريال بكندا، بما يتماشى مع سياق الرواية، واستفاد من الشراكة الإنتاجية بين المغرب وكندا لإضفاء طابع دولي على العمل. كما حرص على اختيار طاقم متنوع يجمع بين الخبرة والجيل الجديد، حيث جسد شخصية فريد ثلاث مراحل عمرية مختلفة عبر كل من مصعب ناصر وياسر كزوز ويونس بواب، إلى جانب مشاركة أسماء بارزة من المغرب وكندا مثل نادية كوندا ونسرين الراضي ومنية زحزام.

وشارك الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان سينمانيا بمونتريال، تقديرًا لقيمته الفنية واهتمامه بقضايا الهوية والعلاقات الإنسانية المعقدة، مما جعله منصة مثالية للعرض الأول أمام الجمهور الدولي.

من خلال هذا العمل، يسعى محمد نظيف إلى تقديم تجربة سينمائية وجدانية تحث المشاهد على التساؤل حول العائلة، الأسرار، والبحث عن الذات، لتكون السينما نافذة لفهم أعمق للحياة والمشاعر الإنسانية، مع دعم وإنتاج رشيدة السعدي الذي أضاف قيمة كبيرة للعمل.

وتعبر مسيرة رشيدة السعدي، إلى حدّ اليوم، عن صورة مبدعة ملتزمة بالفن وبالصناعة السينمائية في آن واحد، لأنها استطاعت أن تبني لنفسها مكانة محترمة بين المخرجين والمنتجين، وأن تُرسّخ حضورها كصوت نسائي قوي في سينما المغرب. وبين الإبداع والإدارة، تواصل سعدي كتابة مسار مهني مُلهم يستحق التقدير.

عبدالرحيم الشافعي – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!